2 ساعات
ربطة الخبز تفقد رغيفين جديدين خلال شهرين.. رحلة تآكل الدعم الغذائي في سوريا؟
الإثنين، 15 يونيو 2026
أعادت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية فتح ملف الخبز من جديد، لكن هذه المرة عبر تقليص عدد الأرغفة في ربطة الخبز التمويني من عشرة إلى ثمانية، مع تثبيت السعر عند 4000 ليرة سورية جديدة للربطة الواحدة، وتحديد وزنها عند 1000 غرام، على أن يبدأ تطبيق القرار في 20 حزيران/يونيو الجاري، وفق تعميم أصدرته الوزارة إلى مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في جميع المحافظات السورية.
ويأتي هذا التعديل الذي يؤثر بشكل مباشر على معيشة ملايين السوريين بعد نحو شهر فقط من قرار سابق خفض عدد الأرغفة إلى عشرة ووزن الربطة إلى 1050 غراماً، ما يعني أن السوريين يواجهون للمرة الثانية خلال فترة وجيزة تقليصاً جديداً في السلعة الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية من دون أي تغيير في السعر الاسمي.
هكذا، تواصل سلسلة التعديلات التي بدأت مع سقوط النظام السابق، حيث ألغت الحكومة الجديدة ربط الخبز بالبطاقة الذكية، فقفز وزن الربطة إلى ألف وخمسمئة غرام بواقع اثنى عشر رغيفاً، وارتفع سعرها من أربعمئة ليرة قديمة إلى أربعة آلاف ليرة جديدة.
ثم توالت التخفيضات، ففي شباط 2025، خفضت وزارة التجارة الداخلية الوزن إلى ألف ومئتي غرام، وفي تشرين الأول من العام نفسه، أعلنت المؤسسة السورية للمخابز، تقليص عدد الأرغفة إلى عشرة، مبررة ذلك بـ”تحسين الجودة والطراوة”، مع تثبيت الوزن والسعر.
وهكذا، وخلال ستة عشر شهراً فقط، تراجع وزن ربطة الخبز من ألف وخمسمئة غرام إلى ألف غرام، بينما ظل سعرها ثابتاً عند أربعة آلاف ليرة، في تقليص تدريجي للدعم العيني المقدم للمواطنين.
في هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي جورج خزام أن التعديلات المتتالية التي طرأت على ربطة الخبز التمويني خلال الأشهر الأخيرة تعكس، من وجهة نظر اقتصادية، محاولات لإعادة ضبط كلفة الإنتاج والتوزيع أكثر من كونها إجراءات مرتبطة بتحسين جودة المنتج أو الحفاظ على الدعم بالشكل التقليدي، مشيراً إلى أن القرارات الأخيرة أدت إلى تغيرات جوهرية في معادلة الكلفة بين الوزارة والمخابز والمستهلكين.
وأوضح خزام في منشور له عبر منصة “فيسبوك” أن قرار تخفيض وزن ربطة الخبز سابقاً من 1200 غرام إلى 1050 غراماً مع الإبقاء على عدد الأرغفة عند عشرة أرغفة أدى، وفق تقديراته، إلى زيادة النفقات التشغيلية للمخابز، ولا سيما ما يتعلق باستهلاك المازوت وأكياس التعبئة، باعتبار أن إنتاج أرغفة أصغر حجماً يتطلب عملياً تشغيل خطوط الإنتاج والطاقة والعمالة بالوتيرة نفسها تقريباً، في حين تتراجع الكمية النهائية المنتجة في كل ربطة.
وأضاف أن معالجة هذه الفجوة كان يمكن أن تتم، من وجهة نظر اقتصادية، عبر تعديل السعر بشكل محدود بدلاً من اللجوء إلى تخفيضات متتالية في الأوزان والكميات.
وأشار إلى أن قرار خفض وزن الربطة لاحقاً إلى 1000 غرام جاء، برأيه، في إطار محاولة تعويض جزء من الأعباء الإضافية التي ترتبت على المخابز بعد التعديل الأول، إلا أن القرار الجديد القاضي بتقليص عدد الأرغفة من عشرة إلى ثمانية مع الإبقاء على وزن الربطة عند ألف غرام سيؤدي إلى زيادة وزن الرغيف الواحد، ما يحد من الهدر المرتبط باستهلاك الوقود أثناء عملية الإنتاج مقارنة بالفترة السابقة التي شهدت إنتاج أرغفة أصغر حجماً.
يرى خزام أن هذه التعديلات المتراكمة ستنعكس مالياً على منظومة الخبز من خلال رفع العائدات الفعلية المتحققة من بيع الكميات نفسها تقريباً، في وقت تزداد فيه كلفة التعبئة والتغليف بالنسبة للمخابز نتيجة انخفاض الوزن الإجمالي للربطة مقارنة بالمستويات السابقة.
ولفت إلى أن استمرار الضغوط التشغيلية على الأفران قد يدفع بعض الجهات إلى البحث عن وسائل لتعويض خسائرها، سواء عبر تخفيض الأوزان الفعلية، أو زيادة نسبة الرطوبة في الخبز، أو من خلال ممارسات غير نظامية تتعلق بالمواد المدعومة، وهو ما يتطلب، بحسب رأيه، تشديد الرقابة الفنية والتموينية على مراحل الإنتاج والتوزيع.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه سوريا أزمة غذائية غير مسبوقة، يزداد تعقيداً مع توقف برامج المساعدات الدولية، ففي الثالث عشر من أيار الماضي، أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة توقف برنامج دعم الخبز الوطني، الذي كان يقدم الدعم لملايين السوريين يومياً، وذلك بسبب نقص حاد في التمويل.
وكان البرنامج يدعم أكثر من ثلاثمئة مخبز عبر تزويدها بدقيق القمح المدعم، مما أتاح إيصال الخبز المدعوم إلى نحو أربعة ملايين شخص يومياً في المناطق الأكثر هشاشة.
في خطوة أكثر إيلاماً، اضطر البرنامج إلى خفض مساعداته الغذائية الطارئة بنسبة خمسين بالمئة، ليتقلص عدد المستفيدين من مليون وثلاثمئة ألف شخص إلى ستمئة وخمسين ألفاً فقط، كما تقلصت تغطيته الجغرافية من أربع عشرة محافظة إلى سبع فقط.
ووفقاً لأحدث بيانات برنامج الأغذية العالمي، لا يزال تسعة ملايين ومئة ألف شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، من بينهم مليون وستمئة ألف شخص يواجهون ظروفاً قاسية للغاية.
كما تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وأن واحداً من كل أربعة عاطل عن العمل، في حصيلة تشير إلى أن نحو تسعين بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.
Loading ads...
وفي هذا السياق، يُعتبر الخبز، بالنسبة لغالبية السوريين الذين يعانون أصلاً من صعوبة تلبية احتياجاتهم الغذائية اليومية، خط الدفاع الأخير في مواجهة الجوع، ومع كل تخفيض في وزن الربطة أو عدد الأرغفة، ومع توقف المساعدات الدولية، تتقلص تدريجياً مساحة الأمان الوحيدة المتبقية لملايين العائلات السورية، التي أصبحت تجد نفسها عاجزة يوماً بعد يوم عن تأمين أبسط مقومات الحياة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

