مع مرور السنوات، لا يقتصر التقدم في العمر على ظهور التجاعيد أو الشيب، بل يمتد إلى حدوث تغيرات عميقة داخل الجسم، أبرزها فقدان الكتلة العضلية. هذه الظاهرة، التي تُعرف طبيًا باسم الساركوبينيا (Sarcopenia)، تعني التراجع التدريجي في كتلة العضلات وقوتها ووظيفتها. ورغم أن فقدان العضلات يحدث بدرجات متفاوتة لدى جميع البالغين، فإن الساركوبينيا تمثل الشكل الأكثر حدة، وقد تجعل الوقوف أو المشي أو حتى النهوض من الكرسي مهمة صعبة ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على الكتلة العضلية .
الأخطر من ذلك هو أن ضعف العضلات يزيد من خطر السقوط، وهو أحد أهم أسباب الإصابات الخطيرة والوفيات لدى كبار السن. من هنا تبرز أهمية الحفاظ على الكتلة العضلية ليس فقط لأسباب جمالية أو رياضية، بل كركيزة للاستقلالية وجودة الحياة.
أظهَرت تحليلات علمية حديثة نُشرت في مجلة علمية متخصصة في التغذية والشيخوخة أن الجمع بين تمارين المقاومة، وتمارين التوازن، والحصول على كمية كافية من البروتينات، يؤدي إلى تحسين سرعة المشي، وقوة قبضة اليد، وزيادة الكتلة العضلية الخالية من الدهون، المعروفة طبيًا باسم الكتلة العضلية الصافية (Lean Muscle Mass). هذه النتائج تعزز مفهومًا مهمًا: الحفاظ علي الكتلة العضلية يتطلب استراتيجية متكاملة، لا عنصرًا واحدًا فقط.
أولًا: تمارين المقاومة هي حجر الأساس في الحفاظ على الكتلة العضلية
قبل الدخول في التفاصيل، من المهم توضيح أن تمارين المقاومة لا تعني بالضرورة رفع أوزان ثقيلة في صالة رياضية، بل تشمل أي نشاط يُجبر العضلة على العمل ضد مقاومة، سواء كانت أوزانًا حرة أو أجهزة أو حتى وزن الجسم.
ممارسة تمارين المقاومة مرتين أسبوعيًا على الأقل.
زيادة شدة التمرين إذا كان الشخص قادرًا على أداء 10 تكرارات أو أكثر دون صعوبة.
التركيز على جميع المجموعات العضلية الكبرى.
تشير الأبحاث إلى أن الالتزام بهذه الوتيرة يساهم بوضوح في الحفاظ علي الكتلة العضلية وتحسين القوة الوظيفية. فعندما تستطيع العضلات مقاومة حمل معين بسهولة، فهذا مؤشر على ضرورة رفع مستوى التحدي، لأن العضلة تنمو استجابةً للإجهاد التدريجي.
كما توصي جهات علمية مثل الكلية الأمريكية للطب الرياضي بدمج تمارين القوة ضمن البرنامج الأسبوعي للبالغين بعد سن الستين، لأن الحفاظ على الكتلة العضلية في هذه المرحلة يقلل من الاعتماد على الآخرين في الأنشطة اليومية.
ثانيًا: تمارين التوازن لتقليل خطر السقوط وفي الحفاظ على الكتلة العضلية
رغم أهمية تمارين المقاومة، فإنها لا تعالِج جانب التوازن بشكل مباشر. وهنا تأتي أهمية إدراج تمارين تستهدف تحسين الاتزان العصبي العضلي.
تمارين التوازن تعتمد على تدريب الجهاز العصبي والعضلات على الاستجابة السريعة للتغيرات المفاجئة في الوضعية، وهو ما يقلل خطر السقوط، مثل:
المشي على أسطح غير مستوية.
تخطي عوائق منخفضة.
تغيير الاتجاه بسرعة أثناء الحركة.
التدريب على الوقوف على قدم واحدة.
توصي الدراسات بممارسة تمارين التوازن ثلاثة أيام أسبوعيًا أو أكثر لتحقيق فاعلية أكبر. الجمع بين تمارين القوة والتوازن يعزز الحفاظ علي الكتلة العضلية ويحسن سرعة المشي وقوة القبضة، وهما مؤشرين مهمين على الصحة العامة لدى كبار السن.
الأرقام هنا مهمة، إذا كان الشخص قادرًا على أداء 10 تكرارات دون صعوبة، يجب زيادة الشدة، لأن الثبات عند مستوى واحد يقلل من الفائدة المتوقعة في الحفاظ علي الكتلة العضلية.
ثالثًا: البروتينات… لكن ليست لوحدها
تُعد البروتينات عنصرًا أساسيًا لبناء وإصلاح الأنسجة العضلية، إلا أن الأدلة تشير بوضوح إلى أن زيادة تناول البروتينات دون ممارسة التمارين لا تؤدي إلى تحسن ملحوظ في القوة أو الحركة.
توصي جهات التغذية بأن يحصل البالغون الأكبر سنًا على نحو 25 إلى 30 غرامًا من البروتينات في كل وجبة. هذا الرقم ليس عشوائيًا؛ إذ تشير الدراسات إلى أن هذه الكمية تحفّز صنع البروتين العضلي (Muscle Protein Synthesis)، وهي العملية الحيوية المسؤولة عن الحفاظ علي الكتلة العضلية.
الاعتماد على مصادر غذائية كاملة مثل الدجاج والبيض والبقوليات والمكسرات.
توزيع البروتينات على الوجبات بدلًا من تناولها دفعة واحدة.
استشارة الطبيب أو أخصائي التغذية قبل استخدام المكملات.
اتباع منهج “الغذاء أولًا” يعني تفضيل المصادر الطبيعية قبل اللجوء إلى المساحيق أو المشروبات البروتينية. ومع ذلك، قد تكون المكملات مفيدة في ظروف معينة.
هل المكملات البروتينية ضرورية في الحفاظ على الكتلة العضلية ؟
بعض كبار السن الذين يَستخدمون أدوية لعلاج السكري والسمنة من فئة ناهضات مستقبل GLP-1 (GLP-1 Receptor Agonists) قد يفقدون نسبة ملحوظة من الكتلة العضلية الصافية. هذا الفقد قد يُحدث لدى بعضهم إلى ما يُعرف بالهشاشة الجسدية أو الوهن (Frailty)، وهي حالة تزيد من المضاعفات الصحية.
في هذه الحالات، قد تساعد مخفوقات البروتين في دعم الحفاظ علي الكتلة العضلية، بشرط اختيار النوع المناسب. فمرضى السكري يحتاجون إلى منتجات خالية من السكر، بينما قد يضطر مرضى الكلى إلى تقليل إجمالي البروتينات بسبب تأثيرها على وظائف الكلى. كذلك، يُنصح المصابون بالنقرس بتجنب اللحوم الحمراء رغم كونها مصدرًا شائعًا للبروتينات.
بعض مساحيق البروتين أسهل هضمًا من غيرها، لذلك تظل الاستشارة الطبية خطوة أساسية قبل البدء بأي مكمل، لضمان أن هدف الحفاظ علي الكتلة العضلية لا يأتي على حساب مشكلات صحية أخرى.
لماذا الحفاظ على الكتلة العضلية مهم بعد الستين؟
ابتداءً من العقد السادس من العمر، يتسارع فقدان العضلات بمعدل قد يصل إلى 1% سنويًا من الكتلة العضلية. هذا يعني أن الحفاظ على الكتلة العضلية يصبح سباقًا مع الزمن. ضعف العضلات لا يؤثر فقط في القدرة على حمل الأغراض أو صعود الدرج، بل يرتبط بزيادة مدة البقاء في المستشفى، وبطء التعافي، وارتفاع معدلات الوفاة.
من هنا، فإن الجمع بين تمارين المقاومة، وتمارين التوازن، والتغذية البروتينية الكافية يشكل ثلاثية ذهبية لدعم الحفاظ علي الكتلة العضلية والحد من مضاعفات الشيخوخة.
نصيحة من موقع صحتك
لا تنتظر ظهور الضعف لتبدأ. خصص يومين أسبوعيًا على الأقل لتمارين المقاومة، وثلاثة أيام لتمارين التوازن، واحرص على تناول 25–30 غرامًا من البروتينات في كل وجبة. إذا كنت تستخدم أدوية من فئة GLP-1 أو تعاني من أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى، ناقش خطة التغذية مع فريق الرعاية الصحية. الحفاظ علي الكتلة العضلية ليس هدفًا قصير المدى، بل استثمار طويل الأجل في استقلاليتك وصحتك.
Loading ads...
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ننتظر حتى تصبح الحركة صعبة، أم نبدأ اليوم بخطوات بسيطة تحمي عضلاتنا لسنوات قادمة؟ وهل يمكن أن يكون الحفاظ علي الكتلة العضلية هو المفتاح الحقيقي لشيخوخة أكثر قوة وكرامة؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






