4 ساعات
من "البلوز" إلى الراي.. الذكاء الاصطناعي يعيد تركيب تراث الغناء
الخميس، 23 أبريل 2026

في مطعم Uchi الياباني، داخل مركز دبي المالي، تجد مدير المطعم "شارلي" يبدّل بين الأغاني كما يبدّل بين المشروبات، لا توجد قائمة تشغيل ثابتة هنا، ولا منسّق موسيقى، "شارلي" يقرأ الغرفة أولاً: مزاج الزبائن، مستوى الضجيج، الوقت من الليل.. ثم يقرر إن كانت السهرة فرنسية كلاسيكية أم "هاوس" أم "بوب" أميركي.
بين تلك التنقلات، ظهرت قائمة مختلفة تماماً: نسخ مُعاد أداؤها Covers لأغانٍ راي قديمة للشاب خالد وآخرين، لكن بأسلوب "بلوز" هادئ، مزيج لا يُقاوم.
في كل مرة كنت أسمع أغنية، أفتح Shazam للتعرّف إليها، فأجدها جميعاً تحت اسم حساب واحد: TransVibe Records، على Spotify، لا معلومات تُذكر عن الفرقة، وعلى YouTube كذلك، سوى أن صور الأغلفة تبدو مولدة بالذكاء الاصطناعي، وبين التعليقات التي تمدح الأغنيات، يظهر تعليق متكرر يعكر صفو المديح: it’s AI.
لم أقتنع في البداية، لكن عندما تأكدت لاحقاً، لم يكن شعوري فضولاً تقنياً، ولكن خيبة حقيقية، شعرت وكأن الأغنيات فقدت فجأة شيئاً غير مرئي كان يمنحها روحها، وكأن أحداً خدعني، لا في جودة الصوت، ولكن في الإحساس بأن هناك إنساناً خلف هذه الموسيقى.
علماً بأن 97% من المستمعين يفشلون في التفرقة بين الموسيقى المولّدة بالذكاء الاصطناعي والمقاطع الأصلية التي ينتجها البشر، وفق تقرير نشرته "رويترز".
وفي حديث لـ"الشرق"، قال الشريك ورئيس قطاع التكنولوجيا والإعلام والاتصالات في ديلويت الشرق الأوسط، إيمانويل دورو: "حصة الاستماع للموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي ما زالت منخفضة، ربما 1% أو أقل، لكن نسبة الرفع (Uploads) من أدوات الذكاء الاصطناعي على المنصات أصبحت في خانة العشرات، بين 10% و20%".
ولا يبدو أن هذا التحول مجرد تجربة عابرة، إذ تشير تقديرات Grand View Research إلى أن سوق الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي قُدر بنحو 569.7 مليون دولار في عام 2024، مع توقعات بوصوله إلى 2.79 مليار دولار بحلول عام 2030، بنمو سنوي مركب يتجاوز 30%.
راسلت حساب Trans Vibe Records على فيسبوك، فأكد المعلومة، موضحاً أنه يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في الإنتاج، مع وجود جانب شخصي إبداعي في اختيار الفكرة والإحساس والتوجيه الفني للعمل.
وبحسب دورو: "أدوات مثل Suno وUdio تضغط سلسلة القيمة كاملة داخل أداة واحدة؛ من كتابة الفكرة (البرومبت) إلى تنفيذ وإنتاج المقطوعة الموسيقية، وهذا هو جوهر الاضطراب الحالي."
الملحن المصري عمرو مصطفى قال كلاماً مشابهاً عندما أثار الجدل باستخدامه الذكاء الاصطناعي في أغنية «بعتيني ليه» مع ظاظا على برنامج "ريد بول صالونات"، إذ قال إن تطبيق "سونو" ليس بديلًا عن الإبداع، بل أداة تساعده على ترجمة أفكاره الموسيقية: "سونو برنامج ذكاء اصطناعي مثل سكرتير شخصي، اللحن في دماغي، وأنا محتاج إيقاعاً وشكلاً موسيقياً يخرجه للنور. الآن أستطيع أن ألحن أكثر، وأجرب أنواع مختلفة".
ويرى عمرو مصطفى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً شبيهاً بدخول الكمبيوتر عالم التوزيع في التسعينيات، حين أصبحت الجنرات الموسيقية عنصراً قائداً، ويؤكد أن الاستمرارية ستكون لمن يعرف كيف يقود هذه الأدوات، لا لمن يخشاها، وفق "بيلبورد عربية".
في فبراير 2026، أعلنت Suno وصولها إلى مليوني مشترك مدفوع، مع إيرادات سنوية تُقدر بـ300 مليون دولار، وأكثر من 100 مليون مستخدم بعد نحو عامين من إطلاقها، بحسب الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك مايكي شولمان.
إذ يتيح نموذج Suno إنشاء حتى 10 أغانٍ يومياً مجاناً، أما خطة Pro (10 دولارات شهرياً) فتمكن المستخدم من إنتاج 500 أغنية مع حقوق استخدام تجاري وأدوات تحرير وفصل المسارات الصوتية. فيما ترفع خطة Premier (30 دولاراً) السقف إلى 2000 أغنية شهرياً، وتضيف Suno Studio كمحرر صوتي متعدد المسارات داخل المتصفح.
أرقام تجعلها من أسرع أدوات الموسيقى نمواً في تاريخ القطاع، لكنها أيضاً في قلب معارك قانونية حول حقوق الملكية الفكرية واستخدام الأعمال الأصلية في تدريب النماذج.
هل يفتح الذكاء الاصطناعي باباً لعالم موسيقي أكثر ديمقراطية يتيح للجميع إنتاج أعمال بمستوى احترافي؟ يجيب دورو بأن القضية مزيج بين "ديمقراطية الإنتاج" من جهة، و"تحويل الموسيقى إلى سلعة مكررة" من جهة أخرى، فالفنانون الذين لم تكن لديهم الموارد أو المهارات للإنتاج أصبح بإمكانهم الآن إنتاج موسيقى بتكلفة أقل وبسرعة أكبر.
في المقابل، تحتاج النماذج إلى بيانات للتدريب، وهذه البيانات في صناعة الموسيقى محمية بحقوق ملكية، ما يفسّر موجة الدعاوى القضائية بين شركات الذكاء الاصطناعي وشركات الإنتاج والنشر الموسيقي. ويضيف أن ما يحدث اليوم يشبه ما حدث عند ظهور منصات البث؛ إذ سننتقل من نموذج مفتوح إلى نموذج قائم على الترخيص والاتفاقيات مع شركات الإنتاج الكبرى.
أستمع عادة إلى موسيقى مولدة بالذكاء الاصطناعي بدافع الفضول، وأنا أعلم مسبقاً أنها كذلك، أتعامل معها كتجربة تقنية، لكن في حالة TransVibe Records، كنت أتعامل مع الأغنيات كما أتعامل مع أي فرقة جديدة: أتساءل عن أعضائها، قصتهم، مسارهم، وإمكانية حضور حفلة مباشرة لهم يوماً ما، كل ذلك تبدد فجأة، وهنا تحديداً يقول دورو: "العنصر البشري والهوية الفنية والسرد القصصي ستبقى عناصر تمييز لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها".
الفنانة الإسبانية Rosalía لخصت هذا القلق بطريقة مختلفة عندما تحدثت عن ألبومها LUX قائلة: "لا يوجد أي ذكاء اصطناعي على الإطلاق، إنه ألبوم من صنع البشر".
وقدمت في الألبوم غناءً بـ13 لغة مختلفة، ووصفت العمل في مقابلتها مع "أبل ميوزك" بقولها: "في هذا العصر الذي يسيطر فيه الذكاء الاصطناعي على كل شيء، يُعدّ ألبوم LUX تذكيراً بأن الإبداع ينبع من التجربة المعاشة، والتجاذب البشري، والنفس، والجسد.. إن القوة الخارقة للألبوم هي قوة إنسانية عميقة، وفخورة، ولا لبس فيها".
Loading ads...
في زمن أصبحت فيه الأغنية تُنتج في دقائق، قد تصبح قيمة العمل الفني في شيء واحد فقط: أنه صُنع بواسطة إنسان.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
![[object Object]](https://cdn.syriazone.sy/placeholder.png)
[object Object]
منذ 10 دقائق
0



