في كل زمن يتحرك فيه العالم بسرعة جارفة، يظهر أولئك الذين يقيمون في الأمس كما لو أنه وطن نهائي. يحملون أفكارهم القديمة كأنها آخر ما وصل إليه العقل، ويظنون أن الثبات على الفكرة فضيلة بحد ذاته، بينما الحياة من حولهم تقدم درسها اليومي في التحول، في النمو، في الانتقال من صورة إلى أخرى.
البذرة تبدأ صغيرة، مغلقة على سرّها، ثم تنشقّ عن غرسة، والغرسة تمتد في التراب والهواء حتى تصير نبتة. والقطرة تصعد بخاراً، تتجمع في غيمة، ثم تعود مطراً إلى الأرض. في هذه الدورة الهادئة والعميقة يظهر معنى التطور: كل شيء حيّ يتحرك، يتبدل، يراجع شكله، ويبحث عن صيغته التالية.
الأفكار أيضاً كائنات حيّة. تولد في زمن محدد، من حاجة محددة، ثم تواجه أزمنة أخرى وحاجات أخرى. وحين تُترك الفكرة في مكانها القديم، تتحول من أداة لفهم الحياة والتعامل معها إلى حاجز أمامها. تصبح مثل سدّ يقف في وجه نهر متدفق. والنهر حين يُحبس طويلاً يفيض أو يفسد أو يبحث عن مجرى آخر.
كل فكرة تفقد اتصالها بالأخلاق تتحول إلى قشرة صلبة. وكل تصلب في الرأي من الممكن أن يتحول إلى عنف نفسي أو لفظي..
العالقون في الأمس يتعاملون مع الفكرة كأنها أرض يجب الدفاع عنها، وهذا صحيح لأن الإنسان في الأزمنة الصعبة يحتاج أولاً إلى التثبيت في الأرض، إلى حماية وجوده، بيته، كرامته، وحقه في الحياة. أما التثبت في الفكرة فيصبح خطراً حين يتحول إلى عبء فوق كتف الإنسان، وحين يدفعه إلى خسارة الواقع باسم وفاء جامد لصورة قديمة عن الواقع.
التغيير هنا لا يشابه النزوة العابرة، أو الانسلاخ عن الجذور. التغيير هو اتساق أعمق مع الحياة. هو قدرة الإنسان على مراجعة أدواته كي يحفظ هدفه الأعلى. فالطريق وسيلة، والفكرة وسيلة، والسياسة وسيلة، واللغة وسيلة. أما الغاية الكبرى فهي أن يبقى الإنسان أخلاقياً، نبيلاً، حراً، قادراً على حماية المعنى الذي يعيش من أجله.
كل فكرة تفقد اتصالها بالأخلاق تتحول إلى قشرة صلبة. وكل تصلب في الرأي من الممكن أن يتحول إلى عنف نفسي أو لفظي.. كما أن كل طريق يبتعد عن الكرامة يتحول إلى متاهة. لذلك يصبح السؤال الحقيقي في أزمنة التحول.. أي فكرة تخدم الإنسان؟ أي طريق يحفظ كرامته؟ أي تغيير يجعله أكثر عدلاً، أكثر رحمة، أكثر قدرة على الوقوف في وجه الخراب؟
التطور لا يعني هدم الذاكرة. الذاكرة جذور، والجذور تمنح الشجرة قدرتها على الصعود. لكن الجذر الذي يرفض نمو الساق والأغصان يحبس الشجرة في الظلام. كذلك الماضي.. يمنحنا الخبرة والمعنى والعبرة، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى إقامة دائمة. الماضي مكان للتأمل، للحوار، لاستعادة الدروس، ثم للعبور.
الذين يصغون إلى حركة الحياة، يعرفون أن الوفاء الحقيقي للمبدأ يكون بتجديد وسائله، وأن الأخلاق العالية تحتاج إلى عقل حي، لا إلى شعارات محفوظة.
الذين علقوا في الأمس يخافون من الغد لأن الغد يطلب منهم جهداً جديداً. يطلب منهم أن يعيدوا النظر في عباراتهم المطمئنة، في أحكامهم المسبقة، في صورهم القديمة عن العالم. أما الذين يصغون إلى حركة الحياة، فيعرفون أن الوفاء الحقيقي للمبدأ يكون بتجديد وسائله، وأن الأخلاق العالية تحتاج إلى عقل حي، لا إلى شعارات محفوظة.
في الزمن الذي نعيشه، يصبح التطور ضرورة وجودية. الأرض تهتز تحت أقدام كثيرين، والخرائط تتبدل، والأفكار القديمة تُختبر في نار الوقائع. في مثل هذا الزمن، يحتاج الإنسان إلى شجاعة مزدوجة.. شجاعة البقاء متصلاً بجذره الأخلاقي، وشجاعة تغيير الطريق حين يصبح الطريق قديماً أو ضيقاً أو عاجزاً عن الوصول.
Loading ads...
العالقون في الأمس يظنون أن الزمن ينتظرهم. والحياة تمضي. البذرة تكبر، الغيمة تمطر، النهر يواصل جريانه، والإنسان الذي يريد أن يبقى جزءاً من الحياة عليه أن يقبل قانونها الأول: كل حيّ يتطور، وكل فكرة حية تجد شكلها الجديد، وكل مبدأ نبيل يثبت جوهره عبر قدرته على التجدد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

