تطور السلاح البيولوجي من تجارب محدودة إلى برامج تهدد الأمن العالمي - غيتي
من حصار كافا وتجارب القرن العشرين إلى سفيردلوفسك ورسائل الجمرة الخبيثة.. رحلة السلاح البيولوجي من فكرة بدائية إلى تهديد محظور دوليًا.
من جثث الطاعون على أسوار كافا إلى تسرب سفيردلوفسك ورسائل الجمرة الخبيثة في أميركا.. كيف تحولت مسببات الأمراض إلى واحد من أكثر أسلحة الحرب إثارة للخوف؟
في ربيع عام 1979، بدأت مدينة سفيردلوفسك السوفيتية تشهد سلسلة وفيات غامضة. مواطنون أصحاء، بينهم عمال وموظفون وجنود، أصيبوا بحمى وأعراض مرضية سرعان ما تدهورت، فيما عجز الأطباء في البداية عن تفسير ما يجري.
ومع تزايد الإصابات، انتشرت سيارات الإسعاف وامتلأت المستشفيات. أعلنت السلطات أن السبب تسمم غذائي ناجم عن لحوم ملوثة، لكن مؤشرات أخرى أثارت الشكوك: نفقت مواشٍ في مناطق تقع جنوب المدينة، وأظهرت التحقيقات اللاحقة أن الإصابات البشرية والحيوانية تركزت في نطاق ضيق يوافق اتجاه الرياح.
وفي قلب سفيردلوفسك، كان يقع مجمع عسكري شديد الحراسة يُعرف باسم "المجمع رقم 19". ورغم الشائعات المتزايدة، تمسكت السلطات السوفيتية لسنوات برواية اللحوم الملوثة.
استخدم المرض والخوف منه في الصراعات قبل قرون من اكتشاف الجراثيم - غيتي
استخدام المرض والسموم في الصراعات ليس ظاهرة حديثة. وتشير الروايات التاريخية إلى محاولات قديمة لتلويث المياه أو الأسلحة واستغلال الأمراض ضد الخصوم، قبل أن يعرف البشر شيئًا عن الجراثيم أو آليات انتقال العدوى.
من أشهر الروايات المرتبطة بهذا التاريخ ما جرى خلال حصار مدينة كافا على البحر الأسود عام 1346. إذ ذكر المؤرخ الإيطالي غابرييلي دي موسي أن قوات التتار قذفت جثث ضحايا الطاعون إلى داخل المدينة المحاصرة.
الرواية ليست محسومة في جميع تفاصيلها، إذ يُعتقد أن دي موسي اعتمد على شهادات غير مباشرة، لكن دراسة تاريخية منشورة في دورية "Emerging Infectious Diseases" اعتبرت وقوع الحادثة أمرًا معقولًا.
لكنّ المهم في قصة كافا أن المرض بدأ يظهر بوصفه أداة محتملة في الحرب، حتى في زمن لم يكن أحد يعرف فيه طبيعة البكتيريا أو طرق انتقال الطاعون.
أما السلاح البيولوجي بمعناه الحديث، فلم يصبح ممكنًا إلا مع تطور علم الجراثيم والقدرة على عزل مسببات الأمراض وزراعتها ودراستها.
في القرن التاسع عشر، كان مرض الجمرة الخبيثة يفتك بالمواشي والبشر في مناطق أوروبية عدة. وفي عام 1876، أثبت الطبيب الألماني روبرت كوخ أن بكتيريا محددة هي المسببة للمرض، ووصف قدرتها على تكوين أبواغ تساعدها على البقاء في البيئة في ظروف غير ملائمة.
قدّم عمل كوخ أحد الأدلة الأساسية على أن كائنًا مجهريًا محددًا يمكن أن يسبب مرضًا محددًا، وساعد في تأسيس علم الجراثيم الحديث.
مع تطور التقنيات المخبرية، أصبح بالإمكان عزل مسببات الأمراض وزراعتها وحفظها ودراسة خصائصها. كانت الغاية الأساسية علمية وطبية، لكن المعرفة نفسها حملت منذ البداية قابلية للاستخدام المزدوج: مكافحة المرض من جهة، واستغلال مسبباته عسكريًا من جهة أخرى.
خلال الحرب العالمية الأولى، بحثت ألمانيا في استخدام عوامل ممرضة لاستهداف حيوانات النقل والمواشي التي تعتمد عليها قوات خصومها. ومع الحرب العالمية الثانية، أصبحت البرامج أكثر تنظيمًا واتساعًا.
عام 1942، أجرت بريطانيا تجارب في جزيرة غرينارد الاسكتلندية باستخدام الجمرة الخبيثة، وأظهرت نفوق الأغنام التي تعرضت لها مدى خطورة العامل البيولوجي واستمراره في البيئة.
في آسيا، اتخذ البرنامج الياباني منحى أكثر وحشية. فقد نفذت "الوحدة 731" التابعة للجيش الياباني خلال احتلال أجزاء من الصين تجارب على أسرى ومدنيين باستخدام مسببات أمراض مختلفة، وأسفرت التجارب والعمليات المرتبطة بالبرنامج عن أعداد كبيرة من الضحايا.
دخلت الولايات المتحدة بدورها هذا السباق، وأنشأت خلال الحرب العالمية الثانية برنامجًا هجوميًا للأسلحة البيولوجية تمركز جزء مهم منه في فورت ديتريك بولاية ماريلاند.
مختبر تابع لمعهد الجيش الأميركي لأبحاث الأمراض المعدية في فورت ديتريك بولاية ماريلاند عام 2002 - غيتي
مع تقدم الحرب الباردة، تعزز الإدراك بخطورة الأسلحة البيولوجية وصعوبة التحكم بنتائج استخدامها.
في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 1969، أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون تخلي الولايات المتحدة عن استخدام الأسلحة البيولوجية الهجومية، وحصر الأبحاث العسكرية البيولوجية في الأغراض الدفاعية، مع بدء التخلص من المخزونات القائمة.
وفي 10 أبريل/ نيسان 1972، فُتحت للتوقيع اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية والبيولوجية والتكسينية وتدميرها، ودخلت حيز التنفيذ في 26 مارس/ آذار 1975. وكانت أول معاهدة متعددة الأطراف تحظر فئة كاملة من أسلحة الدمار الشامل.
لكن التوقيع على الاتفاقية لم ينه البرامج السرية. ففي عامي 1973 و1974، أنشأ الاتحاد السوفيتي وموّل شبكة "بيوبريبارات"، التي ظهرت رسميًا بوصفها منظومة للبحث والإنتاج البيولوجي المدني، فيما شاركت سرًا في برنامج واسع للأبحاث والتطوير المرتبط بالأسلحة البيولوجية.
بعد سنوات قليلة، ستكشف حادثة سفيردلوفسك جانبًا من ذلك البرنامج.
عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، بدأت الرواية الرسمية بشأن حادثة عام 1979 تتهاوى، وأقر الرئيس الروسي بوريس يلتسن بارتباط التفشي بنشاط عسكري بيولوجي.
جاء الدليل العلمي الأقوى عام 1994، عندما نشر فريق من الباحثين دراسة أعادت بناء مسار الإصابات. وجد الفريق أن معظم الضحايا كانوا يعيشون أو يعملون داخل نطاق ضيق يمتد من المنشأة العسكرية باتجاه جنوب المدينة، وأن نفوق الحيوانات وقع على امتداد المحور نفسه.
الأهم أن هذا المسار وافق اتجاه الرياح السائدة قبل بدء الإصابات. وخلص الباحثون إلى أن تسربًا جويًا للجمرة الخبيثة من المنشأة العسكرية كان سبب التفشي، لا اللحوم الملوثة كما أعلنت السلطات السوفيتية.
بعد أكثر من عقدين، عاد الخطر البيولوجي إلى واجهة الاهتمام في الولايات المتحدة، لكن هذه المرة خارج إطار حرب تقليدية.
ابتداءً من 18 سبتمبر/ أيلول 2001، بعد أسبوع من هجمات 11 سبتمبر، أُرسلت رسائل تحتوي على أبواغ الجمرة الخبيثة إلى مؤسسات إعلامية، ثم وصلت رسائل أخرى إلى عضوي مجلس الشيوخ توم داشل وباتريك ليهي.
كان روبرت ستيفنز، محرر الصور في صحيفة "صن" التابعة لشركة "أميركان ميديا" في فلوريدا، أول ضحية تتوفى في الهجمات، بعدما أصيب بالجمرة الخبيثة الاستنشاقية وتوفي في 5 أكتوبر/ تشرين الأول.
انتقلت آثار التلوث عبر مسار البريد إلى أماكن لم تكن مستهدفة مباشرة، وأصيب عاملون في البريد وغيرهم ممن تعاملوا مع الرسائل أو عملوا في مواقع مرت عبرها.
في نهاية التحقيق الوبائي، سجلت الولايات المتحدة 22 إصابة بالجمرة الخبيثة، نصفها إصابات استنشاقية والنصف الآخر جلدية، وتوفي خمسة من المصابين.
استمر التحقيق سنوات. وقال مكتب التحقيقات الفدرالي إن الأدلة قادته في النهاية إلى الباحث في الجيش الأميركي بروس إيفينز، الذي كان يعمل في فورت ديتريك. توفي إيفينز عام 2008 قبل توجيه الاتهامات إليه، وأغلق مكتب التحقيقات الفدرالي القضية رسميًا عام 2010 بعد أن خلص إلى أنه المسؤول عن الهجمات.
من برنامج عسكري إلى تحدٍ عالمي
كشفت حادثة سفيردلوفسك وهجمات 2001 جانبًا مختلفًا من الخطر البيولوجي. فهذا النوع من التهديد لا يحتاج إلى انفجار هائل أو جبهة عسكرية مفتوحة؛ وقد يتحول حادث محدود أو استخدام متعمد لمادة ممرضة إلى أزمة صحية وأمنية واسعة.
في الوقت نفسه، لا تعني خطورة الأسلحة البيولوجية أن الأبحاث البيولوجية أو المختبرات التي تتعامل مع مسببات الأمراض هي في ذاتها برامج تسلح. فجانب أساسي من هذه الأبحاث مخصص لفهم الأمراض وتطوير اللقاحات والعلاجات والاستعداد للأوبئة.
Loading ads...
المعضلة تكمن في ازدواجية الاستخدام. فالأدوات العلمية التي تساعد على تشخيص الأمراض ومكافحتها يمكن أن تثير مخاطر إذا أسيء استخدامها، وهو ما يجعل الرقابة والشفافية وتنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية عناصر أساسية في منع تحول المعرفة الطبية إلى أداة للحرب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ألمانيا توقف عراقيا بشبهة التخطيط لمهاجمة كنيسة
منذ دقيقة واحدة
0




