2 أيام
هرمز والمندب وخط "شرق-غرب" خارج السيطرة... أين أخطأت السعودية؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

لا يمكن أن نصف اليوم السبت 12 أيلول/ سبتمبر 2026، باليوم المشرق في الاقتصاد العالمي. فمع إغلاقات مضيق هرمز المتتالية، وسيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، وضرب الفصائل الموالية لإيران في العراق خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي، يكون الخليج قد توقف عن تصدير النفط للعالم.
تأثير أزمة من هذا النوع يقاس بالساعات وليس بالأيام والأسابيع، بالتحديد مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع أسعار المحروقات. والسعودية التي تقع في قلب هذه الأزمة، باتت تواجه أسوأ كوابيسها الاقتصادية بحبس نفطها في داخلها، والذي سيتحوّل إلى كابوس عالمي في حال لم تُحلّ الأزمة فوراً.
الفقراء سيسمعون جملاً من نوع "ارتفاع سعر المحروقات"، "رفع الدعم"، "غلاء غير متوقع"، كترجمة للجمل التي لا يسمعونها في حياتهم اليومية، مثل ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وعجز المسارات البرية الالتفافية، والفجوة في المعروض العالمي، وزيادة معدلات التضخم.
وبِرغم أنّ التداولات الرسمية تتوقف في معظم البورصات في عطلة نهاية الأسبوع، إلا أنّ مؤشرات الأسواق العالمية في نهاية هذه الجمعة، أعطت ما يكفي من التحذيرات المصاحبة لتعطيل 3 مسارات تصدير طاقة في العالم في يوم واحد، وصفها اقتصاديون بـ"المخيفة"، مع قفزات حادّة في سعر النفط حتى وصل تداول خام برنت إلى ما بين 104 و105 دولارات للبرميل.
بينما انشغل الإعلام بأهمية باب المندب، انشغلت الفصائل العراقية الموالية لإيران بتعطيل آخر خيارات المملكة في التصدير عبر ضرب خط أنابيب "شرق-غرب" بالمسيّرات، ليصدر فوراً بيان مكتب رئيس الوزراء العراقي وفيه أنّ علي الزيدي بصفته القائد العام للقوات المسلحة وليس رئيس الحكومة، وجّه بتشكيل مجلس تحقيقي، وأصدر أمراً بإعفاء قائد عمليات ميسان الفريق الركن جليل الشريفي من منصبه بعدما أثبتت التحقيقات انطلاق المسيّرات من داخل محافظته.
الزيدي الذي لا يزال يحاول خلق توازن داخل بلده بين السطوة الإيرانية وتأثيرها على السيادة والمصلحة الوطنية العراقيتين، لم ينسَ كذلك أن يشكر السعودية على عدم الرد، بعد أن أعلنت الرياض أنّها "آثرت عدم الرد في هذه المرحلة" استجابةً لطلب الزيدي نفسه، و"لإتاحة الفرصة أمام بغداد لمنع الاعتداءات المنطلقة من أراضيها".
وعليه، يمكن تلخيص المعضلة التي طرأت بين الأمس واليوم في المفارقة التالية:
كان هرمز هو المنفذ، فأصبح "شرق-غرب" هو البديل له، والآن دخل البديل نفسه دائرة النار، بينما يزداد الخطر عند باب المندب.
لذا، لم يعُد يصحّ أن نقول بأنّ الأزمة مجرد انقطاع مؤقت في شحنات خام النفط يمكن احتواؤه عبر السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية، فقد تحولت في ليلة واحدة إلى اضطراب بنيوي سيضطر العالم إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد والتجارة الدولية من جذورها، ولا سيّما بعد تراجع إمدادات الخام السعودي إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاثة عقود، بحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية.
ليست السعودية بحاجة إلى تدويل أزمتها، فهي أزمة دولية كبرى بالفعل؛ أوروبا ستعاني مع اقتراب الشتاء في حال لم تُحلّ الأزمة، ومصر ستدفع الثمن كون من يسيطر على باب المندب يتحكم بالتدفقات إلى قناة السويس.
لكن ما تأكّد هذه المرة هو أنّ ترامب قادر على خذلان حلفائه في الخليج في كل مرة، بعد أن تأكدت التسريبات التي تقول بأنه رفض طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إليه ضرب الحوثيين قبيل وقوع الكارثة. واكتفت واشنطن بمدّ الرياض بمعلومات استخباراتية.
لذا، فأيّ إعادة ترتيب للعالم ستشمل بالضرورة إعادة ترتيب للعلاقات الخليجية مع الحليف الأمريكي والتي عُدّت حتى وقت قريب من الثوابت الدولية، بعد أن تسببت هذه الثنائية في خسائر كبرى لدول مجلس التعاون، وعلى رأسها السعودية.
وسط هذه الخسارات المركبة التي تعانيها الرياض، باتت في حاجة إلى إعادة تقييم ورسم خريطة المخاطر بشكل غير مسبوق، فهناك انخفاض حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز بنسبة 97% أوّلاً، وسيطرة الحوثيين الموالين لطهران على مضيق باب المندب، مستكملين نفوذهم على الامتداد الساحلي الغربي لليمن ثانياً، وثالثاً ما حدث بالأمس من إيقاف لخط "شرق-غرب" واستهداف محطات ضخّ في منطقتَي الرياض والمدينة المنورة.
يمتدّ هذا الخط لمسافة 1،201 كيلومتر على عرض المملكة، بدءاً من حقول بقيق في المنطقة الشرقية وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وقد شُيّد في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية-الإيرانية كمسار إستراتيجي بديل لتصدير النفط بعيداً عن الخليج ومضيق هرمز.
تعطيل هذا الخط بالتزامن مع تهديد باب المندب يضع مسارَي التصدير السعودي الرئيسيَّين تحت النار في وقت واحد. وبحسب تحليل لـ"إنفيستينغ"، فإنّ هذه الأزمة لا تترك للأسواق إلا بدائل التفافية بريّة محدودة للغاية وقاصرة عن التعويض. فبينما تواجه السعودية أزمة تصدير، يواجه العالم كله أزمة استيراد.
لفهم حجم الاحتباس النفطي الذي سبّبه ضرب الفصائل العراقية لهذا الخط، علينا أن نقارن بينه وبين أشباهه. تقول شركة كبلر للتحليلات السوقية إنّ القدرة التشغيلية لخط أنابيب "حبشان-الفجيرة" الإماراتي تتراوح بين 1.5 و1.82 مليون برميل يومياً، بينما لا تتعدى القدرة التشغيلية الفعلية لخطّ "كركوك-جيهان" العراقي الشمالي 200 إلى 250 ألف برميل يومياً، بحسب مركز البيان للدراسات والتخطيط.
وتبلغ الطاقة التصميمية القصوى لخط "شرق-غرب" نحو 7 ملايين برميل يومياً، وهو المستوى الذي وصل إليه بالفعل في آذار/ مارس 2026، عبر تحويل خطوط سوائل الغاز الطبيعي لنقل الخام بحسب "بوليسي سنتر"، أي ما يعادل نحو 4% إلى 5% من إجمالي الإمدادات النفطية العالمية. ما سبق يعني أنّ تجديده مكّن السعودية بالفعل من الالتفاف على معضلة هرمز.
لكن هذا الالتفاف لا يقارَن بمتوسط حجم التدفقات العادية عبر هرمز، البالغة نحو 20 مليون برميل يومياً، بحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
هذه الصدمة لن تتوقف عند حدود قفزة أسعار خام برنت لتتجاوز 100 إلى 119 دولاراً للبرميل، بل ستنتقل سريعاً إلى سلاسل التوريد. وفقاً لتقرير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، ارتفعت أسعار التأمين ضد مخاطر الحرب البحرية وتكاليف الشحن بشكل حادّ، بالتزامن مع توقّف صادرات الغاز والمنتجات البتروكيميائية من الخليج، والتي تغذّي عملية "هابر-بوش" لصناعة الأسمدة النيتروجينية.
وبما أنّ الخليج يستحوذ على نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية التي تمرّ عبر مضيق هرمز، مثل اليوريا والأمونيا والكبريت، فإنّ تعطيل هذه الإمدادات سابقاً، تسبب في قفزات في أسعار اليوريا المستوردة بنسبة 33%، مما رفع تكلفة الإنتاج الزراعي عالمياً ودفع أسعار السلع الغذائية الأساسية للارتفاع الحاد، وهو ما يُتوقّع أن يتكرر الآن في حال أُغلق مضيق باب المندب، أو على الأقل بدأ الحوثيون بالتضييق على حركة الملاحة فيه.
هذا السيناريو هو ما حذّرت منظمة الأغذية والزراعة، التي نبّهت إلى أنّ نحو 20% إلى 45% من المدخلات الزراعية العالمية تعتمد على المرور عبر هرمز، مما تسبب في قفزات في سعر الغذاء بلغت 40% إلى 120% في الأسواق المستوردة.
وفي دراسة قياسية حديثة صدرت عن معهد كيل للاقتصاد العالمي تُظهر نوع الخوف الذي يعيشه الاقتصاديون اليوم من حدوث سيناريوهات غير سارة تخص خروج أهم الممرات المائية والبحرية عن السيطرة الدولية، فبالأرقام يقع عبء الصدمة بشكل غير متكافئ على الدول النامية المستوردة للطاقة والأسمدة. وبحسب المصدر نفسه، فإنّ خسارة رفاه المستهلك في الولايات المتحدة تقتصر على -0.07% فقط، بينما تتضاعف هذه الخسائر في دول جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء بمقدار 10 إلى 20 ضعفاً.
يبقى السؤال الأهم: أين أخطأت السعودية؟ وهل كان بإمكانها أن تتفادى الأزمة الحالية وتجنّب العالم التعامل معها؟
يمكن توجيه تهمة اتباع سياسات السلم في وقت الحرب إلى الرياض، والتركيز على الدفاع مقابل التقليل من الهجوم. فبرغم توقيعها اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان، ورعايتها "حلف مكة" الذي يضمّ الرياض وإسلام أباد وأنقرة وربما مصر والأردن لاحقاً، إلا أنّ هذه الاتفاقيات لم تُترجم بعد على أرض الواقع بشكل جاد، ولم تثمر أيّ ضربات خارجية سعودية تشكّل ضغطاً على إيران.
وهذا ليس مشكلة كبرى، إذ تعتبر كثير من الدول أن هذا النوع من التفاهمات هو الحل الأخير وليس الأول أو حتى الثاني، فـ "الصبر" قد يكون سياسة بحدّ ذاته، تترجم برفض الانجرار إلى الحرب، وفي الحالة السعودية بالذات هنالك هم الحفاظ على مكتسبات التنمية التي بنتها مملكة حديثة في آخر نصف قرن، ومحاولة تجنيب المدنيين ردود فعل غير معروفة، ليس فقط من دول، وإنما من فصائل لا يمكن إلزامها بأي اتفاقيات تخضع للقانون الدولي.
الخطأ الأكبر في الحسابات لم يعُد سرّاً؛ الرهان على المظلّة الأمنية الأمريكية المباشرة، والذي لم يكن بالقوة المأمولة. بعد أن أظهرت الأزمات المتتالية أنّ واشنطن تتجنّب الانخراط العسكري المباشر لحماية المنشآت السعودية، سواء مع إيران أو الفصائل الموالية لها في العراق، أو مع الحوثيين.
خطأ آخر أظهرته الهجمات الداخلية على المملكة، وهو وجود خلل بنيوي في تصدي الدفاعات الجوية للتهديدات غير المتماثلة كالطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز منخفضة الارتفاع القادمة عبر حدود شاسعة، مما تسبب في إلحاق أضرار بمحطات الضخ وتوقّف الخط احترازياً.
Loading ads...
التحليلات التي وصفت الأزمة بأنها غير مسبوقة ليست فيها مبالغة؛ فحين يصل العالم إلى مكان يعجز فيه الفقراء عن سداد فاتورة الحرب، ستضطر الدول التي لم تشارك من قبل إلى أن تتدخل بشكل أكثر مباشرةً، لتفادي الضربات الاقتصادية، والتي قد تكون أشدّ فتكاً على الأمن الداخلي من الضربات العسكرية، وهو ما لا يخص الخليج وحده.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





