ساعة واحدة
كيف يعمّق اضطراب المناخ اللامساواة ويثري قلّةً من الناس؟ - رصيف22
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

يصل استهلاك أصحاب الثروات الفاحشة من الكربون إلى معدّلات استثنائية. الدليل على ذلك أنّ أغنى 0.1% من البشر، أي نحو 8 ملايين شخص فقط، ينتجون انبعاثات تفوق ما يصدر عن أفقر 3.5 مليارات إنسان يشكّلون أفقر 44% من سكان العالم. كما يُسهم التلوث الكربوني الناجم عن أثرى 1% من البشر مباشرةً في تفاقم الكوارث المناخية بما فيها الفيضانات والحرائق والجفاف وأزمات الغذاء.
زيادةً على ما سبق، تتسبّب انبعاثات هؤلاء الأثرياء السنوية في قرابة 1.9 ملايين وفاة إضافية نتيجة موجات الحرّ. وعلى الجانب الآخر، لا تؤثّر الكوارث المناخية على جميع البشر بشكل متكافئ حيث تُفاقم مظاهر اللامساواة وتصبح أكثر فتكاً تبعاً لها. ومن ذلك أنّ معدلات الوفيات الناجمة عن الفيضانات تعادل سبعة أضعاف معدلاتها في البلدان الأشدّ تفاوتاً.
هذه النتائج هي أحدث ما توصّلت إليه منظمة أوكسفام في تقرير نُشر اليوم الثلاثاء 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، ويجيب عن أسئلة لطالما أثارت الجدل عن علاقة رأس المال والثروة باضطراب المناخ وبتبعاته على الفقراء حول العالم.
تشمل الإجابة عن هذا السؤال محاور رئيسية عدة من بينها أنّ أثرى 0.1% من البشر يصدرون انبعاثات تفوق ما ينتجه أفقر 44% من سكان العالم مجتمعين. كما يطلق هؤلاء الأثرياء أكثر من ثلاثة أضعاف ما يصدر عن مجموع سكان إفريقيا جنوب الصحراء من الانبعاثات، وعددهم 1.3 مليارات نسمة.
كذلك يُسهم كلّ شخص من بين أثرى 0.1% من البشر في موجات الحرّ الشديد بما يزيد 125 مرّةً على إسهام الشخص العادي، وبنحو 400 مرّة أكثر من شخص من نصف البشرية الأفقر.
بوجه عام، بلغت الانبعاثات الناجمة عن استثمارات ألف ملياردير، 486 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في عام 2025. ولو كان هؤلاء الأشخاص دولةً قائمةً بذاتها، لاحتلّت هذه الدولة المرتبة 19 بين دول العالم الأشدّ تلويثاً، مباشرةً بعد أستراليا وقبل جنوب إفريقيا.
وبينما يُرجّح أن يؤدّي عام واحد فقط من الانبعاثات الصادرة عن أثرى 1% من البشر إلى 1.9 ملايين وفاة زائدة مرتبطة بالحر الشديد، يُعزى إلى أثرى 1% من البشر المسؤولية عن 20% من الاحترار العالمي منذ عام 1990، أي ما يعادل 20 ضعف حصّتهم مقارنةً بسائر سكان العالم.
إلى ذلك، يُسهم شخص واحد من بين أثرى 1% من البشر بما يزيد بمقدار 34 ضعفاً عن الشخص العادي في إحداث موجات الحرّ الشديد، وبما يفوق أكثر من 100 ضعف إسهام شخص من بين أفقر 50% من سكان العالم.
خلال الفترة بين عامَي 2014 و2050، يتوقّع أن ينزح نحو مليار إنسان -أي قرابة 10% من سكان العالم- بفعل أزمة المناخ، وسيكون معظم هؤلاء الأشخاص النازحين في بلدان الجنوب العالمي. وتبلغ الوفيات بفعل الفيضانات في البلدان الأقلّ مساواة سبعة أضعاف مثيلاتها في البلدان الأكثر مساواة.
ومن المتوقع أن ينمو سوق التعافي من الكوارث عالمياً من 70 مليار دولار أمريكي إلى 92 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2029، مدفوعاً بشكلٍ متزايد بالأحداث المناخية المتطرّفة المرتبطة بتغيّر المناخ.
ويكشف "مؤشر التدمير وإعادة الإعمار" الجديد لمنظمة أوكسفام -وهو عبارة عن قائمة تضمّ 217 شركةً تستفيد إما من خلق الكوارث المناخية أو من الاستعداد لها أو من التعافي منها- كيف أنّ المستثمرين أصحاب الثراء الفاحش الذين يدعمون الوقود الأحفوري وغيره من الصناعات شديدة التلويث يجنون الأرباح أيضاً من الاستعداد للكوارث وإجراءات التعافي منها. وقد حقّقت الشركات المدرجة في هذا المؤشر متوسط أرباح بلغ 1.8 مليارات دولار أمريكي في عام 2025، دفعت منه أكثر من مليار دولار كمكاسب للمساهمين/ ات.
وفي وقت يتسبّبون فيه بالقدر الأكبر من تلويث البيئة، يحتفظ الأثرياء بالقدرة على حماية أنفسهم عبر دفع مبالغ أكبر للحصول على الغذاء أو الانتقال إلى أماكن أكثر أماناً، في حين يفتقر معظم الناس إلى هذه القدرة. وفضلاً عن ذلك، تُظهر أبحاث منظمة أوكسفام الحديثة أنّ أصحاب الثراء الفاحش يحققون أرباحاً هائلةً من المعاناة الناتجة عن اضطراب المناخ، سواء عبر استغلال ارتفاع أسعار الغذاء أو من خلال اقتناص المكاسب في أثناء الكوارث.
لكن الناس العاديين الذين يتعرّضون لصدمات مناخية متتالية، يكابدون مشقّة التعافي، وهم أشدّ عرضةً وهشاشةً، ولا يملكون سوى مدّخرات ضئيلة لإعادة بناء حياتهم.
ويُعدّ السفر بالطائرات الخاصّة أوضح مظهر لاستهلاك الأثرياء المفرط للكربون، إذ لا يستخدم هذه الطائرات سوى أثرى 0.003% من سكان العالم، أي نحو 250 ألف شخص، معظمهم من الرجال. ويُظهر تحليل جديد أجرته منظمة أوكسفام لبيانات تعقّب الطائرات الخاصة، بجانب أبحاث أكاديمية أخرى، كيف يُسهم عدد محدود من الأشخاص بشكل غير متكافئ في توليد انبعاثات السفر جوّاً. وتُبيّن النتائج الخاصة بعام 2025 أنّ الطائرات الخاصة قد أصدرت 16 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون وهي انبعاثات تتطلّب زراعة 80 مليون شجرة لتعويضها.
بكلمات أخرى، يصدر عن كل رحلة بطائرة خاصة في المتوسط 3.7 أطنان من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل ما يصدر من انبعاثات عن إنسان عادي خلال عام كامل تقريباً.
ويُعدّ التمييز على أساس العرق والنوع الاجتماعي من مظاهر اللامساواة الاقتصادية، ويؤثّر بدوره على البصمة الكربونية إذ يحظى الرجال البيض بتمثيل مفرط وغير متكافئ في أعلى شرائح الدخل والثروة وهي الفئات الأكثر ارتباطاً بالبصمات الكربونية الضخمة، فيما تظلّ النساء والأشخاص المعرّضون للتمييز العرقي والأشخاص ذوو الهوية غير الثنائية، ضمن الفئات ذات مستويات الثروة والدخل الدنيا، وتالياً الأضعف أثراً على المناخ.
يبلغ إجمالي الانبعاثات الكلية الناجمة عن ملكية 14 ألف ملياردير، 486 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في عام 2025، وهو ما يعادل انبعاثات البلد التاسع عشر الأكثر تلويثاً في العالم. كما يملك أثرى 100 ملياردير البصمات الكربونية الأشدّ تطرّفاً حيث يبلغ متوسط انبعاثات ملكية كل واحد منهم قرابة أربعة ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي أنهم يصدرون كربوناً يفوق ما يصدره 3.78 مليون إنسان مجتمعين.
في الوقت عينه، تِصنّف استثمارات 71% من أصحاب المليارات ضمن القطاعات ذات الأثر المناخي المرتفع، مثل النفط والغاز والكيماويات، وهي من أشدّ القطاعات تلويثاً.
وبينما يواجه العالم عين إعصار انهيار المناخ، ويتغيّر الطقس في كل مكان وتزداد موجات الحرّ الشديد وتكثر العواصف، وتتعاظم الفيضانات، وتشتعل حرائق الغابات بشكل متكرّر، تتناقص المحاصيل الغذائية، ويقلّ الطعام المتاح، وترتفع تكلفة الغذاء، ويزداد عدد الجياع.
وحتى مع وضوح العواقب الناجمة عن الاحترار السريع للكوكب، تظلّ الجهات الأكثر مسؤوليةً عن تغيّر المناخ تغتنم الفرص لتحويل الفوضى إلى أرباح حيث يقتنص الأثرياء الفرص ويستغلّونها لمراكمة المزيد من الثروة والسلطة من الأضرار التي تسبّبوا هم فيها أصلاً.
ومن ذلك أنّ سوق التعافي من الكوارث عالمياً سوف ينمو من 70 مليار دولار أمريكي إلى 92 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2029، مدفوعاً بشكل متزايد بالأحداث المناخية المتطرّفة المرتبطة بتغيّر المناخ، وبمعدل نمو يفوق المتوسط بكثير.
ويمهّد التعافي من الكوارث الطريق أمام تعزيز أجندات اقتصادية منحازة للأثرياء، مثل خصخصة الخدمات العامة، والاستيلاء على الأراضي وتخفيف القيود التنظيمية، ومنح الامتيازات الضريبية للأثرياء وأصحاب النفوذ.
كما تغذّي اللامساواة الكوارث المناخية، وفي الوقت نفسه تحدّد من يتحمّل وطأتها. ولا وجود لما يُسمّى "كارثة طبيعية" لأنّ اللامساواة هي التي تحوّل أحداث الطقس المتطرّف إلى كوارث مناخية، فتخلق المآسي للناس العاديين بينما تتيح للأثرياء القدرة على تحمّل آثارها بسهولة أكبر. وتُظهر الدراسات أنّ الكوارث في البلدان الأشدّ تفاوتاً تؤدّي إلى معدلات وفيات أعلى، وتُلحق أضراراً أوسع نطاقاً، وتؤثر على عدد أكبر من الناس.
وتعدّ الفئات ذات الدخل المنخفض أشدّ عرضةً لكوارث المناخ، إذ غالباً ما تقطن في أماكن أكثر قابليةً للتأثر بهذه الكوارث. كما أنّها أشدّ هشاشةً وضعفاً بسبب رداءة مساكنها، أو بسبب سوء حالة أفرادها الصحية، أو بسبب طبيعة أعمالها التي تتطلّب المكوث في العراء. كما أنّ مواردها وادّخاراتها الضئيلة لا تكفي لتمكينها من التعافي من آثار الكوارث، ما يُضعف إلى حدّ بعيد قدرتها على الصمود مقارنةً بالأثرياء.
لا تقتصر اللامساواة الناجمة عن انهيار المناخ على أحداث الطقس المتطرّف والكوارث فقط، بل تتعلق أيضاً بالآثار البطيئة ولكن المتواصلة على مرّ السنين، ولا سيّما على إنتاج الغذاء وأسعاره. فقد تتأخر الأمطار أو تنقطع تماماً، أو قد تهطل بغزارة من دون أن تصل إلى حدّ التسبب بكارثة فورية، ولكن بما يكفي للتقليص التدريجي لكمية الغذاء المنتج وفي الوقت ذاته، يستمرّ ارتفاع أسعار الغذاء، ليستنزف جزءاً متزايداً من موارد الفئات ذات الدخل المنخفض والمتوسط في جميع بلدان العالم.
تتجاوز الآثار مجرّد كمية الطعام المتوافر أو نوعيته. فعندما يشكّل ثمن الغذاء نسبةً كبيرةً من إنفاق الأسر، تجبرها صدمات أسعار الغذاء على إجراء مفاضلات، مثل إعطاء الأولوية لتغذية الأطفال والرجال على حساب النساء، أو تقليص الإنفاق على التعليم أو الرعاية الصحيّة. أما الأثرياء، فقد لا يلاحظون حتى ارتفاع فواتير الغذاء في البداية، وحتى إن حصل، يُتاح لهم خيار تقليص الإنفاق على الكماليات مثل العطل والأطعمة الفاخرة والمركبات.
برغم كل ما سبق، لم يفُت الأوان بعد لصياغة مستقبل بديل إذ إنّ بناء عالم أكثر مساواةً سيتيح خفض الانبعاثات بسرعة، ويجعل أنظمة الغذاء أكثر عدلاً ومرونةً ويعزّز قدرة الأنظمة العامة على حماية الناس من الأزمات والتكيّف مع آثار تغيّر المناخ.
بحسب أوكسفام، يتطلّب تحقيق هذا المستقبل خيارات سياسيةً جريئةً لكبح الثروة المفرطة وقوة الشركات وسلطتها، مع الاستثمار في القدرة على الصمود وضمان حقوق غالبية البشر وتحسين مستوى معيشتهم. كما ينبغي أن تصبح المساواة المناخية الآن الأساس الذي تُبنى عليه سياسات المناخ.
أولاً، كبح الانبعاثات الكربونية الملوّثة الصادرة عن أصحاب الثراء الفاحش ويشمل ذلك معالجة الانبعاثات الناجمة عن استهلاكهم وملكياتهم، ويمكن ذلك من خلال فرض ضرائب على دخول أثرى 1% من البشر وثرواتهم وفرض ضرائب عقابية على السلع والأنشطة الفاخرة ذات الانبعاثات العالية مثل الطائرات الخاصة بهدف الحدّ من استخدامها، بالإضافة إلى فرض ضرائب أعلى على الثروات المستثمرة في الصناعات الملوثة بشدّة.
ثانياً، زيادة التمويل الموجه لمساعدة البلدان على التكيّف حيث يجب على البلدان الغنية المسؤولة عن أزمة المناخ أن توفر التمويل اللازم لبقية بلدان العالم لمساعدتها على التكيّف مع آثار الأزمة والتعامل معها. ويمكنها تأمين هذا التمويل عبر فرض ضرائب على الأشخاص الأثرياء والشركات الكبرى في بلدانها، بما يقلّل الضغط على الفئات ذات الدخل المنخفض. وباستخدام هذه الإيرادات، يمكن الوفاء بالوعود المتعلقة بمضاعفة حجم التمويل المخصص للتكيّف ثلاثة أضعاف بحلول عام 2035.
ثالثاً، صياغة خطط وطنية محدّدة زمنياً لخفض مستويات اللامساواة الاقتصادية إلى أدنى حدّ ممكن، فقد ثبت أنّ البلدان الأكثر مساواةً اقتصادياً تكون أكثر أماناً، وأكثر خضرةً وأقدر بكثير على مواجهة الصدمات المناخية مثل حرائق الغابات أو الفيضانات أو الجفاف. وبناءً على ذلك، ينبغي على جميع البلدان أن تصيغ خططاً واضحةً وأن تحدّد أهدافاً زمنيةً لتحقيق مستويات منخفضة من اللامساواة في الدخل والثروة، بحيث لا يتجاوز دخل أغنى 10% من البشر دخل أفقر 40% منهم.
رابعاً، الحدّ من التعرّض وخفض الهشاشة، وتحقيق المساواة في التكيّف مع أحداث الطقس المتطرّف لبناء أنظمة غذائية أكثر مساواةً ومرونةً، يجب أن يهدف التكيف المناخي إلى تقليص اللامساواة لا إلى تعزيزها، كما ينبغي للسياسات العامة أن تحدّ من التعرّض للمخاطر المناخية، وأن تخفض الهشاشة، وتعزّز القدرة على الصمود ولا سيما لدى المجتمعات المحلية المهمشة والمعرّضة للمناخ. وتشمل هذه السياسات الحماية الاجتماعية الشاملة، وضمان الدخل والبنية التحتية المقاومة لأزمات المناخ عبر الخدمات العامة (مثل التعليم والنقل)، وأنظمة إنذار مبكر وإجراءات إخلاء تقدّم مصالح الناس.
كما يجب تحديد سقف أسعار الغذاء والاستثمار في التوزيع العام للغذاء وضمان حصول المزارعين على الأراضي الصالحة للزراعة والري، وبنوك البذور المجتمعية، وغيرها من المدخلات. زيادةً على ذلك، ينبغي إعادة توزيع الأراضي، وإدخال أنظمة حوكمة للأراضي تقدّم مصالح الناس وتعترف بحقوق الحيازة العرفية والجماعية وعدم السماح بتحويل استخدام الأراضي من إنتاج الغذاء إلى إنتاج الوقود الحيوي أو مخططات تعويض الكربون.
خامساً، وضع حدّ لرأسمالية الكوارث واستغلال انهيار المناخ. يجب على الحكومات أن تكبح السلطة المفرطة للشركات وأن تضمن توجيه الاستجابة المناخية نحو تلبية احتياجات البشر لا أرباح المساهمين/ ات. وتشمل هذه السياسات فرض ضرائب دائمة على الأرباح الاستثنائية، ووضع سقوف للأرباح والأسعار وحظر المضاربات كما ينبغي تقليص سلطة الشركات عبر تفكيك الاحتكارات، مع إعطاء الأولوية للبدائل العامة من قبل جميع البلدان.
Loading ads...
وتشدّد أوكسفام على أنّ اتخاذ هذه الخطوات الخمس من شأنه أن يقطع شوطاً طويلاً نحو كسر الحلقة المفرغة المترابطة بين تغيّر المناخ واللامساواة، وبناء مستقبل أكثر مساواةً واستدامةً للبشر والكوكب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





