في عالم الفن والأدب يُعتبر التّداخل بين أنواع الفنون والآداب أمرًا إيجابيًا، فلا حدودَ صارمة فيما بينها بل مساحاتٌ مفتوحة متداخلة وهذا يعود لسبب بسيط وهو أنّ عوالم الإبداع واحدة وحرية التنقل بينها تمنح آفاقًا جديدة مع كلّ خطوة، حتى الشّراكات التي تُعقد بين الأجناس مولّدة أساسيّة لنماذج إبداعيّة، وأمثلتها كثيرة أوضحها شراكة الموسيقى مع الشّعر حيث يصنعان أغنية، لكننا هنا سنركّز على تمازج الفنون البصرية مع النّصوص اللّغوية وكيف تعقد الصّفقات ما بين الكلمة والصورة بشكل عفوي.
نرى ذلك بوضوح وبساطة من خلال إدخال الحرف العربي في اللّوحات التّشكيلية إما من خلال كتابات مقروءة غالباً ما تكون أبيات شعرية أو مجرد أحرف متناثرة تمنح اللّوحة إضافة جماليّة من خلال الشّكل الرّشيق للحروف، أو عن طريق لوي تكوينات الجُمل أو الكلمات ليصنع منها تكويناً فنياً كما في الحروفيّة لكن وفق هذا النّموذج نكون قد فرّغنا الكلمات من حواملها اللّغوية وجعلناها أشكالاً فنيّة.
وهناك نماذج كثيرة تظهر الانسجام ما بين الكلمة والصّورة والتّكامل بينهما، فكأنّ كلّاً منهما عكازٌ للآخر يدعمه إن قصّر في إيصال المعنى فيكمل عنه، كما في تجاور النّصوص مع الصّور في الكتب المصوّرة comic books والتي أصبحت مقتصرة في أغلبها على الكتب الموجهة للأطفال أو المراهقين؛ وهنا يتحوّل الرّسم لفعلٍ ديناميكيّ يعمل على اختزال وتكثيف القصة أو الحدث المذكور في النّص وتحويله إلى رموز بصريّة ذات دلالات معروفة مسبقاً في الذّاكرة الجمعيّة فتشرح النص من خلالها وأحياناً تحمل من التفاصيل ما يمكّنها من أن تكون بديلاً كافياً عنه.
هذه العلاقة بين الكلمة والصّورة في الكتب بدأت مع بدايات العلوم والاختراعات فنرى الصّور في مخطوطات علماء المسلمين دليلاً شارحاً في الكتب العلميّة (علوم الأحياء والفيزياء والطب والتشريح) ككتاب المناظر لابن الهيثم والمعروف بالبصريات، وكذلك نجد ذلك في مخطوطات الاختراعات عند دافنشي مثلاً، فالرّسم هنا نموذج إخباري ناطق وليس جمالي صامت فقط.
تبدو المنمنمات كيانات فنيّة مكتملة ومنفصلة ويمكنها أن تستقل عن النّص النّثري المسجوع المجاورلها فتتجاوز وضعها العام التّوضيحي الذي يتمّ استنتاجه لأول وهلة من خلال النّظر لصفحة المخطوط ومراقبة تموضعها
ومع مرور الوقت بدأت توأمة الفنون البصرية مع النّصوص المكتوبة تتجاوز الإخبار وتنحو نحو تزويق الكُتب عند الفنانين، فنجد الزّخارف تؤطر الصّفحات والتّرويسات المذهبّة المتقنة تتصدّر الكلام وكثير من التّفاصيل الفنيّة، ومن ثم تطوّر التّزويق لتصبح المنمنمات بكامل تفاصيلها وزخارفها وألوانها جزءاً من صفحات المخطوط المكتوب، ومن الممكن اعتبار أنّ المنمنات لم ترفع أعلامها ولم تبلغ أوج تطورها وعظمتها الفنيّْة إلا من خلال ارتباطها بالمقامة تحديداً -المقامة فن وجنس أدبي في الكتابة نشأ في أواخر العصر العباسي يتخذ من السّجع صيغةً لغوية أما سردياً فيعتمد على الحكايات الشّعبية ونوادر الشّطار وحيثيات الحياة في الطّبقة الدّنيا من المجتمع- وأولى المقامات التي أدخلت المنمنمات إلى كيانها القصصي هي مقامات "بديع الزمان الهمذاني" وبعدها مقامات "الحريري"؛ وقد شكّلت المنمنمات بنية جديدة تضاف إلى بنية المقامة، وكأنّها ملفات تعريفية تكاد تلخص المقولة النّهائية للقصة أو تصوّر أهم مشاهدها أشهر من رسمها هو الواسطي و هناك نسخة لمخطوط مقامات الحريري موجودة في المتحف الآسيوي في بطرسبورغ مجهولة الرسّام بسبب التلف الذي لحق بالمخطوط لكنّها تنافس جماليًا رسوم الواسطي.
تبدو المنمنمات كيانات فنيّة مكتملة ومنفصلة ويمكنها أن تستقل عن النّص النّثري المسجوع المجاورلها فتتجاوز وضعها العام التّوضيحي الذي يتمّ استنتاجه لأول وهلة من خلال النّظر لصفحة المخطوط ومراقبة تموضعها، لذلك قد يتطلّب الأمر أكثر من نظرة لخلق عملية تقارب بصري مع المنمنمة والتّغاضي مؤقتًا عن النّص لنتمكّن من إعطاء المنمنمة هويتها الخاصة البعيدة عنه رغم أنّنا نعرف بأنّ النّص قد شكل إلهامًا و مرجعًا للفنان الذي "نمنم" هذه اللوحة.
في زمننا المعاصر التّجارب التّي ترتكز على الجمع ما بين الرّسم والكلمة خجولة إذا ما استثنينا كتب الأطفال التي تعتبر الصّورة هي اللّغة الأهم لديهم، نجد تجربةً صمدت إلي حدٍّ ما لليوم وهي تجمع النّص بالصّورة، بدأت هذه التّجربة منذ مئات السنين وهي تجربةٌ يابانيّة، فنصوص الهايكو عادةً ما يرافقها رسوم الهايغا وذلك موجود عند أغلب الهايجن اليابانيين، والهايغا لمن لا يعرفه هو رسمٌ مرتبطٌ بالهايكو يرسمه الكتّاب بأنفسهم بوحي من نصوصهم، فقد تعلّم باشو -معلم الهايكو الأول- الرّسم على يد تلميذه "موريكاوا" ليرفق رسوم هايغا مع نصوصه في أواخر القرن السّابع عشر، ورغم شيوع هذه الرّسوم إلا أنّها ليست شرطاً أساسياً، لكنها تمنح النّص بعدًا مختلفًا، بالطّبع هذا الرسم في تعريفه ليس شرحاً ولا تفسيراً للنّص اللّغوي، ولا مكمّلاً فلو كان مكمّلاً لكان لازم الوجود، هو ببساطة رسمٌ مستوحى من النّص ومن الحالة التي يثيرها يوجّه خيال المتلقي، ويدير دفة تفكيره.
Loading ads...
كلّ ما ذكر من نماذج تجمع الكلمة بالصورة يحتاج الكثير من إعمالٍ للعقل وللرّوح لاختيار المفردات التّشكيلية والألوان المناسبة لتكون الصورة مكمّلة للنّص المرافق أو داعمة أو مترجمة له، أما الذّكاء الاصطناعي فيستطيع خلق علاقة ما بين النّص والصّورة تظهر بعد تعليمة واحدة، وبأقل من دقيقة نستطيع رؤية تصوّر بصري لأي نص نريده، وتقييم الصّورة فيعود للمتلقي كالعادة هناك من يصرّ على الفن البشري ولا يلقي بالًا لما سواه، وآخرون لا يجدون حرجًا من كون الذّكاء الاصطناعي جزءًا من العملية الإبداعيّة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





