41 دقائق
كيف بُنيت بغداد؟.. من المدينة المدورة إلى عاصمة العباسيين
السبت، 19 سبتمبر 2026

تصور فني نُشر عام 1915 لبغداد في عهد أبي جعفر المنصور، كما تخيلها الرسام إدموند ساندرز - غيتي
بدأت بغداد العباسية مدينة مدورة تتوسطها دار الخلافة، ثم تجاوزت أسوارها لتصبح مركزًا للتجارة والعلم. كيف اختير موقعها وصُممت أبوابها؟
في صيف عام 145 للهجرة، الموافق 762 ميلادية، كان أبو جعفر المنصور يبحث على ضفاف دجلة عن أكثر من مقر جديد للخلافة. أراد مدينة يصنعها من البداية، تحمي مركز الحكم العباسي وتربطه بالأقاليم الممتدة من خراسان إلى الشام، وتمنح الدولة التي لم يمضِ على قيامها سوى أعوام قليلة عاصمة مصممة على مقاسها.
تروي المصادر أن المنصور أمر بتحديد مخطط المدينة على الأرض، وأن القطن المبلل بالنفط أُشعل على امتداد محيطها كي يرى الدائرة كاملة قبل أن يبدأ البناء. قد تبدو الصورة أقرب إلى مشهد سينمائي: خليفة يقف داخل حلقة من النار ويتخيل الأسوار والأبواب والقصر والمسجد. لكنها تلخص جوهر المشروع فعلًا؛ فبغداد العباسية لم تنشأ من نمو قرية تدريجي، وإنما بدأت بقرار سياسي ومخطط هندسي.
وتتتبع حلقة من برنامج "تقريبًا"، كيف تحولت الأرض المحاطة بالقرى والبساتين والأديرة إلى "مدينة السلام"، ثم إلى واحدة من أهم عواصم العالم في العصر الوسيط. فما الذي دفع المنصور إلى اختيار هذا الموقع؟ ولماذا اتخذت عاصمته شكل دائرة؟ وكيف خرجت بغداد سريعًا من حدود المخطط الأول؟
قصّة بناء بغداد في "تقريبًا"
"تقريبًا" برنامج سياسي يرصد الأحداث اليومية في العراق، ويناقش القضايا السياسية والاجتماعية بطرح نقدي يجمع بين التحليل والتهكم، كاشفًا مفارقات الواقع العراقي وتحدياته. يمكن مشاهدة حلقاته عبر "العربي بلس" و"العربي تيوب"
كيف وُلدت بغداد من فكرة إلى عاصمة؟ ولماذا اختارها المنصور دون غيرها؟
لم يبدأ تاريخ المكان مع العباسيين؛ فقد كان اسم بغداد معروفًا قبل تأسيس المدينة الجديدة، وكانت المنطقة مأهولة بتجمعات وقرى متفرقة. الجديد الذي بدأ عام 145 للهجرة هو تحويل الموقع إلى مركز للخلافة ومقر لبلاطها وإدارتها.
وجاء القرار بعد سنوات اتسمت بعدم الاستقرار. فقد اتخذ العباسيون مراكز حكم قرب الكوفة، لكن الاضطرابات السياسية، ومنها حركة الراوندية وثورة محمد النفس الزكية، أظهرت للمنصور أن الدولة المتسعة تحتاج إلى عاصمة أكثر أمنًا وأبعد عن البيئات التي قد تهدد مركزها.
لم يكن الموقع على الضفة الغربية لدجلة معزولًا عن طرق العالم المحيط. فقد وفر النهر اتصالًا بشمال العراق والخليج، وربطت القنوات القريبة بين حوضي دجلة والفرات، فيما أحاطت بالأرض مناطق زراعية قادرة على إمداد المدينة بالغذاء. وعلى نطاق أوسع، وقعت بغداد بين طرق تصل خراسان وآسيا الوسطى وفارس شرقًا، ببلاد الشام والأناضول والبحر المتوسط غربًا.
هكذا اجتمعت في الموقع ثلاث ميزات احتاجها المنصور: إمكان الدفاع، وسهولة الإمداد، والاتصال التجاري. وتشير روايات المؤرخين إلى أنه عاين المكان في أوقات مختلفة، واستمع إلى أهل المنطقة بشأن مناخه وحركة التجارة فيه، قبل أن يحسم اختياره.
اختار المنصور لمدينته تصميمًا دائريًا غير مألوف في العواصم الإسلامية الكبرى آنذاك. ولم تكن الدائرة ابتكارًا منفصلًا عن تاريخ المنطقة؛ إذ يجد باحثون في المخطط صلة بتقاليد مدن ساسانية دائرية مثل غور، المعروفة لاحقًا باسم فيروز آباد. إلا أن بغداد أعادت توظيف الشكل في مشروع عباسي جديد يجمع التحصين بمركزية الحكم.
أُحيطت المدينة بخندق وسورين دائريين، وفُتحت فيها أربعة أبواب حملت أسماء الجهات التي تقود إليها الطرق: باب خراسان في الشمال الشرقي، وباب الكوفة في الجنوب الغربي، وباب الشام في الشمال الغربي، وباب البصرة في الجنوب الشرقي. ومن كل باب امتد طريق نحو قلب المدينة.
لم تكن الأبواب فتحات عادية في السور. فقد صُممت مداخلها بانعطافات تعطل الاندفاع المباشر إلى الداخل، وتحول كل بوابة إلى جزء من منظومة الدفاع. وبين السورين تركت مساحات تسمح بحركة الجنود وتزيد صعوبة اجتياز التحصينات.
وفي المركز وُضع قصر المنصور المعروف بقصر باب الذهب، وإلى جواره المسجد الجامع. أحاطت بهما مباني الإدارة ومساكن المقربين من الخليفة وقادة الدولة، ثم جاءت القطاعات السكنية في الحلقات المحيطة. كان المخطط، بهذا المعنى، صورة مرسومة لنظام الحكم: الخليفة في الوسط، والطرق والأبواب والأحياء تنتظم حوله.
يكشف التصميم قبل كل شيء مركزية السلطة. فمن القصر خرجت الطرق نحو الجهات الأربع، وحول مقر الخليفة انتظمت الإدارة والحرس ومساكن رجال الدولة. أما القول إن الدائرة حققت مساواة بين قطاعات المدينة، فهو قراءة حديثة لا تسندها بنية العاصمة نفسها؛ إذ بقي توزيع الوظائف والسكن محكومًا بتراتبية الدولة العباسية.
تختلف المصادر في الأرقام الدقيقة، لكنها تتفق على ضخامة الورشة. فقد استُقدم البناؤون والحرفيون والمهندسون والعمال من الكوفة والبصرة والموصل والشام وإيران، واستُخدم الطوب المشوي واللبن والقصب والخشب في بناء الأسوار والمنشآت.
وتنسب روايات تاريخية إلى أبي حنيفة النعمان دورًا في الإشراف على حساب مواد البناء، وتذكر أنه استعان بقصبة قياس لتقدير عدد قوالب اللبن في الرصّات بدل عدها واحدًا واحدًا. تبقى هذه التفاصيل من الروايات التي يصعب تثبيتها، إلا أنها تشير إلى حجم التحدي الإداري الذي رافق مشروعًا يحتاج إلى ضبط أجور العمال وكميات المواد وسرعة الإنجاز.
بدأ العمل عام 762، وتمكن المنصور من الانتقال إلى المدينة بعد إنجاز القصر والمسجد وأجزاء أساسية من الإدارة، فيما استمر استكمال المخطط في الأعوام التالية. وبذلك لم تكن بغداد بناءً واحدًا متزامنًا، بل ورشة تتوسع بينما بدأت الدولة تعمل من داخلها.
منظر جوي لبغداد عام 1935 يظهر دجلة والامتداد العمراني على ضفتيه
لم يبقَ من المدينة المدورة ما يمكن تمييزه فوق الأرض، لكن النهر ظل محور نمو العاصمة.
لم تبقَ بغداد طويلًا داخل أسوارها الأولى. فالمدينة الرسمية المحصنة استوعبت مركز الحكم والإدارة والحرس وقطاعات من السكان، لكن الأسواق والحرف والخدمات جذبت أعدادًا متزايدة إلى محيطها.
وبسبب مخاوف أمنية وازدحام النشاط التجاري قرب مركز الخلافة، نُقلت الأسواق إلى الكرخ خارج المدينة المدورة. هناك خُصصت مساحات للحرف والتجار، فتحول الجانب الغربي إلى مركز اقتصادي واسع. وعلى الضفة الشرقية لدجلة نمت الرصافة، ولا سيما بعد إقامة معسكرات وقصور ومنشآت جديدة فيها.
هذه هي النقلة التي تفسر صعود بغداد: لم تصبح حاضرة كبرى لأن دائرتها كانت مكتملة، وإنما لأنها تجاوزت الدائرة. فقد التحمت المدينة الرسمية بالأسواق والضواحي والمرافئ والتجمعات السكانية على جانبي النهر، ونشأت شبكة حضرية أكبر من المخطط الذي وضعه المنصور.
وشارك في هذه الحياة سكان من أصول وأديان متعددة. كان المسلمون والمسيحيون واليهود جزءًا من المشهد السكاني والاقتصادي والعلمي، كما جاءت جماعات من مناطق مختلفة من الدولة. لذا لم تكن بغداد مجرد عاصمة عربية في أرض عراقية؛ كانت مدينة إمبراطورية تشكلت من حركة الناس والبضائع واللغات والمعارف.
لا تكتمل قصة بغداد بالقصور والأسوار. فالمدينة التي اتسعت حول المركز احتاجت إلى مساكن تلائم صيفها الحار. واعتمد البيت البغدادي على فناء داخلي يمنح الغرف مساحة مظللة ويساعد على تحريك الهواء، فيما وفرت الجدران السميكة المبنية بالطين واللبن قدرًا من العزل الحراري.
واستخدم الميسورون السراديب، وهي غرف تقع تحت مستوى الأرض وتكون أبرد من الطوابق العليا، مع فتحات تساعد على التهوية. لم تكن هذه الحلول ترفًا معماريًا، وإنما استجابة يومية لمناخ المدينة ومواد البناء المتاحة فيها.
كما أدت القنوات دورًا يتجاوز الري والدفاع؛ فقد حملت الماء إلى مناطق السكن والأسواق، وشغلت منشآت اقتصادية مثل الطواحين. هكذا تشابك التخطيط الكبير مع تفاصيل الحياة: طريق التجارة يحتاج إلى سوق، والسوق يحتاج إلى الماء والغذاء، والبيت يحتاج إلى طريقة لمقاومة الحر.
أروقة القصر العباسي القائم اليوم في بغداد - AFP
يعود المبنى إلى أواخر العصر العباسي، وليس قصر باب الذهب الذي شيده المنصور في قلب المدينة المدورة
فتح موقع بغداد التجاري وتنوع سكانها واستقرار الإدارة فيها الطريق أمام تحول آخر. فقد جذبت المدينة الأطباء والفلكيين والرياضيين والمترجمين والكتّاب، ونشطت فيها صناعة الورق والنسخ والكتاب. وفي ظل الخلفاء العباسيين، ولا سيما المأمون، توسعت حركة جمع المؤلفات وترجمتها من اليونانية والسريانية والفارسية والهندية إلى العربية.
ارتبط اسم بيت الحكمة بهذه الحركة، مع بقاء تفاصيل تنظيمه وحجمه ووظائفه موضع نقاش بين الباحثين. والأدق وضعه ضمن بيئة معرفية أوسع ضمت خزائن الكتب والمترجمين والوراقين ومجالس العلماء، بدل إسقاط صورة الجامعة الحديثة عليه.
تأسست المدرسة المستنصرية في القرن الثالث عشر، وتبقى من أبرز شواهد المكانة العلمية التي احتفظت بها بغداد في أواخر العصر العباسي - بوابة التراث في الإيسيسكو
ومن هذه البيئة خرجت أو عملت أسماء مثل الخوارزمي والكندي وحنين بن إسحاق وبني موسى وثابت بن قرة. لم يقتصر عملهم على نقل كتب القدماء؛ فقد شرحوا واختبروا وأضافوا، وقدموا أعمالًا جديدة في الرياضيات والفلك والطب والفلسفة وصناعة الآلات.
وتكشف هذه المرحلة أن نجاح مشروع المنصور لم يكن في بقاء الأسوار. فقصر باب الذهب اندثر، وتضررت أجزاء من المدينة المدورة خلال الحرب بين الأمين والمأمون، ثم غابت معظم معالمها المادية. أما بغداد نفسها فاستمرت لأنها خرجت من وظيفة الحصن والعاصمة الإدارية، وتحولت إلى سوق ومجتمع وفضاء لإنتاج المعرفة.
Loading ads...
صُممت المدينة الأولى لتضع الخليفة في المركز، لكن ما منح بغداد مكانتها لم يبقَ محصورًا في ذلك المركز. على جانبي دجلة، صنع التجار والحرفيون والمترجمون والعلماء مدينة أكبر من دائرتها؛ عاصمة بدأها قرار سياسي، ثم تجاوزت مخطط مؤسسها وصارت جزءًا من تاريخ العالم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





