من ضمن الكثير من تعليقات ومنشورات المعترضين على حفلة أصالة في دمشق أخيراً أو الشاتمين لشخصية أصالة، خصوصاً من فلول النظام المخلوع، لفتني تكرار ما يصفونه بأنه "قلة أصل" من قبلها تجاه آل الأسد، حيث يذكرون أن حافظ الأسد كان قد أرسلها لعلاج مشكلة خلقية في ساقها وأنها لولاه لكانت بقيت "عرجاء" طوال حياتها. وبغض النظر عن أن العرج ليس عيباً ولا علاقة له بصوتها وموهبتها، وأنها لو بقيت دون علاج كانت سوف تبقى مطربة ذات صوت استثنائي وتتمتع بذكاء وحدس فني لافت، فإن موضوع علاجها بحد ذاته يجب التوقف عنده ومناقشته بهدوء حتى لا يبقى موضوعاً يمكن معه الإساءة لأصالة ولغيرها، خصوصاً وأن هذا الاتهام لها لم يكن جديداً فهو يتكرر منذ أعلنت أصالة موقفها المؤيد للثورة قبل خمسة عشر عاماً وظل يتكرر، خصوصاً من قبل فنانين مؤيدين للنظام، طوال المرحلة الماضية.
بعد الثورة، تعرضت أنا والروائية ديمة ونوس إلى نفس الاتهام، فأنا وهي ابنتا كاتبين سوريين أصيبا بمرض عضال وعولجا على نفقة الدولة في زمن حافظ الأسد. ديمة وأنا اتهمنا مراراً بقلة الأصل التي تتهم بها أصالة، واعتبرنا من قبل بيئتنا أننا عضضنا اليد التي امتدت لنا بالخير، وهذا قيل عن أصالة أيضاً كثيراً؛ الفرق بيننا وبينها أن ديمة وأنا تعرضنا العقد الماضي أيضاً للطعن والتشكيك بموقفنا الثوري من قبل "مثقفين" ثوريين، لأننا ابنتا كاتبين عالجهما حافظ الأسد وبالتالي والدانا كانا مؤيدين لنظام حافظ الأسد ما يعني أننا كذلك وأننا غير صادقتين في موقفينا.
أصالة في ذلك الوقت كانت طفلة وعولجت ساقها لأن أبيها مصطفى نصري كان مطرباً معروفاً، كان أحد المطربين الذين ظهروا مع مرحلة صعود حافظ الأسد وما سمي وقتها "الحركة التصحيحية" والدي: الشاعر محمد عمران ووالد ديمة: المسرحي سعد الله ونوس كانا أيضاً أبناء تلك المرحلة، مثل غالبية كتاب وفناني جيلهما، كان الوسط الثقافي والفني صغيراً ومرتبطاً بشكل كامل بالدولة أو السلطة أو النظام، (سموه ما شئتم). وكله تابع لوزارتي الثقافة والإعلام المرتبطة مباشرة بحافظ الأسد، أظن، أو أنا ربما شبه متأكدة، أن لا محمد عمران ولا سعد الله ونوس ولا مصطفى نصري قد قابل أحدهم حافظ الأسد بشكل مباشر وأن أي شيء يتعلق بهم كان يتم عبر وزيرة الثقافة في ذلك الوقت نجاح العطار أو عبر وزارة الإعلام. ما علاقة أصالة نصري أو نحن، أبناء ذلك الجيل، بما حدث بين آبائنا والنظام وقتها؟ لماذا علي مواقفنا أن تكون مرهونة بمواقفهم ولماذا سوف نحمل نحن إرث اختياراتهم الشخصية أو حتى إرث لحظتهم الزمنية والظروف المتعلقة بها؟
أمر آخر، هل علاج أصالة تم على نفقة حافظ الأسد الشخصية أو من ميزانية الدولة السورية؟ هذا الخلط ينبغي التوقف عنده. أصالة عولجت علي نفقة الدولة السورية مثلها مثل عدد آخر من السوريين ومن غير السوريين (منهم عاصي الرحباني)، فإذا كان هناك معروف ما ينبغي حمله فيجب أن يكون للدولة السورية لا للنظام، إلا إذا كان الهدف هو إلغاء الدولة لصالح النظام، وهو بكل حال ما اشتغل عليه نظام الأسد طوال خمسين عاماً، ولكن هذا الاشتغال ينبغي أن يسقط عند الحديث عن المواطنة وعن الهوية الوطنية والانتماء لها، فالصوابية الوطنية تقول إن من حق كل مواطن سوري أن يعالج علي نفقة الدولة السورية، هذا ليس منة ولا هبة من رأس النظام، هذا حق من حقوق المواطنة السورية كما يفترض، لكن أن يتم اعتباره معروفاً من قبل رأس النظام ويحمل المريض وأبناءه إرث " الوفاء" لهذا المعروف فهو كلام ملقى من عواهنه وفيه خطل كبير مثلما فيه تهشيم لهوية المواطنة وحقوقها وواجباتها.
ليس من واجب أصالة أو غيرها أن تصبح مدينة سياسياً للنظام لأنها حصلت على حقها في العلاج، العلاج ليس طوقاً يقيد عنقها، ولا هو إرث ولاء سياسي، هو حق من حقوقها كمواطنة سورية
علاج أي سوري تم وقتها على نفقة الدولة حتى لو كان بقرار شخصي من رأس النظام ليس عقد ولاء سياسي بينه وبين النظام، ليس من واجب أصالة أو غيرها أن تصبح مدينة سياسياً للنظام لأنها حصلت على حقها في العلاج، العلاج ليس طوقاً يقيد عنقها، ولا هو إرث ولاء سياسي، هو حق من حقوقها كمواطنة سورية، وحق من حقوق أي فنان أو مثقف سوري؛ كما أنه، حتى لو افترضنا أن العلاج معروف سياسي، فهو لا يلغي فكرة الخلاف السياسي ولا فكرة الاعتراض على حدث وطني كالحدث السوري بعد انطلاق الثورة التي لم تحدث أصلاً في زمن الرئيس الذي قرر العلاج، بل في زمن وريث لم ينتخب ولم يتم اختياره من قبل السوريين أبناء الجيل الذي ظهر مع حافظ الأسد، أنا مثلاً، رشا عمران، لم اختر بشار الأسد ابن حافظ الأسد الذي أرسل والدي للعلاج علي نفقة الدولة؛ أصالة لم تختر بشار الأسد، والدها الذي كان وسيطها للعلاج مات قبل استلام الوريث، والدي أيضاً مات قبل استلام الوريث ووالد ديمة ونوس كذلك، لماذا علينا أن نكون موالين لوريث لا علاقة له بكل المسألة أصلا؟
واجب الدولة أن تقدم خدمات لجميع مواطنيها، الطبابة من أول هذه الخدمات، وفي كل دول العالم يُمنح الكتاب والفنانون امتيازات إضافية لأنهم الواجهة الأكثر إشراقاً في حضارة أي بلد، فلماذا يجب أن يكون هؤلاء مدينين للسلطة طوال حياتهم وحياة أبنائهم؟ بينما المفروض أن تكون السلطة هي المدينة لهم، لأنهم يعطون صورة مشرقة عن بلدهم ويمنحون مجتمعاتهم قيمة إضافية، تخيلوا معي كيف سيكون شكل مجتمع خال من الكتاب والفنانين! الفن والثقافة هما مصدر القوى الناعمة التي تعكس صورة البلد الحضارية وثقافة البلد وذائقته العالية، وهو ما تستثمره الأنظمة لصالحها دائماً.
علاج فنان أو كاتب على حساب الدولة لا يعني مطلقاً أن مسار السلطة وخيار الكاتب والفنان متلازمان بالضرورة، ولا يعني أنه وأبناءه مؤيدون للنظام. حتي لو شكر الكاتب أو رأس النظام ذات يوم بسبب ذلك عبر أغنية أو نص أو شكراً مباشراً، هذا لا يلغي أنه قد يغير موقفه من النظام في لحظات يجب عليه فيها أن يختار الوقوف إلي جانب الحق مهما كان الثمن.
Loading ads...
تتعامل الأنظمة مع شعوبها من منطق أبوي فالدولة ليست مؤسسات تؤدي واجبها تجاه المواطنين، بل هي الأب الذي يمنح هذا الابن أو ذاك معروفاً ما ثم يطالبه برد الجميل وبالطاعة، فإذا ما تمرد أخرج له دفتر الحساب مطالباً إياه برد الدين. هذا ليس منطق دولة، هذا منطق عشيرة، فإذا كانت الأنظمة تدفع بهذا الاتجاه كي تبقى مسيطرة على شعوبها فإنه من المستغرب أن تتماهى الشعوب نفسها مع هذا المنطق الأبوي المريض، وتحاكم، أخلاقياً، شخص ما نتيجة حقه من حقوقه حصل عليه قبل عقود وتجرده وأبناءه من الهوية الوطنية أو الثورية بسبب ذلك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


