الوضع السوري الداخلي ليس على ما يُرام، ما لم نعترف -والسلطة في المقدمة- بهذه الحقيقية المُرّة الساطعة التي نشهدها جميعاً على أرض الواقع، لن نتمكن من الانتقال إلى مرحلة التشخيص والبحث عن الحلول، فالمريض ما لم يقرّ بمرضه لن يبحث عن العلاج، ولن يحصل على العلاج المناسب.
وهذه المشكلة الكبرى يعاني منها المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية بدرجات أكبر من المرضى الآخرين؛ فيصبحون بفعل ذلك، ومن دون إرادتهم، سبباً لمعاناة كبرى تتفاقم مع الوقت، وتتراكم نتائجها السلبية فتصبح عملية معالجتها أصعب وأعقد، ونتائجها أخطر وأشد، معاناة تصيبهم أولاً، وتشمل ذويهم ومجتمعهم.
أجواء الاستقطاب والإحباط والشعور بالخذلان، وهستريا الشعارات والفتاوى، واستسهال التخوين والتكفير تحت مختلف المسميات الاستفزازية تهيمن على السوريين بكل أسف، ويُضاف إلى ذلك تنامي النزعات الانتهازية والمصلحية والأنانية، وهي النزعات التي تتجسد غالباً في تكويعات والتفافات دورانية.
هذه الأجواء تعطّل العقول، فتصبح المزاجية والغرائز والهواجس المبنية على الأحكام النمطية المسبقة هي الأساس في اطلاق الإتهامات واتخاذ المواقف؛ وكل ذلك يقطع الطريق أمام الحوارات الهادئة التي من شأنها مدّ الجسور لا بناء الجدران بين المتحاورين، والتركيز على المشتركات، حوارات من المفروض أن تكون أهدافها: تشخيص طبيعة المشكلات، والوصول إلى توافقات بشأن الحلول، وتحديد الآليات الواقعية لتنفيذ ما تم التوافق عليه.
كل تلك الوعود والمهرجانات ومشاريع الاستثمارات، لم تتمكن حتى الآن من تأمين مقومات الحد الأدنى للعيش الكريم لغالبية السوريين الذين يعيشون دون حد الفقر وفق المؤشرات المتعارف عليها دولياً..
أمّا الوعود التبشيرية، والمهرجانات الاستعراضية، ومذكّرات التفاهم الخاصة بالمشاريع الاستثمارية الكبرى التي لم تر النور بعد؛ فقد كانت تعزز التفاؤل لدى السوريين، وتتوافق مع فرحتهم العارمة بالنصر، والخلاص من حكم سلطة آل الأسد الفاسد المستبد المفسد الذي أرهق البلاد والعباد على مدى أكثر من نصف قرن؛ ولكن كل تلك الوعود والمهرجانات ومشاريع الاستثمارات، لم تتمكن حتى الآن من تأمين مقومات الحد الأدنى للعيش الكريم لغالبية السوريين الذين يعيشون من دون حد الفقر وفق المؤشرات المتعارف عليها دولياً.
لا بل تعمقت مأساة هؤلاء، واتسع نطاقها بفعل استمرارية انسداد الآفاق أمام الباحثين عن العمل خاصة في الوسط الشبابي، وارتفاع الأسعار، ورفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية في غياب وجود شبكة أمان مجتمعية، كان من شأنها ضمان الحدّ الأدنى حاجات الناس الأساسية: الطعام والدواء والكساء والآجار والخدمات.
والغريب اللافت حتى الآن هو عدم وجود قنوات اتصال شرعية علنية مفتوحة بسلاسة بين إدارة الرئيس الشرع والقوى السياسية والمجتمعية السورية؛ قنوات كان من شأنها معالجة الكثير من المشكلات قبل تفاقمها، وتحولّها إلى محرّكات تدفع بالناس نحو رفع الصوت في الشارع، وذلك نتيجة شعورهم بعدم استعداد السلطة لسماع آرائهم التي تعرض في اللقاءات والندوات ضمن القاعات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
وما يضفي المزيد من القتامة على ما يجري هو غياب الوضوح والشفافية في الخطط والبرامج التي تقول الإدارة بأنها تسير وفقها. قد تكون مثل هذه الخطط موجودة بالفعل، ولكن سيكون من المفيد أن يطلع عليها المواطنون، بل من حقهم أن يتمكنوا من ذلك.
فهناك حديث حول خصصة قطاعات حيوية مثل الصحة، وعودة إلى القوانين والتدابير العثمانية، وقرارات يتخذها هذا المحافظ أو ذاك، وتعيينات تثير الكثير من التساؤلات والاستفسارات، وتصريحات غير موفقة لهذا المسؤول أو ذاك، وتوضيحات تضفي المزيد من الغموض على اللوحة التي تحتاج أصلاً إلى المزيد من الضوء ليتمكن المرء من رؤيتها بوضوح، ويستوعب أبعادها ودلالاتها.
وكل ذلك يُربك المتفائلين بحذر من الواقعيين، ويُحرج حتى المتفائلين المتشددين؛ ويشتّت الطاقات، ويرسخ الاستقطاب، ويزيد الشكوك. فتنتنشر الشائعات في أجواء الغموض المهيمنة على موضوعات حيوية تهم غالبية السوريين. وتتضاءل الثقة بما يُعلن من خلال القنوات الرسمية، وتصبح القنوات الخاصة مصدر المعلومات لصفوة معينة، في حين تُصبح التخمينات والتكهّنات والحيرة والتوجسّات من نصيب عامة الشعب.
هذه الوضعية لا تبشّر بالخير رغم كل التطمينات والتسويغات؛ بل تُنذر بالفوضى والاضطراب، لذلك هناك حاجة ماسة لإدارة الأمور بالمزيد من الحكمة والاستيعاب واحترام موقف الآخر المختلف؛ وتبديد هواجسه بعقود مكتوبة مطمئنة؛ وتعزيز الثقة بإجراءات عملية جدية على أرض الواقع لا مجرد مجاملات ينتهي مفعولها مع انتهاء اللقاءات أو المقابلات؛ وعدم إصدار القرارات التي تثير الخلافات والامتعاض بين السوريين.
فهناك الكثير من الأمور والقضايا لا يمكن لجهة معينة بمفردها أن تبتّ فيها خاصة في المرحلة الانتقالية، بل هي تحتاج إلى حوار وطني، وتوافق بين السوريين عبر ممثليهم من الفعاليات السياسية والمجتمعية.
وضمن هذا السياق لا بد من التوقف عند الاعتصام الشعبي الذي كان قبل أيام في ساحة يوسف العظمة أمام مبنى محافظة دمشق، وهو الاعتصام الذي جمع طيفا من السوريين تجاوز الانتماءات المجتمعية والتوجهات السياسية، كما جمع بين مختلف الأجيال من الجنسين.
فرغم الحجم المتواضع للمعتصمين، وما تعرضوا له من هجمات فيزيائية وسيبرانية، إلا أنه أثار الانتباه والاهتمام في الداخل السوري وعلى الصعيد الاعلامي خارج سوريا.
لا نعلم من هي الجهة أو الجهات التي دعت إلى الاعتصام، ولكن الشعارات التي رفعت في الاعتصام واللقاءات التي تمت مع بعض المشاركين فيه، لاقت تعاطفاً لدى معظم السوريين الذي يشعرون بالوجع ويحتارون بشأن وسيلة التعبيرعنه.
فلا أحزاب علنية مرخّصة، ولا نقابات ومنظمات مجتمع مدني كان من شأنها أن تؤدي دور مانع الاصطدامات، أو كان في استطاعتها أن تقوم بوظيفة الكوابح التي تقلل من مخاطر التباعد بين الحكومة والشعب، وهيمنة مشاعر الاغتراب والتهميش والقهر في أوساط الأخير؛ هذا إلى جانب إمكانية مشاركتها في عمليات توعية الناس، وشرح أبعاد التحديات، والإسهام في عمليات تأمين الخدمات والاحتياجات الإسعافية.
هناك تفاوت واقعي مشروع بين السوريين على صعيد رؤيتهم لحاضر سوريا ومستقبلها؛ والحل لن يكون بفرض تصور معين على الأخرين، وإنما بالحوار وإدارة التباين بالحكمة وبعد النظر، والبحث عن الحلول الوسط لن ترضي الجميع ولكنها ستجمعهم، وستمكّنهم من تجاوز تعقيدات المرحلة الانتقالية ومفاجآتها بأقل الخسائر التي يُخشى منها، وأفضل النتائج الممكنة، والحوار لا يمكن أن يتم من دون وجود إرادة جادة من جانب الإدارة للانتفاح على جميع السوريين، وعدم الاكتفاء بالموالين ومن هم في حكمهم.
الأمور بين السوريين لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، وامكانيات المعالجة موجودة. فحتى الآن لا توجد في سوريا جهة منظمة أو في طور التنظيم، لها سند شعبي ملموس، تدعو إلى اسقاط الإدارة..
اعتصام ساحة يوسف العظمة، الذي تزامن مع الذكرى 80 لجلاء المستعمر الفرنسي عن البلاد، لم يكن الأول ولن يكون، على الأغلب، الأخير، خاصة إذا استمرت المقاربات الحالية لهموم السوريين على حالها من دون أي تغيير نحو الأفضل، والاعتصامات أو حتى التظاهرات لا تمثل كارثة بذاتها؛ وإنما الكارثة ستكون حينما يستمر التجاهل من جانب الحكومة لهموم الناس، وتتواصل مختلف أساليب التجييش اللاعقلاني.
الأمور بين السوريين لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، وامكانيات المعالجة موجودة. فحتى الآن لا توجد في سوريا جهة منظمة أو في طور التنظيم، لها سند شعبي ملموس، تدعو إلى إسقاط الإدارة، بل ما يستنتج من المعطيات والمواقف والحوارات البينية، هو أن الجميع يرى في الرئيس الشرع الشخص القادرة على قيادة وإدارة المرحلة الانتقالية كما ينبغي من خلال الالتزام بمهام وصلاحيات المرحلة الانتقالية، واعتماد خارطة طريق واضحة مع جدول زمني، وذلك بهدف قطع الطريق أمام الإشاعات والمخاوف.
فالمرحلة الانتقالية العامة التي حُدد إطارها الزمني بخمس سنوات من المفروض أن تكون جملة مراحل انتقالية فرعية، مراحل تتفاعل نتائجها وتتكامل، حتى يتم الوصول إلى بر الأمان بفضل انتخابات تشريعية عامة ينبثق عنها مجلس نواب وحكومة يستمدان شرعيتهما من الشعب.
Loading ads...
تواجه سوريا على المستويين الداخلي والإقليمي تحدّيات كبيرة وجدية ، ولا يمكن في أي حال من الأحوال تامين المقومات المطلوبة للتعامل العقلاني الوطني معها من دون مجتمع متفاهم متماسك، مجتمع لا يشكو ناسه من جوع ومرض، ولا يعانون من ظلم وظلام.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

مقتل طفل فلسطيني دهسه مستوطن شمال الخليل
منذ 7 دقائق
0



