ساعة واحدة
نماذج أنثروبيك المتطورة للذكاء الاصطناعي.. هل أصبحت خطرا يستدعي الحظر؟
الأحد، 14 يونيو 2026

استيقظت أسواق الذكاء الاصطناعي، السبت، على تطور لافت بعد إعلان شركة أنثروبيك أن الحكومة الأميركية أمرتها بتقييد استخدام نموذجيها الأحدث Fable-5 وMythos-5، اللذين طرحتهما الشركة قبل أربعة أيام فقط من القرار، فما أصل القصة، وما الذي تكشفه التفاصيل الفنية للنموذجين، وما علاقة شركة أمازون بالحظر؟
تقول أنثروبيك إن السلطات الأميركية "لم تقدم لها أي أدلة موثقة أو مادية تثبت وجود مخاطر تستدعي سحب النموذجين من السوق أو حظر استخدامهما"، واعتبرت أن ما تلقته الشركة اقتصر على مبررات شفهية تفيد بأن النماذج الجديدة يمكن استخدامها بسهولة في اكتشاف ثغرات أمنية داخل أنظمة برمجية مختلفة.
ورأت الشركة أن هذه القدرات ليست حصرية لنماذجها الجديدة، بل تتوافر بالفعل في عدد من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة الموجودة في السوق، ومن بينها GPT-5.5، الذي يقدم إمكانات مشابهة في هذا المجال.
ورغم امتثالها للقرار وسحب النموذجين من التداول، أكدت أنثروبيك أنها لا توافق على الأسس التي استند إليها القرار، معتبرة أنه يشكل سابقة خطيرة قد تؤثر سلباً في مستقبل تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل غياب ما وصفته الشركة بـ"معايير واضحة أو أدلة منطقية تبرر تطبيق إجراءات مرتبطة بحماية الأمن القومي الأميركي".
وأشارت الشركة إلى أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق فقط بسحب النموذجين، بل بطريقة تطبيق المعايير الحكومية، موضحة أن هذه المعايير استُخدمت ضد نموذج Fable-5 تحديداً، رغم أن القدرات التي تعتبرها السلطات الأميركية مصدراً للمخاوف الأمنية "متوافرة بالفعل في العديد من النماذج المنافسة داخل السوق، بما في ذلك GPT-5.5".
وأكدت أنثروبيك أنها، رغم التزامها بتنفيذ القرار الحكومي، ترى أنه "يهدد بيئة الابتكار في قطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله"، مشددة على أنها ستواصل العمل من أجل إعادة إتاحة نماذجها في السوق خلال الفترة المقبلة.
وفي تطور كشف جانباً من خلفيات القرار، أفادت مصادر مطلعة لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قررت وقف إتاحة نماذج أنثروبيك، عقب محادثات أجراها الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، آندي جاسي، مع عدد من المسؤولين الأميركيين البارزين، من بينهم وزير الخزانة سكوت بيسنت.
وبحسب المصادر، أبلغ جاسي المسؤولين الأميركيين بأن باحثين في أمازون تمكنوا، من خلال سلسلة من الأوامر والاستفسارات الموجهة إلى نموذج Fable 5، من الحصول على معلومات يمكن توظيفها في دعم هجمات سيبرانية، رغم أن هذه النوعية من المعلومات يفترض أن تكون محظورة أو خارج نطاق الاستخدام المسموح به داخل النموذج.
وأضافت المصادر أن هذه النتائج أثارت مخاوف لدى بعض دوائر صنع القرار في واشنطن بشأن فعالية الضوابط الأمنية المفروضة على النموذج وقدرته على منع الوصول إلى محتوى قد يُستخدم في أنشطة هجومية داخل الفضاء السيبراني.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الإدارة الأميركية مشاورات متواصلة مع كبار التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول التأثير المتنامي لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والانعكاسات الأمنية المحتملة للقدرات التي توفرها هذه الأنظمة، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية الحيوية.
وتمنح هذه المعلومات بعداً إضافياً للجدل الدائر حول قرار حظر النموذجين، إذ تشير إلى أن المخاوف الأمنية التي استندت إليها الحكومة الأميركية ربما ارتبطت بنتائج اختبارات عملية أجرتها جهات تقنية كبرى، في حين تواصل أنثروبيك التأكيد على أن القدرات محل الجدل ليست حصرية لنماذجها.
تسلط الوثائق الفنية الصادرة عن الشركتين الضوء على نقطة محورية في الجدل الدائر حول القرار الأميركي، إذ تشير بطاقات النظام الخاصة بالنموذجين إلى أن القدرات المتعلقة بالأمن السيبراني واكتشاف الثغرات البرمجية لم تعد حكراً على نموذج بعينه داخل السوق.
وبحسب بطاقة النظام الخاصة بـClaude Fable 5 وClaude Mythos 5، فإن Mythos 5 يُعد أكثر نماذج أنثروبيك تقدماً في المهام السيبرانية حتى الآن، إذ حقق نتائج وصفتها الشركة بأنها تتفوق بفارق كبير على Claude Opus 4.8 في اختبارات تطوير الاستغلالات البرمجية (Exploit Development) وعدد من التقييمات المتخصصة في الأمن السيبراني.
كما أشارت أنثروبيك إلى أن النموذج يمتلك قدرات متقدمة في تحليل الثغرات واختبار البرمجيات الأمنية والمهام الهجومية والدفاعية المعقدة داخل بيئات الأمن السيبراني.
في المقابل، أوضحت الشركة أن Fable 5، وهو الإصدار المتاح للعامة، لا يعمل بكامل قدرات النموذج الأساسية في السيناريوهات المرتبطة بالأمن السيبراني.
فعند رصد طلبات تتعلق بالاختراق أو تحليل الثغرات أو المجالات السيبرانية الحساسة، تقوم منظومة الحماية المدمجة بتحويل الطلب تلقائياً إلى نموذج Claude Opus 4.8 الأقل قدرة، أو حجب الاستجابة بحسب بيئة الاستخدام، ما يؤدي عملياً إلى تقليص قدراته في هذا المجال مقارنة بالقدرات الأصلية الكامنة في Mythos 5.
وفي المقابل، تُظهر بطاقة النظام الخاصة بـGPT-5.5 أن OpenAI أخضعت النموذج لسلسلة واسعة من اختبارات الأمن السيبراني المتقدمة، شملت مسابقات التقاط المشكلات (CTF)، واكتشاف الثغرات الأمنية، وتحليل نقاط الضعف البرمجية، وتقييمات أجرتها جهات خارجية متخصصة في المخاطر السيبرانية.
كما تشير الوثيقة إلى أن GPT-5.5 يمتلك قدرات متقدمة في كتابة الأكواد البرمجية وتحليل الأنظمة واكتشاف الثغرات، وهي القدرات التي دفعت الشركة إلى تطبيق مجموعة موسعة من الضوابط الأمنية وآليات المراقبة ومنع إساءة الاستخدام قبل طرحه تجارياً.
وتبرز هذه المقارنة نقطة جوهرية في اعتراض أنثروبيك على القرار الأميركي، إذ تؤكد الشركة أن القدرات التي استندت إليها السلطات الأميركية لتبرير حظر Fable-5 ليست فريدة أو استثنائية داخل السوق، بل تتوافر بدرجات متفاوتة لدى عدد من النماذج المتقدمة المنافسة، وفي مقدمتها GPT-5.5.
وتزداد حدة الجدل بالنظر إلى أن بطاقة نظام أنثروبيك نفسها تشير إلى أن النسخة المتاحة للعامة من Fable 5 تخضع أصلاً لقيود تقنية مصممة خصيصاً لمنع الاستفادة من القدرات السيبرانية المتقدمة الموجودة في النموذج الأساسي، في حين تعتمد النماذج المنافسة، ومنها GPT-5.5، على منظومات رقابة وضوابط تشغيلية مختلفة لتحقيق الهدف ذاته المتمثل في الحد من إساءة الاستخدام دون سحب النموذج من السوق.
ولا تعني هذه القدرات أن النماذج صُممت لدعم أنشطة القرصنة أو الاختراق غير المشروع، لكنها تعكس مستوى التقدم الذي وصلت إليه نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة في مجالات تحليل البرمجيات واكتشاف الأخطاء الأمنية واختبار الأنظمة، وهي مهارات تُستخدم بصورة مشروعة على نطاق واسع داخل شركات الأمن السيبراني وفرق الاختبار الدفاعي، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف الجهات التنظيمية من إمكانية إساءة توظيفها من قبل جهات خبيثة أو مهاجمين يمتلكون خبرات تقنية متقدمة.
ويأتي هذا التطور في سياق توتر مستمر بين الشركة والحكومة الأميركية خلال الأشهر الماضية. ففي فبراير الماضي، صنف البنتاجون الأميركي شركة أنثروبيك باعتبارها "خطراً جسيماً" على سلسلة التوريد الخاصة ببرمجيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة لدى المؤسسات الفيدرالية والدفاعية الأميركية، ما أدى إلى فرض حظر كامل عليها.
وجاء ذلك بعد رفض الشركة السماح باستخدام نماذج Claude التابعة لها في تطبيقات مرتبطة بتطوير الأسلحة أو في برامج الرقابة والمراقبة الداخلية واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة، وهو ما عمّق الخلاف بينها وبين بعض الجهات الحكومية.
ويرى مراقبون أن القرار الأخير قد يُفسَّر في إطار استمرار هذا النزاع، خاصة في ظل الخلافات السابقة بين الجانبين بشأن حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية.
ويُتوقع أن يثير القرار صدى واسعاً داخل قطاع التكنولوجيا الأميركي، لا سيما أن داريو أمودي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، يُعد من أبرز المنتقدين للسياسات الأميركية المتعلقة بتوظيف الذكاء الاصطناعي في الاستخدامات الدفاعية والعسكرية.
كما يأتي القرار في وقت تتحدث فيه تقارير عن وجود تباينات واضحة بين أنثروبيك من جهة، والحكومة الأميركية وإدارة الرئيس دونالد ترمب من جهة أخرى، بالتزامن مع تنامي العلاقات بين المؤسسات الحكومية الأميركية وبعض أبرز منافسي الشركة.
وتبرز في هذا السياق شركتا xAI التابعة لشركة SpaceX والمطورة لنموذج Grok، إلى جانب OpenAI، إذ تمتلك الشركتان برامج تعاون وشراكات ضخمة مع الحكومة الأميركية، وخاصة مع المؤسسات الدفاعية والفيدرالية.
وفي ظل هذه المعطيات، تثار تساؤلات داخل القطاع حول ما إذا كان القرار يستند إلى اعتبارات أمنية بحتة أم أنه يعكس أيضاً أبعاداً سياسية وتجارية مرتبطة بالمنافسة المتصاعدة في سوق الذكاء الاصطناعي الأميركي.
Loading ads...
ويبقى مستقبل المواجهة بين أنثروبيك والسلطات الأميركية مفتوحاً على عدة احتمالات خلال الأيام المقبلة، في وقت يترقب فيه القطاع التقني تداعيات القرار على مسار المنافسة والتنظيم في واحدة من أسرع الصناعات نموًا على مستوى العالم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




