5 أشهر
لماذا دخلت السعودية ودول خليجية معركة الاستحواذ على استوديوهات "وارنر برذرز"؟
الأربعاء، 10 ديسمبر 2025

فيما تستمر سلسلة هاري بوتر وبعض مسلسلات وأفلام الأبطال الخارقين والخيال العلمي في استقطاب عشّاق الفن السابع، تحتدم معركة الاستحواذ على شركة "وارنر برذرز ديسكفري"، وما تملكه من حقوق وتراخيص وأفلام وقنوات مثل "سي إن إن" في الولايات المتحدة. ودخلت باراماونت، الشركة الإعلامية العملاقة المنافسة بتقديمها عرضًا للاستحواذ على منافستها "وارنر برذرز" الإثنين 8 ديسمبر/كانون الأول، بقيمة 108 مليارات دولار. يزيد هذا المبلغ بمقدار 20 مليار دولار عن عرض الاستحواذ الذي قدمته "نتفليكس" خلال المفاوضات "الحصرية" بين عملاقي الإعلام الجمعة. اقرأ أيضامقابل 72 مليار دولار.. نتفليكس يستحوذ على استوديوهات وارنر برذرز ديسكفري رغم ذلك، خرجت نتفليكس منتصرة من معركة مزايدة استمرت أسابيع ضد "باراماونت" و"كومكاست"، وأبرمت صفقة لشراء استوديوهات "وارنر برذرز ديسكفري" التلفزيونية والسينمائية وأصول البث المباشر مقابل 72 مليار دولار. لكن يبقى أن محاولة باراماونت تعني أن التنافس على "وارنر برذرز" وأصولها الثمينة من (إتش.بي.أو) و(دي.سي كوميكس) لن يُحسم سريعا.
يظهر برج المياه التابع لشركة "وارنر بروس" في استوديوهات الشركة في بوربانك، كاليفورنيا، الولايات المتحدة في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025. © أسوشيتد برس.
تعقيبا، رأى جاك تومسون، خبير السياسة والإعلام الأمريكيين بجامعة أمستردام، أن "علامة وارنر برذرز ديسكفري التجارية جذّابة بشكل كبير لأي شخص يهتم بصناعة الترفيه". ومن ثمة، سعت نتفليكس للاستحواذ على كامل باقة المسلسلات التي تحوزها شبكة HBO المرموقة، فيما تريد "باراماونت" استكمال تطوير سلسلة "سيد الخواتم" على الشاشة الكبيرة. "حرب ثقافية" ونفوذ ترامب يطال السينما رغم ذلك، لا يبدو أن هذا الصراع يقتصر فقط على قطاع صناعة السينما أو على الجوانب الاقتصادية والمالية، بل إنه يمتد ليشمل مجال السياسة. لعل ذلك ما يفسر العرض الهائل الذي قدمته "باراماونت". فقد بات هذا الاستوديو السينمائي العريق، صاحب أول فيلم روائي طويل في هوليوود عام 1914 ("ذا سكوا مان" - من أفلام الغرب الأمريكي)، بمثابة إمبراطورية إعلامية موالية جداً لترامب، منذ تولي ديفيد إليسون زمام الأمور في باراماونت شهر أغسطس/آب الماضي. والأخير هو نجل لاري إليسون، رئيس شركة "أوراكل"، وداعم رئيسي لحركة ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا"، وصديق مقرب من الرئيس الأمريكي. كما أن العرض المقدّم من "باراماونت" لا يطرح فقط إشكالية بسبب العلاقات الوثيقة بين البيت الأبيض والعائلة التي تدير هذه الشركة، بل لأن جاريد كوشنر، صهر ترامب، ضالع هو الآخر مالياً في محاولة الاستحواذ على "وارنر بروس"، حسبما كشفه موقع أكسيوس الإثنين. في هذا الإطار، يشرح جاك تومسون هذا الوضع بقوله: "إنه تضاربُ مصالحٍ واضح... فقبل حوالي عشر سنوات، لم يكن مثل هذا السلوك واردا أصلاً، وكانت الفضيحة لتكون هائلة". من جهته، يرى سكوت لوكاس، خبير الشؤون الأمريكية في جامعة دبلن بأنه "لا يمكن لغارد كوشنر العمل في البيت الأبيض والمشاركة بمفاوضات السلام في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وفي نفس الوقت، السعي إلى تحقيق مكاسب مالية مستفيدًا من علاقته الوثيقة بالرئيس وعبر انخراطه في مثل هذا النوع من المعاملات المالية. حتى إن مجرد عدم إثارة تورطه استنكارًا فوريًا، لهو دليلٌ على مدى تغلغل الرأسمالية والمحسوبية خلال عهد ترامب". ولفت هؤلاء الخبراء الذين حاورتهم فرانس24، إلى أن اهتمام هذا التحالف المؤيد لترامب بالاستحواذ على شركة "وارنر برذرز" هو جزء من "حرب ثقافية" واسعة النطاق يشنها اليمين المحافظ المتشدد في الولايات المتحدة. يضيف لوكاس: "هدف اليمين الأمريكي هو وضع رجالاته على رأس كافة المجموعات الإعلامية. دونالد ترامب لن يتوانى عن التدخل مباشرة لضمان تنفيذ ذلك".
يظهر شعارا Netflix و Warner Bros Discovery في هذا الرسم التوضيحي الذي تم إنشاؤه في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025. © رويترز.
لكن لماذا دخلت السعودية ودول خليجية في المعركة الدائرة خلف كواليس هوليوود والمؤسسات الإعلامية الأمريكية الكبرى؟ في الواقع، يجب ألا ننسى أن السعودية، الإمارات، وقطر، تعهدت أصلاً بصرف استثمارات طائلة في الولايات المتحدة هذا العام، ما يسمح لها بتعميق علاقاتها مع إدارة ترامب، الملياردير الأمريكي. كذلك، التزمت المملكة باستثمار تريليون دولار بعد زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأحدث لواشنطن، في زيادة عن التزام سابق باستثمار 600 مليار دولار. وتعهدت أبوظبي بدورها باستثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة، في حين تعتزم قطر استثمار 500 مليار دولار على مدى العقد المقبل. ما هو دور السعودية ودول الخليج؟ انضمت ثلاثة صناديق ثروة سيادية خليجية إذن إلى فريق تمويل الاستحواذ المقدم من "باراماونت"، في تحالف نادرٍ نوعًا ما، وينصب في سياق سعي دول في منطقة الخليج لبناء قطاع الترفيه الخاص بها. حيث وافق كل من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، شركة العماد القابضة في أبوظبي، وجهاز قطر للاستثمار، على دعم الصفقة، وفق ما أعلنت "باراماونت" الإثنين. كما تحظى هذه الشركة بدعم شركة "أفينيتي بارتنرز"، التي أسسها غاريد كوشنر، ولديها استثمارات من صناديق في قطر والإمارات. يؤكد قرار توحيد جهود تلك الصناديق الخليجية في عرض واحد والاستحواذ على حصة في أبرز أصول هوليوود، على شهية دول الخليج المعتمدة على النفط للأصول هناك، بدءا من الإنتاج إلى المحتوى، ونفوذها المتزايد في إبرام الصفقات العالمية. اقرأ أيضا"مندوب الليل"... فيلم سعودي يكشف الوجه الخفي للرياض لكن إلى أي مدى سيعود عليها ذلك بالمنفعة بشكل فوري ومباشر وإلى أي مدى؟ يجيب نيل كويليام، الشريك في مؤسسة "أزور ستراتيجي" في لندن: "هذا التحالف الثلاثي المشترك ليس معتادا، لكنه يسمح للدول الثلاث بالخروج من إمبراطورياتها الإعلامية الإقليمية والدخول مباشرة إلى أكبر ساحة في مجال الإعلام". ورأى كويليام، أن ذلك يتناسب أيضا مع "تطلعاتهم المشتركة لأن يصبحوا مؤثرين عالميين وأن يشكلوا سرديات إعلامية جديدة". وسابقا، استثمرت صناديق سيادية من منطقة الخليج في نفس الشركات، لكنها لم تشارك في عملية استحواذ معينة. فمثلاً، استثمرت مبادلة وصندوق الاستثمارات العامة في شركة "ريلاينس ريتيل" الهندية في 2020، وانضم إليهما جهاز قطر للاستثمار وجهاز أبوظبي للاستثمار في 2023. كما قالت "باراماونت"، إنه نظرا لأن المستثمرين لن يتمتعوا بحقوق الحوكمة، بما في ذلك مقاعد مجلس الإدارة أو حقوق التصويت، فإن مشاركتهم لن تتطلب موافقة لجنة الاستثمار الأجنبي الأمريكية. هوليوود... ما الذي ستحققه للسعودية وللإمارات ولقطر؟ تحرص دول الخليج على توسيع قطاعاتها الترفيهية وتتودد لصانعي الأفلام وتفتتح وجهات ترفيهية ودور عرض سينمائي. في هذا الشأن، يرى خبير الاقتصاد السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط روبرت موغيلنيكي أن "هذا مجال استثماري استراتيجي يمثل أولوية قصوى بالنسبة للمستثمرين السياديين الخليجيين وغيرهم". كما قال كويليام من جهته: "ستمنحهم عملية الاستحواذ هذه ملكية بعض من أكثر العروض شهرة في العالم والوصول إلى جمهور جديد كليًا".
لافتة هوليوود كما تظهر في صورة عرضت خلال حفل بمناسبة الذكرى المئوية لإضاءتها لأول مرة، في لوس أنجلس، كاليفورنيا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2023. © أ ف ب/أرشيف.
Loading ads...
عدا عن ذلك، سبق وأن تم تصوير أفلام من قبيل (فيوريوس 7)، من إنتاج شركة يونيفرسال بيكتشرز عام 2015، في أبوظبي، حيث ظهر نجومه في لقطات على درج قصر الإمارات وفي سيارات رياضية تسابقت عبر صحراء ليوا. كما سبق وأن اشترى صندوق الاستثمارات العامة السعودي في سبتمبر/أيلول، حصة أغلبية في شركة الإعلام المحلية العملاقة "إم.بي.سي"، التي تدير 13 قناة تلفزيونية مجانية وتدير منصة البث المباشر (شاهد) المعروفة باسم "نتفليكس" الشرق الأوسط. في نفس الشهر، وافقت مجموعة مستثمرين بقيادة صندوق الاستثمارات العامة نفسه، على شراء شركة لتطوير ألعاب الفيديو "إلكترونيك آرتس" في صفقة بقيمة 55 مليار دولار، وهي أكبر عملية استحواذ ممولة بالديون أو ما يعرف بالرافعة المالية في التاريخ، ما يؤكد طموحات السعودية لأن تتحول إلى مركز عالمي للألعاب والرياضة. اقرأ أيضاالسعودية تؤكد بأن مواجهة رونالدو وميسي "نقطة في بحر ما سيحدث في رؤية 2030" كما وافقت الرياض في 2018، على السماح بافتتاح أول دور عرض سينمائي منذ 35 عاما، عبر اتفاق مع شركة "إيه.إم.سي إنترتينمنت". وبدأت المدن الترفيهية المدعومة من هوليوود في الظهور بالمنطقة. ففي شهر مايو/أيار، أعلنت والت ديزني أول خطط لها في الشرق الأوسط، لتنضم بذلك إلى عالم "وارنر براذرز" بجزيرة ياس في أبوظبي. يقول سكوت لوكاس لفرانس24، إن مشاركة الدول الخليجية الثلاث "لا تقتصر على الدوافع الاقتصادية فقط، لكن أيضاً للحصول على نوع من القدرة على التأثير في النقاش الدائر في الولايات المتحدة". يضيف خبير الشؤون الأمريكية في جامعة دبلن، أن ذلك مؤشر على أن الهواجس التي أثارتها مشاركة الصناديق السيادية الخليجية، هو تعهد رئيس شركة "باراماونت" بأن دول الخليج العربية لن يكون لها أي مقاعد في مجلس إدارة شركة "وارنر براذرز ديسكفري". هل تريد الصين قطعة من الكعكة؟ من جهة أخرى، أثار صندوق استثماريٌ آخر المخاوف، وهو "ريدبيرد كابيتال". ورغم كونه أمريكيًا على الوثائق، لكن يبدو أنه على صلة مع الصين. لدرجة أن هذه الشركة كانت قد اضطرت في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، إلى سحب عرضها لشراء "ديلي تلغراف"، إحدى أبرز الصحف البريطانية، إثر ردود فعل غاضبة من سياسيين في المملكة المتحدة. كما كان رئيس هذا الصندوق، جون ثورنتون، قد ظهر في صورة شهر أبريل/نيسان مع كاي تشي، الذي لا يعتبر فقط من كبار مستشاري الرئيس الصيني شي جينبينغ، بل إنه متهم برئاسة شبكة جواسيس صينيين في بريطانيا. في المقابل، تؤكد "ريدبيرد كابيتال" على أن مصدر أموالها ليس بكين. ورغم أن الولايات المتحدة ترى في الصين أكبر وأبرز منافسيها على الساحة الدولية حاليا، فإن تلك الروابط لم تُثر هي الأخرى اهتماماً يُذكر. يدفع ذلك جاك تومسون للاعتقاد "أنه أمرٌ كان ينبغي أن تنظر فيه لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة". من المفروض أن تمارس هذه اللجنة، دور التوعية بالمخاطر التي قد تُشكّلها كيانات أجنبية تستحوذ على حصص في شركات حسّاسة أو مهمة في الداخل الأمريكي. على أي حال، كشف العرض الذي قدمته "باراماونت" للاستحواذ على "وارنر برذرز"، عن تحولٍ واضحٍٍ في ديناميكيات السوق الأمريكية. ويخلص سكوت لوكاس إلى القول: "سابقًا، كانت وسائل الإعلام مثل سي إن إن معنية بإيصال صوت الولايات المتحدة على الساحة الدولية، لكننا الآن نرى أن قوى أجنبية بات يمكن لها أن تسعى لإسماع صوتها داخل الولايات المتحدة عبر نفس تلك القنوات"، في حال تحقق هذه الصفقة مع باراماونت. مقتبس من النص الفرنسي، أعده إلى العربية بتصرف: طارق بلقين
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




