ساعة واحدة
فرنسا تقبض على 8 آلاف متظاهر كانوا يريدون مكافحة الفئران
الخميس، 22 أكتوبر 2026

تشهد فرنسا منذ سبتمبر/أيلول حراكا طلابيا حاشدا يقوده طلاب المدارس الثانوية، يطالب على وجه الخصوص بتحسين ظروف العمل المدرسي والدراسة داخل المؤسسات التعليمية، في ظل تردي مرافقها وانتشار الجرذان والصراصير، وغياب الأساتذة، وتداعي المباني التي تفتقر إلى مياه الشرب، فضلا عن برودتها شتاء وحاجتها للتهوية صيفا، إضافة لتصدّع الأسقف ووشوكها على السقوط.
ثم امتدت هذه الحركة الاحتجاجية لاحقا لتشمل أساتذة الجامعات وطلابها، وتميزت بإغلاق المؤسسات التعليمية وتعطيلها، تلتها تجمعات ومظاهرات في الشوارع.
ورغم أن الحكومة لم تستجب لأي مطلب والتزمت الصمت، إلا أنها سرعان ما لجأت إلى خطاب شديد الحدة، داعية إلى رد قضائي "سريع وحازم" وفقا لتصريح وزير العدل جيرالد دارمانان، واعتبرت هذه المظاهرات شكلا من أشكال "عنف الضواحي".
بل إن رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون أبدى أسفه لكون حركة طلاب وطالبات الثانويات لم تسلم من أن تُستغل "سياسيا" وتتحول إلى "عنف في الضواحي".
رغم انقضاء أكثر من شهر على انطلاق هذه الحركة، لم يصدر أي إعلان رسمي عن الحكومة، ولم يُستمع فعليا لأي مطلب من مطالب هؤلاء الشباب. ولن تنطفئ شعلة هذه الحركة الاحتجاجية ما لم يقبل رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية أخيرا بكسر حاجز الصمت، والكف عن مواجهة الشباب بقوات الشرطة وحدها
ولا تأتي هذه المصطلحات من قبيل الصدفة بتاتا؛ إذ صاغتها أجهزة الاستخبارات في أواخر تسعينيات القرن الماضي تزامنا مع تصاعد وتيرة الانتفاضات والتمرد في الأحياء الشعبية، وكانت هذه الأخيرة تهدف من بين أمور أخرى إلى التنديد بعنف الشرطة، وقد اتخذت هذه الاحتجاجات صورا عديدة منها الاعتداء على قوات حفظ الأمن وكذلك الممتلكات.
ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق هذه المصطلحات على مظاهرات طلاب المدارس الثانوية، وتكراره بإلحاح في الخطاب الحكومي، إلى جانب استخدام مصطلح "المخربين"، يهدف إلى تجريد هذه الاحتجاجات من طابعها السياسي، واختزالها في أعمال عنف لا تحمل أي دلالات سياسية، أو تصويرها بوصفها مجرد أفعال مخالفة للقانون تصل إلى حد الجرائم.
ويخدم هذا التجريد من الطابع السياسي أهدافا سياسية بامتياز نجدها تقليديا في إطار قمع الاحتجاجات والحركات الاجتماعية، والمتمثلة في: نزع الشرعية عن القضية، وتشويه المشاركين والمشاركات فيها، وصرف الداعمين المحتملين عنها، وصولا إلى تبرير قمعها باستخدام العنف المفرط.
وهكذا يمهد نزع الطابع السياسي لتجريم مباشر؛ إذ يستدعي "عنف الضواحي" نمطا قمعيا نموذجيا يترجم عبر تصاعد التوقيفات والاحتجاز تحت الحراسة النظرية والمحاكمات.
كما يقترن كذلك بحشد سرايا متخصصة في حفظ الأمن (في فرنسا ولا سيما "سرايا الأمن الداخلي")، وباستخدام أسلحة "أقل فتكا" تتسبب في إصابات جسيمة وعاهات مستديمة؛ ومثال ذلك "قاذفات كرات الدفاع" أو القنابل الصوتية المدوية، وهي أسلحة تنفرد فرنسا باستخدامها دونا عن سائر دول أوروبا.
وبوجه عام، فبينما تحث بقية الدول الأوروبية على "خفض التصعيد" في مجال حفظ الأمن، تنفرد فرنسا على العكس من ذلك بنهج أمني صارم ذي طابع عسكري يوسع الملاحقات القضائية، من خلال تكثيف الاعتقالات وإحالة أكبر عدد ممكن من المحتجين إلى القضاء.
يبدو قمع الشباب انطلاقا من ذلك في فرنسا مذهلا وغير مسبوق في حجمه. فبعد أقل من شهر على انطلاق الحراك، الذي اتسم بطابع سلمي في جوهره، قُبض على ما يقرب من 8 آلاف شخص ووضعوا تحت الحراسة النظرية (من القاصرين دون سن 18 عاما في أغلبيتهم الساحقة)، وهو رقم نادرا ما سُجل في مثل هذا الظرف الوجيز.
وتجدر الإشارة إلى أن تدبير الحراسة النظرية استهدف منذ البداية بث الخوف بل وترهيب الفئات الأصغر سنا لإجبارهم على التوقف عن التظاهر، وتؤكد شهادات طلاب وطالبات الثانوية حجم العنف النفسي والجسدي الذي يُلحقه هذا الاحتجاز بهم. ويُضاف إلى هذه التوقيفات والاقتياد إلى مراكز الشرطة كم هائل من ممارسات عنف الشرطة التي لحقت بالقاصرين؛ إذ فقد مراهقان إحدى عينيهما جراء طلقات "قاذفات كرات الدفاع"، وبُترت يد مراهقَين آخرَين بسبب القنابل التي أطلقتها الشرطة.
هذا ناهيك عن الضرب بالهراوات، وحصار الحشود، وتوجيه الإهانات، والإطلاق المتواصل للغازات المسيلة للدموع على حشود المحتجين. كما فارق أحد المتظاهرين الحياة، بسبب وعكة صحية على الأرجح، أثناء مظاهرات 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ولا يزال التحقيق جاريا لتحديد الأسباب الدقيقة لوفاته.
بينما تحث بقية الدول الأوروبية على "خفض التصعيد" في مجال حفظ الأمن، تنفرد فرنسا على العكس من ذلك بنهج أمني صارم ذي طابع عسكري يوسع الملاحقات القضائية، من خلال تكثيف الاعتقالات وإحالة أكبر عدد ممكن من المحتجين إلى القضاء
فما الذي يحدثه مثل هذا القمع في نفوس الشباب وفي صفوف داعمي هذه الحركة ومؤيديها؟
تُظهر الدراسات الاجتماعية أن هذه الممارسات تؤدي على المدى الطويل إلى نشوء ضغينة بل وكراهية تجاه الشرطة، أو على الأقل تقوض الثقة في عناصرها، ما ينذر بتدهور صورتها على نحو يصعب إصلاحه.
بيد أن عنف الشرطة يحدث كذلك آثارا بالغة القوة على المدى القريب؛ إذ يدفع الشباب نحو الراديكالية، ويعزز انخراطهم، ويشدهم بقوة إلى مسار الحركة الاحتجاجية. وفضلا عن ذلك، يعزز هذا القمع نضالهم بقضية جديدة تضاف إلى القضية الأولى؛ ألا وهي مكافحة عنف الشرطة، الأمر الذي يضاعف أعداد المشاركين في المظاهرات عبر انضمام أشخاص "متضامنين" يرغبون في مؤازرة من طالهم القمع.
ولهذا لم يكن مصادفة أن تشهد البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع المنصرمة، في 17 أكتوبر/تشرين الأول، واحدة من أعنف المظاهرات في السنوات الأخيرة، وذلك في ظل الصمت الحكومي المستمر واعتبار المتظاهرين فئة خارجة عن القانون.
وقد جمعت هذه المظاهرة، وفقا للتقديرات والمصادر المختلفة، ما بين 500 ألف و800 ألف شخص؛ إذ جمعت متظاهرين سلميين، وأفرادا من أقصى اليسار جاؤوا لمواجهة الشرطة مباشرة، وأشخاصا سعوا إلى الاستيلاء على الممتلكات. وأسفرت الأحداث عن إصابة أكثر من 150 شرطيا ودركيا في كافة أنحاء فرنسا، واستهداف مبانٍ عامة وإحراقها (من مقرات بلديات ومراكز شرطة ومقرات محافظات)، فضلا عن اعتقال 1200 متظاهر، ونهب مئات المتاجر.
وفي المقابل شددت السلطات إجراءاتها القمعية؛ فتصاعد القمع القضائي بفرض أحكام قاسية ضمن إطار قضاء موجز وسريع، وفُرض حظر التجوال مساء في مدن فرنسية متعددة، واستُدعي الجيش لتسيير دوريات في أيام التظاهر، فضلا عن استخدام برمجيات توصف بأنها معدة "للتنبؤ بأعمال الشغب"، وغير ذلك من الإجراءات.
يتجلى للمتابع- إذن- مشهد يعيد إنتاج حلقة مفرغة من "المظاهرات -القمع- المظاهرات" لا يمكن إلا أن تفضي إلى مزيد من العنف والوقائع المأساوية.
ورغم انقضاء أكثر من شهر على انطلاق هذه الحركة، لم يصدر أي إعلان رسمي عن الحكومة، ولم يُستمع فعليا لأي مطلب من مطالب هؤلاء الشباب. ولن تنطفئ شعلة هذه الحركة الاحتجاجية ما لم يقبل رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية أخيرا بكسر حاجز الصمت، والكف عن مواجهة الشباب بقوات الشرطة وحدها.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




