على مدار عقد ونيف، بقيت سوريا غائبة عن الخريطة الاقتصادية للشرق الأوسط، واليوم، بدأ كل ذلك يتغير، فقد عاد المستثمرون الخليجيون إلى دمشق، وعادت شركات الطيران في المنطقة لتعيد ربط أجوائها بالمجال الجوي السوري، كما بدأت شركات الطاقة الدولية بتقييم الفرص في الساحل السوري المطل على البحر المتوسط. وخلال الشهور القليلة الماضية، أعلنت السعودية والإمارات عن محادثات استثمارية كبرى تشمل قطاعات البنى التحتية والاتصالات والطيران والخدمات اللوجستية والعقارات.
وفي تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي، قال إنه رغم وجود تحديات كبيرة، بدأت سوريا بالعودة تدريجياً إلى طاولة النقاش الاقتصادي الإقليمي في لحظة يشهد فيها الشرق الأوسط نفسه مزيداً من الترابط الاقتصادي عبر ممرات تجارية جديدة، وشراكات في البنى التحتية، ومبادرات ربط إقليمية تصل بين الخليج وتركيا وبلاد الشام وأوروبا.
بالنسبة للشركات في مختلف أنحاء المنطقة، يتسم هذا التحول بأهمية بالنسبة للشركات الإقليمية، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية، أولها أن سوريا تقع وسط عدد من الممرات التجارية وممرات الربط الناشئة التي تصل بين الخليج وتركيا وبلاد الشام والبحر المتوسط. ثانيها أن حجم احتياجات إعادة الإعمار والتحديث يمكن أن يخلق فرصاً طويلة الأجل في مجالات البنى التحتية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والاتصالات، والطيران، والخدمات المالية. ثالثها أن النظم الاقتصادية في المنطقة نفسها تشهد تحولاً متسارعاً، فقد أصبحت تعتمد بنسبة أكبر على الاستثمار، كما زاد ترابطها وتركيزها على تعزيز المرونة الاقتصادية في ظل تزايد التشرذم على مستوى العالم.
وبالنظر إلى هذه العوامل مجتمعة، يتضح أن إعادة دمج سوريا تدريجياً باتت جزءاً من حكاية أوسع بكثير، وهذه الحكاية تتعلق بمستقبل التكامل الاقتصادي في الشرق الأوسط.
يأتي هذا التحول في سياق موجة واسعة من التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة. ففي دول الخليج، أصبحت الحكومات تسرع استثماراتها في الخدمات اللوجستية، والطيران، والتنمية الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والتحول في قطاع الطاقة، وذلك ضمن استراتيجيات أوسع لتنويع الاقتصاد تهدف إلى ترسيخ مكانة المنطقة كمركز عالمي يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
ووفقًا لاستطلاع الرؤساء التنفيذيين في الشرق الأوسط لعام 2026 الصادر عن شركة PwC، فإن السعودية استقطبت استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 31.7 مليار دولار في عام 2024، في حين جذبت الإمارات ما يقارب 45 مليار دولار.
في الوقت نفسه، يتسارع التعاون الاقتصادي في هذه المنطقة، فقد توسعت العلاقات التجارية بين دول الخليج وتركيا بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. كما زاد النقاش حول مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، وتعمل شركات الطيران الإقليمية على إعادة بناء شبكات الربط داخل الشرق الأوسط، فقد استأنفت شركة الخطوط الجوية التركية رحلاتها إلى دمشق مؤخراً بعد توقف دام 13 عاماً، في وقت أخذت شركات النقل والخدمات اللوجستية الإقليمية تقيم الدور الذي يمكن أن تؤديه سوريا ضمن الممرات التجارية مستقبلاً.
وفي خضم هذا التحول الأوسع، بات من الصعب تجاهل الموقع الجغرافي لسوريا.
على مر التاريخ، بقيت سوريا إحدى أهم نقاط العبور التجارية في المنطقة، وقبل اندلاع الحرب السورية، كانت طرق التجارة والنقل الرئيسية التي تمر عبر الأراضي السورية تربط بين الموانئ والمراكز الصناعية وسلاسل الإمداد في أجزاء متعددة من الشرق الأوسط. كما أن حجم الفرص الاقتصادية المحتملة كبير للغاية.
ففي مطلع هذا العام، أعلنت السعودية عن حزمة استثمارية كبرى تُقدَّر بنحو ملياري دولار تشمل قطاعات الطيران والاتصالات والبنية التحتية ومشاريع المياه. وتضمنت الاتفاقيات إطلاق شركة طيران مشتركة، واستثمارات لإعادة تطوير مطار حلب، ومبادرة بقيمة 800 مليون دولار لتطوير البنية التحتية للألياف الضوئية. كما وقّعت شركات سعودية متخصصة في الطاقة والمياه مذكرات تفاهم تتعلق بتحلية المياه والتعاون في مشاريع البنية التحتية.
من جانبها، أعلنت الإمارات أن حجم تجارتها غير النفطية مع سوريا بلغ نحو 1.4 مليار دولار في عام 2025، أي أكثر من ضعف مستواه مقارنة بالعام السابق. كما شملت الاتفاقيات والمباحثات الأولية مشاريع مرتبطة بالمناطق الحرة، وربط شبكات النقل، ومشاريع تطوير عقاري واسعة النطاق.
ظهر زخم كبير أيضاً في قطاع الخدمات اللوجستية والبنية التحتية البحرية. ففي شهر أيار الماضي، وقّعت سوريا اتفاقيات مع شركة الشحن الفرنسية CMA CGM لتشغيل موانئ جافة (مراكز لوجستية) بالقرب من دمشق وحلب، وإعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية المخصصة لنقل البضائع بين ميناء اللاذقية والمراكز التجارية الداخلية بعد انقطاع استمر 14 عاماً.
كما ركزت اتفاقيات سابقة مع شركة DP World على تطوير ميناء طرطوس والمناطق الصناعية ومناطق التجارة الحرة المحيطة به.
وبالنسبة للشركات الإقليمية العاملة في قطاعات البناء والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والاتصالات والطاقة والخدمات المالية، قد تتحول سوريا تدريجياً إلى واحدة من أهم الأسواق النامية الناشئة في الشرق الأوسط.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن إعادة دمج سوريا ضمن الاقتصاد الإقليمي لا تتعلق بإعادة الإعمار فحسب، بل تتعلق أيضاً بتعزيز القدرة على الصمود والمرونة الاقتصادية.
فالشركات اليوم تعمل في بيئة تتسم بانعدام أي يقين على الصعيد الجيوسياسي، إلى جانب تخلخل سلاسل التوريد، وتصاعد المنافسة على طرق التجارة وأمن الطاقة والإمكانات الصناعية. وقد أدركت الحكومات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط أن الترابط الاقتصادي لم يعد مجرد أداة للتنمية، بل بات ضرورة استراتيجية.
يعتبر ذلك أحد أسباب تطور النقاشات المتعلقة بسوريا، إذ لم يعد التركيز منصباً على احتمال اندماج سوريا اقتصادياً من جديد، بل أصبح يتمحور حول كيفية مشاركة الأطراف الإقليمية بصورة مسؤولة بما يدعم النمو طويل الأمد، إلى جانب تعزيز الترابط وترسيخ الاستقرار الاقتصادي.
وبطبيعة الحال، ماتزال هناك تحديات كبيرة، فعلى الرغم من تسارع المحادثات المعنية بالشؤون الاستثمارية، فإن عدداً من المقومات الأساسية للنشاط التجاري ماتزال بحاجة إلى إعادة بناء. كما أن الاتصال المالي بالعالم الخارجي بدأ للتو بالعودة، بعد الخطوات الأخيرة الرامية إلى إعادة ربط سوريا بنظم الدفع الدولية والشبكات المصرفية العالمية.
أما البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، فمازالت تحتاج إلى تحديث واسع النطاق، رغم الاتفاقيات الأخيرة المتعلقة بالموانئ، وسكك الحديد المخصصة للشحن، وإعادة تطوير المطارات. وتمثل البنية التحتية الرقمية تحدياً هي أيضاً، إذ تعبر الاستثمارات الجديدة في شبكات الألياف الضوئية وقطاع الاتصالات عن حجم الفرص المتاحة، وفي الوقت ذاته تعبر عن حجم العمل المطلوب.
غير أن السرعة في معالجة هذه القيود والتحديات سيكون لها دور مهم في تحديد مدى قدرة الاهتمام الاقتصادي والاستثماري الحالي على التحول إلى نمو مستدام واندماج إقليمي فعلي.
وبذلك أصبحت عملية إعادة إعمار سوريا قضية تتعدى حدود مجرد إعادة بناء اقتصاد واحد، كونها باتت جزءاً من عملية تحول إقليمي أوسع، تتزايد معها أهمية الترابط الاقتصادي، والاستثمار، والتكامل الإقليمي بالنسبة لرسم مستقبل الشرق الأوسط. وبنظر الشركات التي تبحث عن فرص للنمو خلال العقد المقبل في المنطقة، قد تتحول سوريا تدريجياً من مجرد منصة على اعتبار أنها منطقة أزمات، إلى فرصة من أهم الفرص الاقتصادية طويلة الأجل وأشدها تأثيراً على المنطقة.
Loading ads...
المصدر: The World Economic Forum
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

