32 دقائق
من دير البلح إلى النصيرات: الريشة والوتر يرممان ما أفسدته الحرب في وجدان الأطفال
الأحد، 27 سبتمبر 2026

قطاع غزة – تجلس مريم أمام ورقة بيضاء، تمسك بقلمها وتبدأ برسم الخطوط الأولى. تتنقل عينها بتركيز بين تفاصيل لوحتها بينما تتحرك يدها بهدوء.
وفي ظل واقع فرضت فيه حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية قسوتها على تفاصيل الحياة اليومية في غزة، تحاول مريم (16 عاماً) خلق بيئة مختلفة لنفسها، ولو لساعات معدودة. تمنحها الورقة والقلم فرصة للابتعاد عن ضجيج المشهد المحيط بها، والعودة إلى شيء تحبه وتتقنه.
تدمّر منزل عائلة مريم جراء القصف في يناير/كانون الثاني 2024، وهي تعيش الآن في منزل جدتها بدير البلح. فقدت مريم أصدقاء ومقربين، من بينهم عمها، جراء الهجمات الإسرائيلية خلال الحرب؛ وهي هجمات أودت بحياة أكثر من 73 ألف فلسطيني منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
أصبحت المساحة الفنية التي ترسم فيها والمقامة داخل مقهى على شاطئ البحر في دير البلح مساحة آمنة وملاذاً لها.
تقول مريم: "ساعدتني هذه المساحة على العودة إلى نفسي وإعادة اكتشاف شغفي بالرسم".
وبالنسبة لمريم، يتجاوز الرسم كونه مجرد هواية؛ فهو وسيلة لترجمة مشاعرها على الورق، خاصة تلك التي يعسر التعبير عنها بالكلمات. تضيف: "أشعر براحة نفسية كبيرة، وكأنني أحرر مشاعري على الورق بدلاً من إبقائها سجينة داخلي. كل لوحة تجعلني أشعر أنني نجحت في وصف جزء مما أحس به ونقله للناس بطريقتي الخاصة، حتى تلك الأشياء التي أعجز أحياناً عن الحديث عنها".
تمارس مريم الرسم منذ طفولتها، لكنها بدأت ترتاد هذه المساحة الفنية في أبريل/نيسان الماضي، عقب تأسيسها مباشرة. وتوضح أن كل لوحة تنجزها تمنحها شعوراً بالإنجاز، وتفتح لها نافذة للأمل وسط الأيام الثقيلة.
تقول: "جعلني هذا المكان أستيقظ كل يوم بشغف جديد، وأصبح الرسم جزءاً من يومي. في كل يوم أنهي فيه لوحة جديدة، يغرس ذلك أملاً جديداً في داخلي. لولا الرسم لاستسلمت للإحباط والظروف القاسية التي مررت بها، لكنني استطعت الوقوف على قدميّ مجدداً وتعلّم شيء جديد كل يوم".
مساعدة الشباب والأطفال من أمثال مريم، هي السبب الذي دفع عبد الله الغافري (35 عاماً) إلى تأسيس هذه المساحة الفنية، والدافع الذي يجعله يجتهد للإبقاء على أبوابها مفتوحة، رغم تكاليف الإيجار الباهظة التي تضطره للبحث المستمر عن رعاة.
يقول الغافري: "ولدت الفكرة من رحم الحاجة والواقع الصعب. فمع تدمير وقصف معظم المراكز التعليمية والثقافية في غزة، لم نعد نجد مكاناً يستوعب مواهب الشباب والأطفال". ويضيف: "الهدف الرئيسي هو انتشال المشاركين من أجواء الحرب والدمار، وتوفير مساحة يستطيعون من خلالها استعادة توازنهم النفسي، وبناء طاقة إيجابية تعينهم على الاستمرار".
ترى الأخصائية النفسية أسيل أبو شاويش أن الفن يمنح الأطفال والمراهقين مساحة حيوية للتعبير عن أنفسهم في أوقات الصدمات الكبرى. وتوضح قائلة: "عندما يرسم الطفل أو يغني أو يعزف على آلة موسيقية، فإنه يقوم بشكل أو بآخر بفك العقد النفسية والمشاعر الثقيلة التي تراكمت في داخله".
وتبين أبو شاويش أن وجود مساحة آمنة تمكّن الأطفال من ممارسة الأنشطة الفنية يمنحهم شعوراً بالاستقرار وسط الظروف المتغيرة باستمرار. مضيفة: "عندما يدخل الطفل مساحة آمنة ويعلم أن لديه وقتاً مخصصاً للرسم أو الموسيقى، يساعده ذلك على الشعور بأنه لا يزال قادراً على التحكم بجزء من حياته وتشكيله، وهذا الشعور بالغ الأهمية من الناحية النفسية لتعزيز ثقته بنفسه".
ومع استمرار الحرب على الرغم من الإعلان الرسمي عن "وقف إطلاق النار" في أكتوبر/تشرين الأول يتعرض الأطفال لمستويات عالية من الخوف والضغط النفسي والفقدان. ولذلك تعتقد أبو شاويش أن الأنشطة الفنية تتيح لهم فرصة للتعامل مع هذه المشاعر بطريقة آمنة.
تتابع: "لا يعد الفن علاجاً سحرياً لكافة الآثار النفسية التي تخلفها الحرب، لكنه يمثل وسيلة بالغة الأهمية للتوازن النفسي، خاصة عندما يكون النشاط مناسباً لعمر الطفل ويجري تحت إشراف متخصصين قادرين على تقديم الدعم له".
وتلفت الأخصائية إلى إمكانية ملاحظة أثر هذه الأنشطة من خلال تفاعل الأطفال مع بعضهم البعض وقدرتهم على الانخراط في النشاط: "نلاحظ أحياناً أن الطفل الهادئ أو المنطوي يبدأ في التفاعل مع المجموعات من خلال الرسم أو الموسيقى؛ فالنشاط بحد ذاته يصبح نقطة انطلاق لفتح حوار أو بناء شعور بالأمان".
وتشير إلى أن بعض الأطفال يجدون في الفن لغة أبلغ من الكلمات: "ليس بمقدور كل طفل أن يقول بوضوح: ‘أنا خائف’، أو ‘أنا حزين’، أو ‘لقد فقدت أحداً’؛ بل قد يرسم هذا الشعور، أو يختار أغنية تعبر عنه، أو يترجم عواطفه عبر العزف. ومن ثمّ يتحول الفن إلى أداة لتمكين الطفل من استيعاب واقعه، لا سيما عندما يصبح هذا النشاط جزءاً من يومه".
وفي مخيم النصيرات، وبمقر جمعية رعاية الطالب الفلسطيني، ينسق جبر ثابت الأنشطة بالتعاون مع "معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى"، حيث يجتمع الأطفال حول آلاتهم الموسيقية ويتعلمون الغناء والعزف.
يقول ثابت، وهو منسق المشاريع والمواقع في فرع المعهد بغزة: "نحاول إيصال الموسيقى إلى الأطفال أينما كانوا، حتى لو تغير المكان وتضررت المراكز. نحن لا نكتفي بتعليمهم الموسيقى، بل نحاول أن نمنحهم مساحة يعيشون فيها لحظة طبيعية، ويشعرون بالفرح، ويلتقون بأطفال آخرين يشاركونهم التجربة ذاتها".
وكان مقر المعهد في مدينة غزة قد تعرض لأضرار بالغة خلال الحرب، ما دفع أساتذته إلى الإصرار على مواصلة أنشطتهم في مناطق النزوح، بما في ذلك النصيرات ودير البلح ومدينة غزة نفسها.
وخلال الجلسات، يراقب ثابت تفاعل الأطفال مع الموسيقى منذ لحظة وصولهم وحتى نهاية التدريب، ويقول: "أكثر ما يلفت انتباهي هو حماسهم؛ يحضر الطفل إلى الجلسة وهو ينتظر تعلم شيء جديد، ويغادر وهو يتوق للعودة مجدداً".
ويضيف: "تتيح الموسيقى للطفل إخراج ما بداخله بطريقة مختلفة؛ قد لا يستطيع الطفل الكلام، لكنه يستطيع الغناء أو العزف، ليثبت حضوره".
Loading ads...
ويختتم ثابت قائلاً: "بالنسبة لنا، الفن شكل من أشكال الصمود. عندما يتمكن الطفل من الغناء والعزف وإبداع شيء جميل وسط كل هذا الدمار، فهو بطريقة ما يحافظ على جزء من ذاته ومن حياته".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




