2 ساعات
"دبلوماسية الزوارق الحربية".. استراتيجية ترمب لمواجهة نفوذ بكين
السبت، 21 فبراير 2026

تتبني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب موقفاً متشدداً في سياستها الخارجية مع دول نصف الكرة الغربي، استناداً إلى هدف استراتيجي واضح، يتمثل في مواجهة النفوذ الصيني، وذلك في إطار سعيها لإعادة تكريس هيمنة الولايات المتحدة في المنطقة التي تعتبرها "منطقة نفوذ حصري" للولايات المتحدة، وفق مجلة "بوليتيكو".
وقالت المجلة، في تقرير، الجمعة، إن الرئيس ترمب يسوّق جملة من المبررات لسياساته الخارجية "العدائية" في نصف الكرة الغربي، إلا أن دافعاً واحداً يوحّد كبار مستشاريه في السياسة الخارجية أكثر من غيره، وهو "التصدي لبكين".
ويربط هذا الهدف بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الصين، ونائب الرئيس جي دي فانس، الذي سبق أن انتقد انخراط الولايات المتحدة في شؤون الدول الأجنبية.
ونقلت المجلة عن ألكسندر جراي، الذي شغل منصب كبير موظفي مجلس الأمن القومي في فترة ولاية ترمب الأولى، قوله إن هذا التوجه يحظى أيضاً بدعم نائب كبيرة موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، الذي ركّز طويلاً على مكافحة تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية من أميركا اللاتينية، وكذلك إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب للشؤون السياسية، الذي يعتبر بكين التهديد الرئيسي للولايات المتحدة.
وأشارت "بوليتيكو"، إلى أن ما يجمع هؤلاء جميعاً هو قناعة راسخة بأنه على الولايات المتحدة "تطهير" نصف الكرة الغربي من النفوذ الصيني.
وأوضح جراي، أن "الرؤية العامة تنطلق من أنه لا يمكن الدفاع عن الوطن دون الهيمنة في نصف الكرة الغربي"، مضيفاً: "لذلك يجب تأمين هذا المجال أولاً، ومن هناك، يمكن توجيه القوة إلى الخارج للتركيز على ساحة المنافسة الرئيسية الأخرى، وهي منطقة المحيطين الهندي والهادئ".
ويشير هذا التوجه، بحسب التقرير، إلى المدى الذي قد تمضي إليه الإدارة الأميركية لتعزيز نفوذها في المنطقة، وإلى مدى جديتها في التعامل مع التوسع الاقتصادي الصيني باعتباره "تهديداً للأمن القومي".
ونقلت المجلة عن متحدث باسم الخارجية الأميركية، قوله، إن "التوسع الاقتصادي الصيني في نصف الكرة الغربي، لا سيما عبر شركات خاضعة لسيطرة أو تأثير الحزب الشيوعي والجيش الصيني، يُشكّل تهديداً للأمن القومي والازدهار في الولايات المتحدة".
وفي بيان له، لم يذكر البيت الأبيض الصين بالاسم، لكنه ركّز على ما وصفه بـ"مواجهة الخصوم" ضمن مسعى أوسع لإعادة إحياء "مبدأ مونرو"، وهي السياسة التي أُعلنت عام 1823، والتي تعتبر الأميركيتين منطقة نفوذ حصري للولايات المتحدة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي: "كما أوضح الرئيس ترمب في استراتيجيته للأمن القومي، تعمل الإدارة على إعادة تأكيد وتطبيق مبدأ مونرو لاستعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، ومواجهة الخصوم، والسيطرة على الهجرة، ووقف تهريب المخدرات".
وأردفت: "لقد أثبت نهجه نجاحه، إذ توقف تهريب المخدرات براً وبحراً بشكل فعلي، وأصبحت حدودنا آمنة من المخدرات غير المشروعة والمجرمين".
ورغم استعداد ترمب لزيارة من المتوقع أن تكون ودية إلى بكين في أبريل المقبل، تركز على إعادة التوازن التجاري وضمان وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الأرضية النادرة، فإن إدارته أمضت الأشهر الأولى من العام الجاري، في اتخاذ إجراءات تُضعف بشكل مباشر موقف الصين في الأميركيتين، بحسب "بوليتيكو".
وقال مسؤول في البيت الأبيض، الجمعة، إن الرئيس ترمب سيزور الصين في الفترة من 31 مارس إلى الثاني من أبريل المقبل، ما يحدد موعداً للقاء منتظر بشدة مع نظيره الصيني شي جين بينج، وسط توتر بين أكبر اقتصادين في العالم.
وتوقع المسؤول أن يلتقي ترمب مع شي في إطار زيارته المطولة، وذلك في وقت يدرس فيه الجانبان، إمكانية تمديد "هدنة تجارية" أوقفت تصعيد الرسوم الجمركية. ورفض المسؤول الكشف عن اسمه في أثناء مناقشة التفاصيل التي لم تُعلن.
وقال ترمب لقادة أجانب، الخميس الماضي، عن زيارته إلى الصين، إنها "ستكون زيارة مثيرة للغاية. علينا أن نقدم أكبر عرض شهدته الصين في تاريخها".
مع ذلك، اعتبرت "بوليتيكو" أن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، كان "المثال الأوضح" على ذلك، إذ كانت بكين أكبر مشترٍ لنفط كاراكاس وأحد أبرز شركائها الاقتصاديين.
ونقلت المجلة عن كاري فيليبيتي، التي شغلت منصب نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون كوبا وفنزويلا في مكتب شؤون نصف الكرة الغربي خلال ولاية ترمب الأولى، قولها إن "التيار الانعزالي رأى في القبض على مادورو امتداداً لقضايا الأمن القومي والشؤون الداخلية الأميركية".
وأضافت فيليبيتي، أن "المعنيين بملف بكين رأوا في ذلك وسيلة مهمة للتصدي لأسطول الظل الصيني (السفن التي تُستخدم للالتفاف على العقوبات) وتدخلاته الأخرى في نصف الكرة الغربي، فيما كان الصقور مهتمين بضمان حرية فنزويلا وديمقراطيتها، لذا اتفق الجميع على هذا النمط من دبلوماسية الزوارق الحربية (تعبير يشير إلى التلويح بالقوة العسكرية لفرض أهداف سياسية على دولة أخرى) بعد القبض عليه".
كما تعمل إدارة ترمب، بحسب التقرير، على زعزعة استقرار الحكومة الكوبية، وتهديد بنما، أول دولة في أميركا اللاتينية تنضم إلى مبادرة "الحزام والطريق"، التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينج، وهو برنامج دولي لتطوير البنية التحتية.
وفي الوقت نفسه، توترت العلاقات مع البرازيل، أكبر شريك تجاري للصين في المنطقة، وأكد الرئيس الأميركي، أنه على الولايات المتحدة "امتلاك جرينلاند" لمنع الصين وروسيا من احتلال الجزيرة، وترسيخ موطئ قدم لهما في المنطقة.
وحتى في الحالات التي لا تلجأ فيها إدارة ترمب إلى "دبلوماسية الزوارق الحربية"، فإنها وجدت سبلاً أخرى لاستفزاز دول أميركا اللاتينية، التي عززت علاقاتها مع الصين، بحسب "بوليتيكو".
وأشار التقرير إلى فقدان الحكومة البيروفية السيطرة التنظيمية على ميناء تشانكاي الضخم، البالغة كلفته 1.3 مليار دولار، الذي بنته وتديره الصين، بوصفه أحدث مثال على المخاطر التي ترى الإدارة أنها ناجمة عن تنامي نفوذ بكين في المنطقة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية: "لا يوجد بلد بمنأى عن الآثار السلبية لممارسات الصين التجارية غير المنصفة، والطاقة الإنتاجية الفائضة المدعومة من الدولة"، موضحاً أن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع الحكومات في نصف الكرة الغربي لتشجيع اتخاذ قرارات مدروسة في تعاملاتها مع الصين".
مخاوف من تداعيات سلبية
مع ذلك، حظى هذا الموقف المتشدد للإدارة الأميركية بإشادة من قادة أميركا اللاتينية ذوي الميول اليمينية في الأرجنتين وتشيلي وأوروجواي، لكنه قد يأتي بنتائج عكسية في أجزاء أخرى من المنطقة التي تخشى عودة "دبلوماسية الزوارق الحربية" الأميركية، وتدفع حكوماتها إلى الاقتراب أكثر من بكين.
وقال ليلاند لازاروس، المساعد الخاص السابق لقائد القيادة الجنوبية الأميركية، إن "سياسات إدارة ترمب المتشددة قد تدفع الدول إلى الرضوخ للمطالب الأميركية على المدى القصير، لكنها على المدى الطويل قد تؤدي إلى حرق الجسور مع المنطقة، ما يفتح فرصاً واسعة أمام الصين مستقبلاً"، محذراً من أن استدعاء "مبدأ مونرو"، وإعادة فرض الهيمنة الأميركية في المنطقة "سيترك أثراً سلبياً للغاية لدى شعوب المنطقة على المدى الطويل".
وفي مثال على ذلك، اتجهت كندا إلى الصين لتنويع علاقاتها التجارية بعيداً عن الولايات المتحدة، وقام رئيس الوزراء مارك كارني بزيارة إلى بكين، الشهر الماضي، ليصبح أول زعيم كندي يقدم على هذه الخطوة منذ نحو عقد.
ولفت التقرير إلى أن عدداً من كبار مسؤولي إدارة ترمب سبق أن أشاروا إلى أن الصين والولايات المتحدة تسيران نحو "مسار تصادمي".
وخلال الأشهر الأولى من ولايته، اتخذت إدارة ترمب موقفاً عدائياً تجاه الصين، إذ رفعت الرسوم الجمركية إلى ما يصل إلى 145%، وردت بكين بإبطاء تدفق المعادن الحيوية، ما أجبر الرئيس الأميركي على السعي إلى تهدئة التوترات.
استراتيجية جديدة تجاه الصين
وأوضحت استراتيجية الأمن القومي الأميركي، الصادرة في ديسمبر الماضي، أن الولايات المتحدة ستسعى إلى إعادة التوازن التجاري مع الصين، مع السعي لردع وجودها العسكري في المحيط الهادئ، إلا أن الإدارة تجنبت إلى حد كبير المواجهة العلنية المباشرة مع بكين.
لكن الموقف العلني الودي تجاه الرئيس الصيني لا ينطبق على نصف الكرة الغربي، حيث يبدو أن ترمب ومستشاريه يتمتعون بمساحة أكبر لممارسة الضغوط على الصين. وأشار جراي إلى أن هناك أسباباً عديدة تجعل من المتوقع أن يستمر هذا النهج.
وقال جراي: "لا تزال لدينا حكومات يسارية في أميركا الجنوبية، مثل البرازيل، تُوسّع علاقاتها مع الصين"، مضيفاً: "بقدر ما نحب حكومة (الرئيس الأرجنتيني خافيير) ميلي، فإنها لا تزال تستضيف محطة أرضية للأقمار الصناعية الصينية في البلاد".
ويشير قسم نصف الكرة الغربي في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، بشكل غير مباشر، إلى الصين باعتبارها تهديداً، ويظهر بوضوح بين السطور أن القوة الاقتصادية المتنامية لبكين هي الدافع وراء عبارات مثل "إخراج الشركات الأجنبية التي تنفذ مشاريع بنية تحتية في المنطقة"، وكيف تهدف الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها من خلال بناء تحالفات مع دول أميركا اللاتينية، لجعل "زيادة نفوذ المنافسين من خارج نصف الكرة" أكثر صعوبة.
ووفق "بوليتيكو"، فإن الولايات المتحدة قد تواجه صعوبة في إقناع الدول بالخروج من فلك الصين، نظراً للعلاقات الاقتصادية الوثيقة التي تربط بكين بالمنطقة، والتي تعززت من خلال التجارة والاستثمار في البنية التحتية.
وبحسب بيانات الجمارك الصينية، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وأميركا اللاتينية 565 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ346 مليار دولار مع الولايات المتحدة.
كما وقّعت بكين اتفاقيات مع 22 من أصل 33 دولة في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي للانضمام إلى مشروعات البنية التحتية ضمن مبادرة "الحزام والطريق".
خطوات أولية لمواجهة نفوذ بكين
ورأى ستيفن مكفارلاند، السفير الأميركي السابق لدى جواتيمالا، والذي شغل 8 مناصب دبلوماسية أخرى في أميركا اللاتينية، أن "السؤال الكبير هو: ما البديل للبنية التحتية الممولة من الصين؟ فالشركات الأميركية أحجمت إلى حد كبير عن المشاركة في المشروعات الكبرى في أميركا اللاتينية".
ومن المقرر أن يعقد ترمب اجتماعاً مع قادة أميركا اللاتينية في 7 مارس المقبل في ميامي، قبل أسابيع قليلة من قمته مع نظيره الصيني في بكين، وفق ما أكد مسؤول في البيت الأبيض. إلا أن الجهود المبذولة لإقناع دول المنطقة بتقليص علاقاتها الاقتصادية مع الصين قد تتعثر ما لم تتمكن الولايات المتحدة من تقديم بديل مستدام.
ويعد ذلك تحدياً كبيراً، بحسب المجلة، نظراً لعدم قدرة الولايات المتحدة على مجاراة الشهية اللامحدودة للصين تجاه السلع التي تنتجها المنطقة، بما في ذلك فول الصويا وخام الحديد واللحوم.
ونقلت المجلة عن خورخي هاينه، سفير تشيلي السابق لدى بكين، قوله إن "أسرع المناطق نمواً في العالم اليوم ليست الولايات المتحدة، ولا أوروبا، بل آسيا، وتحديداً الصين"، مضيفاً: "هناك تكمن فرص النمو، لذا لو كنت وزيراً للاقتصاد في دولة بأميركا اللاتينية، فلماذا قد تفوّت هذه الفرصة؟".
واتخذت إدارة ترمب خطوات أولية لمواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني في المنطقة، والذي حظيت به بكين بسبب استثمارات مبادرة "الحزام والطريق"، بما في ذلك مشروعات الطاقة الكهرومائية في الإكوادور وبناء مترو بوجوتا.
وأوضحت المجلة، أن الإدارة الأميركية، زادت التمويل المخصص لشركة تمويل التنمية الدولية، وحمت وكالة التجارة والتنمية الأميركية من تخفيضات التمويل وإعادة الهيكلة التي فرضتها وزارة الكفاءة الحكومية DOGE، التي كان يقودها الملياردير إيلون ماسك، على الجهاز البيروقراطي الفيدرالي العام الماضي.
Loading ads...
لكن براين نيكولز، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون نصف الكرة الغربي في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، قال إن هذه الخطوات لن تُثمر نتائج إيجابية على المدى القريب، موضحاً أن "إنجاز مشروع بمليارات الدولارات لا يزال يستغرق وقتاً طويلاً عبر كل هذه الإجراءات، ونحن لسنا بعد بالمرونة نفسها التي يتمتع بها الصينيون".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

