بعد نحو أربع سنوات من الهدوء النسبي الذي جمّد خطوط القتال الرئيسية في اليمن، عادت التحركات العسكرية إلى جبهة مأرب، بالتزامن مع هجوم واسع للحوثيين غيّر خريطة السيطرة على الساحل الغربي وأعاد المواجهة المباشرة مع القوات الموالية للحكومة إلى عدة جبهات. وفي سبتمبر/أيلول، شهدت مأرب نفسها عمليات عسكرية جديدة، فيما اتسعت المواجهات في مناطق أخرى من البلاد.
وتتجاوز أهمية مأرب موقعها على خريطة القتال. فالمحافظة الواقعة شرقي صنعاء ظلت واحدة من أبرز مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً في شمال اليمن، بعدما أخفق الحوثيون في الاستيلاء عليها خلال هجومهم الكبير في 2020 و2021، قبل أن تؤدي الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في 2022 إلى وقف معظم المعارك الواسعة.
وتضم مأرب موارد ومنشآت رئيسية للنفط والغاز والكهرباء، كما تحولت خلال سنوات الحرب إلى أحد أكبر مراكز تجمع النازحين في المناطق الخاضعة للحكومة.
ومع عودة القتال، يطرح وضع مأرب العسكري وثقلها في قطاع الطاقة وحجم تجمع النازحين فيها أسئلة حول موقعها في الحرب اليمنية وما قد يعنيه اتساع المواجهات على جبهتها.
عادت مأرب إلى جبهات القتال النشطة في اليمن بعد نحو أربع سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022. وفي أحدث توصيف للأمم المتحدة، في 21 سبتمبر/أيلول، أعربت المنظمة عن قلقها من استمرار التصعيد العسكري، وأشارت تحديداً إلى هجمات حوثية في مأرب وتعز ولحج، بالتزامن مع استمرار الهجمات عبر الحدود على السعودية.
ويمثل ذلك تطوراً عن الوضع الميداني الذي كانت الأمم المتحدة تصفه قبل أيام بأنه اشتباكات محلية على عدة جبهات، بينها مأرب. وكانت المحافظة قد شهدت بالفعل آثاراً مباشرة للقتال في مطلع سبتمبر/أيلول، عندما قالت الأمم المتحدة إن قصفاً أصاب مواقع للنازحين فيها، ما أسفر عن مقتل طفلين وإصابة 15 شخصًا وتدمير ملاجئ.
لكن مركز التقدم البري الحوثي الأبرز لا يزال، وفق أحدث التقارير الميدانية، في غرب وجنوب غرب البلاد. فقد أفادت رويترز في 21 سبتمبر/أيلول بأن الحوثيين، بعد تقدمهم على ساحل البحر الأحمر، اتجهوا إلى السيطرة على مرتفعات استراتيجية، خصوصاً جبال كهبوب الممتدة بين تعز ولحج، في محاولة للسيطرة على مواقع تربط المناطق الداخلية بالساحل.
وفي مأرب نفسها، تحدثت تقارير ميدانية في 21 سبتمبر/أيلول عن اشتداد المعارك، بعدما كثف الحوثيون هجماتهم على مواقع القوات الحكومية، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت تعزيزات للجماعة.
تنبع الأهمية العسكرية لمأرب أولاً من موقعها باعتبارها أحد أبرز معاقل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في شمال البلاد. وتقول وكالة رويترز إن الحوثيين يسيطرون على صنعاء ومساحات واسعة من شمال اليمن، بينما ظلت مأرب إحدى المناطق الرئيسية الخارجة عن سيطرتهم، وشكلت خلال سنوات الحرب مركزاً مهماً للقوات الموالية للحكومة.
ولهذا كانت مأرب هدفاً رئيسياً للحوثيين في جولات القتال السابقة. ففي 2021 شنوا هجوماً واسعاً باتجاه المدينة، التي وصفتها رويترز آنذاك بأنها آخر معقل رئيسي للحكومة في شمال اليمن، ما دفع التحالف بقيادة السعودية إلى إرسال تعزيزات من حضرموت وشبوة وزيادة الغارات الجوية لوقف تقدمهم.
وبحسب صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، فإن أهمية مأرب تتجاوز المدينة نفسها؛ إذ إن السيطرة على المحافظة كانت ستمنح الحوثيين، وفق تقييمات نقلتها الصحيفة خلال معارك 2021، سيطرة شبه كاملة على شمال اليمن، فضلًا عن الوصول إلى بنية تحتية رئيسية للنفط والغاز وتعزيز موقعهم في أي مفاوضات لإنهاء الحرب.
ولا تزال هذه الأهمية قائمة مع التصعيد الحالي. ففي تقرير نشرته واشنطن بوست في 17 سبتمبر/أيلول، قالت الصحيفة إن قتالاً عنيفاً يدور في مأرب ومحيطها، ووصفت المدينة بأنها مركز عسكري للقوات المدعومة من السعودية، مشيرة إلى أن محاولات الحوثيين السابقة للسيطرة عليها لم تنجح.
كما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية في 15 سبتمبر/أيلول أن مأرب مرشحة لأن تكون محوراً رئيسياً للمواجهة العسكرية التالية، وأن الغارات الجوية السعودية تستهدف تشكيلات حوثية على هذه الجبهة. ويأتي ذلك بعدما حقق الحوثيون أكبر تقدم بري لهم منذ سنوات على الساحل الغربي؛ إذ أفادت رويترز بأنهم حشدوا نحو 100 ألف مقاتل قبل الهجوم الذي أفضى إلى سيطرتهم على أراضٍ استراتيجية قرب باب المندب.
وتضيف موارد الطاقة بعداً آخر للأهمية الاستراتيجية للمحافظة. فبحسب رويترز، تعد مأرب منطقة إنتاج الغاز الوحيدة في اليمن وتضم أحد أكبر حقوله النفطية، فضلاً عن كونها معقلاً رئيسياً لحزب الإصلاح، أحد المكونات المهمة في معسكر الحكومة المعترف بها دولياً.
تعد مأرب واحدة من المحافظات اليمنية التي لا يزال يجري فيها إنتاج للنفط، إلى جانب شبوة وحضرموت، وفق البنك الدولي.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن حوض مأرب-الجوف كان تاريخياً إحدى منطقتي الإنتاج الرئيسيتين في اليمن إلى جانب حوض المسيلة شرقي البلاد، وأن شركة صافر الحكومية أعادت تشغيل إنتاج جزئي من القطاع 18 في حوض مأرب عام 2018.
لكن الثقل الحالي لإنتاج النفط اليمني لا يتركز في مأرب وحدها. فبحسب أحدث التقييمات التفصيلية المتاحة لدى إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كان إنتاج الخام يأتي بصورة شبه كاملة من القطاعين 10 و14 في حوض المسيلة، الذي يحتوي على أكثر من 80% من احتياطيات النفط اليمنية، بينما كان القطاع 18 في مأرب قد عاد إلى الإنتاج بصورة جزئية.
أما الغاز، فتضم منطقة مأرب-الجوف واحدة من أكبر تجمعات الغاز الطبيعي في اليمن، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وتظهر خريطة منشآت الغاز التي نشرها البنك الدولي وجود القطاع 18 في مأرب وربطه بخط أنابيب يبلغ طوله نحو 320 كيلومتراً يصل إلى منشأة تسييل الغاز في بلحاف على خليج عدن.
لكن هذه الشبكة لا تعمل اليوم بالطريقة التي صُممت من أجلها. ويقول البنك الدولي إن منشأة الغاز الطبيعي المسال في بلحاف، التي بدأت العمل عام 2009، توقفت عن العمل في النصف الأول من 2015 مع وصول الحرب إلى المحافظات المنتجة للنفط والغاز، وظلت المنشأة متوقفة بعد ذلك وتحت أعمال الحفظ والصيانة.
ولمأرب موقع مهم أيضاً في تاريخ شبكة الكهرباء اليمنية. ويقول البنك الدولي إن محطة مأرب لتوليد الكهرباء كانت أكبر محطة كهرباء في البلاد عند اندلاع الحرب، وكانت مسؤولة عن إمداد معظم اليمن بالكهرباء، قبل أن تتوقف عن العمل في مارس/آذار 2015. ووصف البنك توقفها بأنه نقطة تحول في تدهور قطاع الكهرباء اليمني.
ومنذ ذلك الحين تغير وضع قطاع الكهرباء على مستوى البلاد. وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دراسة صدرت في أبريل/نيسان 2026 إن الصراع والانهيار الاقتصادي تركا ملايين اليمنيين من دون إمدادات كهرباء موثوقة، فيما توسع الاعتماد على الطاقة الشمسية، التي يدعم البرنامج مشروعاتها في اليمن منذ 2016.
تأتي عودة القتال إلى مأرب فيما تستضيف المحافظة بالفعل أكبر تجمع للنازحين في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية التي تغطيها بيانات المنظمة الدولية للهجرة.
وفي أحدث تقييم شامل للمحافظة، الذي يغطي أبريل/نيسان ومايو/أيار 2026، قدرت المنظمة وجود 1,879,652 نازحاً في مأرب، بما يعادل نحو 60% من إجمالي 3.15 ملايين نازح رصدتهم في المواقع التي تمكنت من الوصول إليها داخل المحافظات الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً.
وتقول المنظمة إن مأرب ظلت الوجهة الرئيسية للنازحين في المناطق التي يشملها تقييمها، وإن الموجودين فيها فروا في معظمهم من الصراع وعدم الاستقرار في محافظات أخرى. وعزت المنظمة هذا التركّز إلى موقع المحافظة، وتعدد مواقع النزوح فيها، وإمكانية وصول المساعدات الإنسانية إليها مقارنة بمحافظات أخرى.
ولم يتوقف تدفق النازحين إلى مأرب مع تجدد الحرب. وسجلت بيانات المنظمة الدولية للهجرة الخاصة بالتصعيد على الساحل الغربي وصول 474 نازحاً جديداً إلى مأرب حتى 17 سبتمبر/أيلول، ضمن موجة نزوح بلغت 118,086 شخصاً منذ بدء التصعيد في يونيو/حزيران. والرقم الخاص بمأرب يمثل النازحين الذين سجلتهم المنظمة نتيجة التصعيد الأخير، ولا يمثل إجمالي النازحين الموجودين في المحافظة.
وتزامن وصول نازحين جدد مع امتداد القتال إلى مأرب نفسها. وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 15 سبتمبر/أيلول إن التصعيد أجبر أسرًا على النزوح في الحديدة وتعز ولحج وعدن وأبين ومأرب والضالع وشبوة، محذرة من مزيد من النزوح داخل اليمن إذا اشتدت الأعمال القتالية. وأضافت أن كثيرًا من الأسر غادرت منازلها على عجل ولم تتمكن من حمل سوى القليل من ممتلكاتها.
وتزايد حجم الأزمة خلال أيام قليلة. فقد قالت مفوضية اللاجئين لرويترز في 22 سبتمبر/أيلول إن عدد الذين أجبرهم التصعيد الأخير على ترك منازلهم تجاوز 130 ألف شخص، وإن تقديراتها تشير إلى احتمال نزوح 100 ألف شخص إضافي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة مع استمرار القتال. كما فر أكثر من 3 آلاف شخص عبر البحر إلى القرن الأفريقي.
Loading ads...
ويواجه النازحون ضغوطاً على الخدمات الإنسانية المتاحة بالفعل. وحذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، من أن تصاعد العنف والنزوح يدفع النظام الصحي الهش إلى حافة الانهيار، مشيراً إلى أن نحو 20 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات صحية، في ظل تفشي الكوليرا والحصبة وشلل الأطفال وحمى الضنك وسوء التغذية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






