التدهور المعرفي وفقدان السمع .. هل يرتبطان؟
كشَفت دراسة حديثة عن وجود رابط بيولوجي محتمل بين التدهور المعرفي وفقدان السمع المرتبطَين بالتقدم في العمر، من خلال تغيرات مشتركة في بنية الدماغ ووظيفته، ورغم أن العلاقة بين ضعف السمع وخطر التراجع المعرفي كانت معروفة سابقًا، فإن الآليات الدقيقة التي تفسر هذه العلاقة ظلت غير واضحة.
حاولَت الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة (eNeuro) سد هذه الفجوة من خلال فحص أدمغة أشخاص يعانون من الصمم الشيخي، وهو الشكل الأكثر شيوعًا لفقدان السمع المرتبط بالعمر.
ما هو الصمم الشيخي؟
يُعد الصمم الشيخي السبب الأكثر شيوعًا لفقدان السمع حول العالم، ويصيب نحو ثلثي الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم أكثر من 70 عامًا، ويؤثر هذا النوع من فقدان السمع في كلتا الأذنين، ويتميز بصعوبة فَهم الأصوات ذات الترددات العالية، خاصة الحروف الساكنة المهموسة مثل"ش" و"ف" و"ث"، وهي أصوات لا تعتمد على اهتزاز الأحبال الصوتية.
أشارت دراسات سابقة إلى وجود تغيرات هيكلية ووظيفية في أدمغة المصابين بهذا النوع من فقدان السمع، مع وجود ارتباط وثيق بينها وبين التدهور المعرفي، إلا أن هذه الدراسات لم تدمج بين الجانبين البنيوي والوظيفي معًا في تحليل واحد، وهو ما سعت الدراسة الجديدة إلى تحقيقه.
كيف دُرست العلاقة بين التدهور المعرفي وفقدان السمع ؟
شملت الدراسة 110 مشارِكين تراوحت أعمارهم بين 50 و74 عامًا، منهم 55 شخصًا يعانون من الصمم الشيخي، و55 آخرون كمجموعة ضابطة، ومن بين المصابين بفقدان السمع، كان 35 يعانون من ضعف خفيف، و19 من ضعف متوسط، وشخص واحد من ضعف شديد.
استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لفحص أدمغة المشاركين، كما خضعوا لاختبارات لتقييم السمع والقدرات المعرفية، ولتحليل العلاقة بين بنية الدماغ ووظيفته، ابتكر الباحثون مقياسًا جديدًا أطلقوا عليه اسم النسبة الوظيفية-البنيوية (Functional-Structural Ratio – FSR). تم حساب هذا المؤشر عبر خطوتين:
قياس نشاط الدماغ في مناطق محددة باستخدام مؤشر يُعرف باسم سعة التذبذبات المنخفضة التردد (ALFF).
قياس حجم المادة الرمادية في المناطق نفسها لتقييم البنية.
ثم جرى قسمة متوسط إشارة (ALFF) على متوسط حجم المادة الرمادية للحصول على قيمة (FSR).
ماذا يحدث في الدماغ؟
أظهَرت النتائج أن انخفاض قيمة (FSR) في مناطق معينة من الدماغ ارتبط بأداء أضعف في اختبارات السمع والتعرف على الكلام لدى المصابين بالصمم الشيخي، كما ارتبط الانخفاض نفسه بنتائج أقل في اختبارات معرفية متعددة، شملت التعلم السمعي-اللفظي واتخاذ القرار، وشملت المناطق الدماغية المتأثرة:
البوتامن والتلفيف المغزلي، وهما منطقتان تلعبان دورًا في معالجة الأصوات.
الطليعة (Precuneus) والتلفيف الجبهي العلوي الإنسي، وهما منطقتان ترتبطان بالذاكرة واتخاذ القرار.
وبحسب الباحثين، فإن انخفاض مؤشر (FSR) في هذه المناطق يرتبط في الوقت نفسه بتفاقم ضعف السمع وتراجع الأداء المعرفي، ما يجعله رابطًا عصبيًا محوريًا بين التدهور المعرفي وفقدان السمع.
هل فقدان السمع يسبب التدهور المعرفي أم العكس؟
تشير الدراسة إلى أن إعادة تنظيم الشبكات العصبية في الدماغ قد تكون القاسم المشترك بين المشكلتين، إلا أن الباحثين أوضحوا أن الدراسة اعتمدت على فحص أدمغة المشاركين في نقطة زمنية واحدة، ما يعني أنها لا تستطيع الجزم بما إذا كانت التغيرات الدماغية تسبق فقدان السمع أم أن فقدان السمع هو الذي يؤدي إلى هذه التغيرات.
ورغم ذلك، يرى الباحثون أن مؤشر (FSR) قد يصبح في المستقبل أداة حيوية لتقييم خطر الإصابة بالخرف لدى الأشخاص الذين يعانون من فقدان السمع المرتبط بالعمر، وذلك عبر تحليل صور الدماغ، وأشار خبراء غير مشاركين في الدراسة إلى أن وجود مؤشر حيوي كهذا قد يسمح بالكشف المبكر عن الأشخاص الأكثر عرضة للخطر قبل ظهور الأعراض، ويساعد في متابعة تطور الحالة أو الاستجابة للعلاج.
أهمية التدخل المبكر
أظهرت ملاحظات سريرية أن علاج فقدان السمع باستخدام السماعات الطبية أو زراعة القوقعة، بحسب شدة الحالة، قد يرتبط بتحسن في الأداء المعرفي، إضافة إلى تقليل العزلة الاجتماعية والاكتئاب، وفي المقابل فإن إهمال علاج فقدان السمع قد يؤدي إلى العزلة والقلق وفقدان العمل، وقد يسهم في تفاقم التدهور المعرفي، وتسلط هذه النتائج الضوء على أن الحفاظ على صحة السمع قد يكون وسيلة لحماية سلامة الدماغ، خاصة في ظل العلاقة المتنامية التي تكشفها الأبحاث بين التدهور المعرفي وفقدان السمع.
ما الذي تعنيه هذه النتائج؟
تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم الأساس العصبي المشترك بين ضعف السمع وتراجع القدرات المعرفية، غير أن الباحثين يؤكدون أن النتائج ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات الطولية لتأكيدها وتوضيح اتجاه العلاقة السببية بشكل أدق.
نصيحة من موقع صحتك
قد يكون للحفاظ على صحة السمع ومتابعة أي تغيرات سمعية مع التقدم في العمر دور يتجاوز تحسين القدرة على التواصل، ليشمل دعم الصحة المعرفية أيضًا، ورغم أن العلاقة بين التدهور المعرفي وفقدان السمع تبدو واعدة من الناحية البحثية، فإن تأكيدها يتطلب مزيدًا من الدراسات، ما يجعل الوعي والمتابعة الطبية المبكرة خطوة حكيمة في جميع الأحوال.
Loading ads...
آخر تعديل بتاريخ
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





