7 أشهر
"سوريا العشائرية".. كيف يتحول اقتصاد دولة إلى أسواق محلية ونزاعات موارد؟
الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

شهدت سوريا خلال الفترة الأخيرة سلسلة حوادث أمنية وأحداث عنف في مناطق متفرقة معروفة بتداخلها الطائفي، أبرزها مدينة اللاذقية شمال غربي البلاد، حيث ارتفعت الشعارات المطالبة بالفيدرالية وأخرى ذات طابع طائفي، ما أعاد الجدل حول واحد من أكثر السيناريوهات إثارة للقلق حول مستقبل سوريا وهو سيناريو “سوريا العشائرية” بتقسيم البلاد إلى كيانات صغيرة.
ومع ذلك، لا تقتصر المخاطر على البعد السياسي فحسب؛ فانتقال سوريا من دولة مركزية إلى نظام يعتمد على الولاءات العشائرية أو المحلية يحمل تبعات اقتصادية واجتماعية وسيادية عميقة، قد يعيد رسم خريطة الموارد، ويفكك الروابط التي تقوم عليها الأسواق والمؤسسات الوطنية.
جذور التقسيم وخطط النفوذ
لم تكن خطة تقسيم خريطة النفوذ على الأراضي السورية طرحًا حديثًا، حيث تعود جذورها إلى عام 1969 وأعيد طرحها إلى الواجهة بعد أحداث السويداء الأخيرة، ما أعاد المخاوف مجددًا من محاولات جدية لإحياء تلك الخطة التي تهدف إلى تقسيم سوريا إلى أربع دول، دولة عربية سنية في الوسط، دولة درزية في الجنوب، دولة علوية في الغرب، ودولة كردية في الشمال.
يشير تحليل البيانات الاقتصادية إلى أن الناتج المحلي السوري تضرر بشدة منذ اندلاع الصراع في 2011، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وفقدت سوريا ما يقارب 800 مليار دولار من القيمة التراكمية للناتج المحلي في الفترة 2011–2024 بأسعار 2010، بينما ظل الناتج المحلي السنوي الفعلي منخفضًا مقارنة بمستوى ما قبل الحرب، وهو ما يجعل أي تفكك إضافي للهيكل الإداري أو الاقتصادي صدمة جديدة قد تضاعف هشاشة الاقتصاد بشكل مباشر.
ومن شأن التقسيم الفعلي للمناطق وفق الانتماءات العشائرية أو الإقليمية أن يقوض مبدأ التكامل القطاعي الذي يميز الاقتصاد السوري، حيث تتوزع الزراعة في الجنوب والشمال الشرقي، بينما تتركز الصناعة التقليدية في حلب، والمرافئ الساحلية المخصصة للتصدير، وحقول الطاقة في الشرق.
ويعني فصل هذه المناطق عن بعضها البعض فقدان سلسلة القيمة، فالمنتجات الزراعية لن تصل إلى معامل التصنيع أو منافذ التصدير بتكلفة مناسبة، كما ستفتقد المصانع المواد الخام والطاقة، إضافة إلى خضوع حركة النقل لرسوم وجبايات محلية غير رسمية، ما ينتج عنه تحويل الإيرادات من نشاط اقتصادي منتج إلى شبكة رسوم عبور وجبايات محلية، مع تقليص قدرة الحكومة على التحصيل الضريبي.
تدهور الطاقة والغذاء
يعكس قطاع الطاقة بوضوح هذه الديناميكيات، فشرق الفرات، الذي كان يشكل “خزان سوريا النفطي”، شهد تراجعًا كبيرًا في الإنتاج، من نحو 386 ألف برميل يوميًا قبل 2011، تمثل نحو 25 بالمئة من الإيرادات الحكومية، إلى إنتاج فعلي يقدر بين 80–100 ألف برميل يوميًا تحت إدارة محلية ذات طابع عشائري.
ولا تدخل الإيرادات الناتجة الميزانية العامة، بل توزع عبر شبكة من الوسطاء المحليين، ما يحول القطاع إلى أداة نفوذ سياسي اقتصادي بدل أن يكون رافعة للنمو الوطني.
لم يسلم القطاع الغذائي أيضًا من التجزئة، ففي محافظة الحسكة، التي كانت تنتج نحو 40 بالمئة من القمح السوري، أصبح السوق مجزًأ، تتحكم فيه الحواجز المحلية وتفرض إتاوات عبور تصل إلى 30 بالمئة من قيمة الشحنة، ما يرفع أسعار السلع الأساسية ويزيد فجوة الوصول إلى الغذاء.
وتفاقم تلك التداعيات من أزمة الغذاء، فوفق برنامج الأغذية العالمي، يعاني نحو 12.9 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي.
خطر فقدان السيادة
يضاعف الانقسام الإداري والتجزئة الاقتصادية أيضًا من خطر تدخل قوى إقليمية ودولية، حيث يقدم الفاعلون الخارجيون حماية مالية وسياسية لمناطق محددة مقابل السيطرة على الموارد الحيوية، وهذا بدوره يقوض السيادة الوطنية، ويخلق أسواقًا غير رسمية تدار بمنطق الولاءات، بينما تهرب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتزداد تكلفة رأس المال والائتمان.
ولن يكون القطاع النقدي والمالي بمنأى عن الانعكاسات، فالمناطق متعددة النفوذ قد تعتمد عملات مختلفة أو أسعارًا متباينة، ما يخلق “جزر نقدية” وفروق سعرية، ويزيد صعوبة التحويلات والسيطرة على السياسة النقدية، ليزيد أي تفكك إداري بهذا الشكل التضخم، ويضعف احتياطيات النقد الأجنبي، ويرفع كلفة الاستيراد، كما ظهر من قبل خلال الصراع عندما أدى السوق الموازٍ للعملات إلى تدهور كبير في سعر الصرف
خدمات البنية التحتية الأساسية—المياه، الكهرباء، الصحة والتعليم—ستتأثر بشكل مباشر أيضًا، فالسيطرة على الموارد الأساسية، مثل السدود، أصبحت وسيلة للضغط السياسي والاقتصادي في مناطق متعددة، ما يضعف قدرة الدولة على التدخل الموحد ويطيل فترة ضعف الخدمات ويزيد من تكلفة الإنتاج البشري.
تقدم التجارب المشابهة في اليمن وليبيا والصومال تحذيرًا واضحًا، ففي هذه الدول، غياب الدولة المركزية أدى إلى تحكم القبائل والفصائل المحلية في الموارد، ما أوجد أنماطًا اقتصادية قائمة على الجبايات والحماية بدل الإنتاجية.
في اليمن، بعد عام 2014، أدى الانقسام القبلي والطائفي إلى تعطيل أي محاولات لتعافي الاقتصاد، وفقدت الحكومة السيطرة على الموانئ وقطاعات الطاقة، ما أدى إلى انهيار سلسلة التوريد، ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتوسع السوق السوداء، مع بطالة وفقر مرتفعين، وهو ما يشير إلى أن أي “سوريا عشائرية” ستواجه تحديات هيكلية مماثلة، مع فقدان التكامل الاقتصادي بين المناطق وتزايد الاعتماد على الولاءات المحلية بدلاً من المؤسسات الرسمية.
الدور العشائري بين الاستقرار والفوضى
في هذا السياق قدم الخبير الاقتصادي فراس شعبو، في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، قراءة معمقة لدور البنية العشائرية في سوريا، محذرًا من أن فهم المسار الاقتصادي للبلاد لا يمكن فصله عن جذور المجتمع نفسه.
قبل نشوء المدن الحديثة، كانت المنطقة الممتدة من سوريا والعراق إلى الخليج والأردن قائمة على البُنى القبلية، حيث شكلت العشائر إطار الثقة الأول ومركز الثقل الاجتماعي والسياسي، وهو إرث لا يزال حاضرًا بعمق في الحياة اليومية للسكان، رغم مظاهر التمدّن والتحوّل الحضري خلال العقود الماضية.
ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من السوريين، بحسب تقديرات غير رسمية تتراوح بين 60 و65 بالمئة ينحدرون أصلًا من عشائر عربية سنية، حتى وإن اتجه كثير منهم إلى المدينة وتخففت علاقته بالانتماء القبلي.
وأضاف أن الأنظمة السياسية المتعاقبة ظلت تنظر إلى العشيرة باعتبارها أداة فعالة للضبط الاجتماعي، إذ يكفي التعامل مع شيخ العشيرة لضمان استقرار شريحة واسعة من السكان، مشيرًا إلى أن هذا النهج استخدمته الإدارة السابقة، وواصلته “قسد” في شمال شرق سوريا، كما لجأت إليه الإدارة الجديدة خلال فترة التحرير لضبط مناطق شهدت موجات تهجير واسعة أعادت خلط البنية الديمغرافية، وخلقت تداخلًا صعبًا بين الريف والمدينة.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
التحول إلى سيناريو كارثي
يحذّر شعبو من أن الاعتماد على العشائر قد يتحول إلى سيناريو كارثي في حال تعرضت الدولة المركزية لاهتزازات أو ضعف في الهيكل التنفيذي، موضحًا أنه في حال تراجع حضور الدولة، قد تنشأ شبكات محلية قائمة على الولاء العشائري تُدير الأمن والخدمات والموارد، بما يشبه “كانتونات” مستقلة تتحكم في المياه والطاقة والطرق والمعابر، مرجحًا أن يكون هذا النموذج ليس بعيدًا تمامًا إذا غابت الإدارة المركزية عن المشهد، رغم رفضه سياسيًا وإعلاميًا حتى الآن.
رسميًا يرفض الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع فكرة تقسيم البلاد بشكل مطلق إذ أكد بشكل متكرر أن سوريا لن تقبل بتقسيم أراضيها أو أي طموح لاستقلال جزء منها، عل كان آخرها خلال ذكرى التحرير منذ أيام، حيث قال خلال تصريحات إعلامية: “لا أرى أن سوريا فيها مخاطر تقسيم، فيها رغبات عند بعض الناس لعملية تقسيم سوريا، محاولة إنشاء كانتونات محلية وداخلية، لكن منطقيًا وسياسيًا وعرقيًا وعقليًا هذا الأمر مستحيل أن يحدث”.
ويشرح شعبو أن الصراع على الموارد سيغدو المحرك الأساسي لهذه الكيانات، بالنظر إلى حساسية ملف المياه في الشرق الأوسط، وارتفاع قيمة الموارد النفطية والغازية، متوقعًا أنه في حال تفكك السلطة، ستتحول الرسوم غير الرسمية وجبايات الطرق و”الحمايات” إلى اقتصاد فعلي، تتحكم فيه جماعات محلية تفرض أسعارها وشروطها، كما حدث في تجارب دول مثل العراق وليبيا، حيث أدى تفكك الدولة إلى سيطرة مجموعات محلية على الموارد، فانعكس ذلك تراجعًا كارثيًا في الخدمات وارتفاعًا في نسب الفقر.
ويضرب الخبير مثالًا ملموسًا بما شهدته حلب في سنوات سابقة، حين استُخدم التحكم بالسدود وقطع المياه كورقة ضغط بين القوى المتنافسة، معتبرًا أن هذا النموذج يقدم تصورًا لما قد يحدث على نطاق أوسع إذا تراجعت سلطة الدولة، مبينًا أن في مثل هذه البيئة، ينهار الاستثمار الأجنبي والمحلي، وتهاجر رؤوس الأموال والكفاءات، وتختفي القدرة على التخطيط، فيما يصبح الولاء القبلي معيارًا لتوزيع الموارد والمشاريع بدلًا من المصلحة الوطنية.
الاقتصاد القائم على الولاءات المحلية
يؤكد شعبو أن الاقتصاد القائم على البنى القبلية، إذا تمدد خارج إطار الدولة، يهدد بتقويض النشاط الإنتاجي بالكامل، لأن الدولة عندها تفقد قدرتها على الجباية وتنظيم الأسواق، ويُفتح الباب أمام اقتصاد ظل متوحش لا يخضع لأي قواعد. ومع غياب مؤسسات قادرة على ضبط التوازنات، ينهار النظام الخدمي، وتتراجع القدرة الشرائية، وتزداد تكاليف العيش بشكل غير مسبوق، ما يدفع البلاد نحو دوامة فقر شبيهة بما شهدته بعض مناطق العراق، حيث تداخلت الانتماءات العشائرية والمذهبية مع تراجع الدور المركزي للدولة.
العشائر قد تُسهم ظرفيًا في منع الانزلاق نحو الفوضى الكاملة، لكن لا يمكن بناء دولة حديثة على أسس قبلية، مؤكدًا أن إحياء البنية العشائرية خارج الإطار المؤسسي لا يشكل ضمانة للاستقرار، بل يفتح الباب أمام مزيد من التفكك وتراجع الاستثمار وتآكل الدولة.
الخبير الاقتصادي فراس شعبو
ويرى أن البديل الوحيد هو تقوية المؤسسات وإعادة الاعتبار للدولة كمظلة جامعة، تدمج مكونات المجتمع ضمن إطار قانوني حديث يحد من تغوّل الولاءات المحلية ويعيد التوازن إلى الحياة الاقتصادية والسياسية.
تحذير من خسائر اقتصادية كارثية
كما قدم الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، في تصريح خاص لموقع “الحل نت“، قراءة معمقة وحذرة حول سيناريو “سوريا العشائرية”، ويؤكد منذ البداية أن مجرد مناقشة هذا الاحتمال يأتي في إطار التحذير مما قد يقود إليه انهيار المنظومة الاقتصادية الوطنية وتراجع قبضة الدولة المركزية.
ورأى أن هذا السيناريو، ليس مجرد تحول إداري أو سياسي، بل مسار قاتل بكل المقاييس، ستكون له انعكاسات مدمرة على الاقتصاد السوري، وعلى وحدة البلاد وسيادتها، وعلى شكل المجتمع ومستقبله.
ويشير إلى أن أخطر ما في هذا السيناريو أنه ينسف فكرة الاقتصاد الوطني المتكامل الذي عرفت به سوريا لعقود، اقتصاد يجمع بين الزراعة والصناعة والطاقة والخدمات والسياحة والتعليم، ويستند إلى تنوّع جغرافي وموارد متداخلة تشكل شبكة واحدة، مؤكدًا أن أي مساس بهذه الشبكة، عبر تقسيم جغرافي أو إداري أو عشائري، يعني كسر هذا التكامل الذي يُعد جوهر القوة الاقتصادية السورية.
ويقول إن البلاد ليست مجموعة جزر معزولة بل منظومة مترابطة، فمحاصيل الجنوب مرتبطة بمصانع الشمال، والنفط في الشرق يغذي الصناعة والنقل في الغرب، والمرافئ الساحلية شريان للتجارة، والمعابر البرية بوابة حركة البضائع، مؤكدًا أن أي تفكك لهذه البنية سيقود بالضرورة إلى تعطل قدرتها على استثمار الموارد المتاحة، ويجرّ البلاد نحو خسائر هائلة لا يمكن تعويضها.
البحث عن داعمين خارجيين
يرى الجاموس أن الذهاب نحو كيانات محلية قائمة على الانتماء القبلي أو العرقي أو الطائفي، سواء كانت مناطق “فيدرالية” أو “عشائرية”، سيجبر تلك المناطق على البحث عن داعمين خارجيين يموّلون بقاءها، منوهًا بأن هنا تكمن الكارثة الكبرى، بفقدان السيادة الوطنية، وارتهان الموارد المحلية لأجندات خارجية، وتحول اقتصاد كل منطقة إلى اقتصاد تابع لا يملك أدواته ولا قراره.
بدل أن يتجه البلد نحو التعافي الاقتصادي، سيغدو مجزًأ بين نفوذ متعارض، ومصالح متنافسة، وقواعد اقتصادية وتشريعية مختلفة تمنع أي إمكانية لتأسيس بيئة إنتاجية أو سوق موحدة، مضيفًا أن صعوبة تحقيق النمو في ظل انفصال جغرافي أو تعدد نفوذ ليست مسألة نظرية، بل حقيقة واضحة عند النظر إلى خريطة الموارد السورية.
الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس
وتساءل كيف يمكن الحديث عن انتعاش اقتصادي إذا كانت منطقة تنتج الزيتون في إدلب منفصلة عن معامل العصر أو التصدير في الساحل؟ وكيف يمكن للصناعة في حلب أن تنتعش إذا كانت مفصولة عن مصادر الطاقة في الشرق؟ وكيف لدمشق، مركز العقار والخدمات، أن تنفصل عن خطوط التجارة والنقل؟، مؤكدًا أن أي تقسيم من هذا النوع يعني عمليًا ضرب القلب الاقتصادي لسوريا في كل جزء من أجزائه.
ويشير إلى أن التجارب في المنطقة تُظهر أن الاقتصادات المجزأة تتحول سريعًا إلى فضاءات تُنهب مواردها من قبل القوى الخارجية الراعية لكل منطقة، وفي ظل هذا التفكك، تنعدم القدرة على وضع سياسات مالية أو نقدية موحدة، وتتلاشى أدوات الرقابة، وتتعطل القوانين المشتركة، وتختفي البيئة التشريعية التي يحتاجها أي مستثمر.
قطع الطريق على الاستثمارات الجديدة
يؤكد الجاموس، أن هذا بدوره يقطع الطريق تمامًا أمام أي محاولة لجذب الاستثمارات الخليجية أو الدولية التي ربما كانت ستجد في سوريا الموحدة فرصة لإعادة الإعمار بعد فترة طويلة من الجمود والانكماش.
ويذكّر بأن سوريا قبل 2011 كانت تمتلك ناتجًا محليًا يقدر بين 50 و60 مليار دولار، بينما اليوم لا يصل الناتج الفعلي إلى 30 بالمئة من قيمته السابقة، رغم كل محاولات التعافي المحدودة، لافتًا إلى أنه في ظل الوضع الحالي، حتى قبل الحديث عن سيناريو “العشائرية”، تبدو عودة الاقتصاد إلى مستوياته السابقة أمرًا شديد الصعوبة.
وأوضح أنه إذا أضيف إلى ذلك تفكك جغرافي أو تشريعي، فإن الناتج المحلي قد يخسر ما يصل إلى نصف قيمته المتبقية، أي خسارة تتجاوز 30 مليار دولار، وهي كارثة اقتصادية بكل معنى الكلمة، وفق تعبيره.
ويحذر من أن الانقسام الجغرافي أو العشائري سيخلق اقتصادًا يعتمد على الجبايات غير الرسمية، والمعابر غير الشرعية، والرسوم التي تفرضها قوى محلية تبحث عن موارد لإدامة نفوذها، لافتًا إلى أن في مثل هذا المشهد، تصبح التجارة محكومة بقوانين مختلفة من منطقة إلى أخرى، وتنتشر الأسواق السوداء، ويُفتح الباب واسعًا لهيمنة المتنفذين، بينما يغرق المواطنون في مزيد من الفقر، كما سيزداد الفقير فقرًا، ويتضخم نفوذ الأغنياء المستفيدين من اقتصاد ظل قائم على التهريب والجباية والفساد، لا على الإنتاج والتنمية.
خطر تفكك الخدمات والنقد
ينتقل الجاموس ليؤكد أن التفكك الاقتصادي سيقود بالضرورة إلى تفكك نقدي، فهو يذكّر بأن سوريا اليوم تعيش أصلًا حالة تعدد عملات في مناطقها المختلفة، الليرة السورية، الدولار، الليرة التركية، إضافة إلى العملات المتداولة في السوق الموازية، منوهًا بأن مع اتساع مناطق النفوذ، قد تفرض كل جهة عملتها وإجراءاتها المالية الخاصة، ما سيخلق حالة أقرب إلى “الجزر النقدية”، ويمنع أي إمكانية لإدارة سياسة اقتصادية وطنية، ويقود إلى ارتفاع هائل في مستويات التضخم، وإلى عدم قدرة الدولة على ضبط الأسعار أو حماية الأمن الغذائي.
ويشير إلى أن نتائج هذا السيناريو لن تقف عند حدود الاقتصاد، بل ستنعكس مباشرة على التعليم والنظام الصحي والبنية التحتية والخدمات الأساسية، فكل منطقة ستتصرف وفقُا لإمكاناتها المحدودة، بلا رؤية وطنية موحدة، ما سيقود إلى انهيار منظومة الخدمات، وإلى تراجع مستوى التعليم، وتضاؤل قدرة المنظمات المحلية على العمل، وفقدان أي إمكانية لبناء مؤسسات حقيقية قادرة على التخطيط أو الاستدامة. وفي هذا المناخ، لن تكون هناك بيئة جاذبة للاستثمار ولا فرص لخلق وظائف، بل هجرة واسعة للطاقات البشرية ورؤوس الأموال.
الحفاظ على وحدة سوريا ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل هو شرط اقتصادي وجودي، موضحًا أنه بدون إطار قانوني وتشريعي موحد، وبدون ربط اقتصادي بين كل المحافظات، وبدون مؤسسات مركزية قادرة على إدارة الموارد، لا يمكن الحديث عن تعافٍ أو تنمية أو بناء اقتصاد وطني.
الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس
ويعبّر عن أمله بأن تتجه البلاد نحو مرحلة تعافي تقوم على الاستقرار ووحدة الأراضي والجهود المشتركة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، بعيدًا عن أي سيناريو يعيد تشكيل سوريا كجزر اقتصادية منفصلة تخضع لمنطق القوة العشائرية أو الإقليمية بدل منطق الدولة.
Loading ads...
بهذا يصبح السيناريو العشائري ليس مجرد انقسام داخلي، بل تحولًا جذريًا في هوية الاقتصاد السوري، من اقتصاد دولة إلى اقتصاد مناطق محكومة بغير أبنائها، ما يضع البلاد على مسار قد يصعب التراجع عنه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

