عند تقييم الانتخابات البرلمانية الأخيرة في روسيا، من المهم أن يدرك الرأي العام الدولي أن مجلس الدوما يتمتع بصلاحيات محددة. وهذه البنية نموذجية للأنظمة الرئاسية، التي تُصنَّف روسيا ضمنها من الناحيتين القانونية والثقافية والتاريخية.
وفقًا للدستور، يوافق مجلس الدوما على مرشح رئيس الوزراء الذي يقدمه الرئيس، وعلى مرشحي عدد من الوزراء الذين يقترحهم رئيس الحكومة. ولذلك، لا يمكن القول إن مجلس الدوما يشكّل الحكومة؛ فهو يعتمد مرشحين ضمن آلية يظل التعيين النهائي فيها من صلاحيات الرئيس.
وينطبق الأمر نفسه على الوظيفة الرئيسية الأخرى لمجلس الدوما، وهي إقرار التشريعات. فقد تقدمت الحكومة بنحو نصف القوانين التي أقرها المجلس المنتهية ولايته. ومن هذه الزاوية، لا يعد مجلس الدوما مؤسسة تمثيلية بقدر ما هو جهاز من أجهزة السلطة المعنية بإقرار القوانين.
من أبرز أحداث الانتخابات ما جرى من استبعاد لحزب "يابلوكو"، وهو حزب يعارض "العملية العسكرية الخاصة". وتميل السلطات الروسية، في القضايا السياسية الحساسة، إلى تجنّب الظهور بصورة مباشرة
ومن الناحية السياسية، فإن وجود حزب الرئيس، "روسيا الموحدة"، الذي يزداد عدد نوابه من دورة برلمانية إلى أخرى، يعزز قدرة السلطة على تطويع البرلمان لتوجهاتها السياسية.
ومن هنا، تبدو الانتخابات الأخيرة -وهي أول انتخابات برلمانية تُجرى بعد بدء "العملية العسكرية الخاصة" ( الحرب الروسية الأوكرانية)- أقل أهمية من الانتخابات الرئاسية لعام 2024. فقد كانت تلك الانتخابات، في جوهرها، استفتاء على الثقة بفلاديمير بوتين ونهجه السياسي.
ومن هذا المنظور، فإن الانتخابات الأخيرة لمجلس الدوما لم تكن تصويتا على الثقة في نهج بوتين أو رفضه، بل كانت -قبل كل شيء- استحقاقا دستوريا، ويشير إجراؤها إلى طبيعة الوضع العام في البلاد. وحتى في ظل نزاع عسكري واسع النطاق، تواصل الدولة عملها في إطار الإجراءات المنصوص عليها في الدستور. وهذا يضعف التصور القائل إن النظام السياسي الروسي انتقل إلى نموذج استثنائي للحكم.
وفي هذا الصدد، يبرز التباين مع أوكرانيا، حيث لم تُجرَ انتخابات وطنية خلال السنوات الأربع الأخيرة. ويخلق الغياب الطويل للانتخابات مخاطر لأي نظام سياسي، إذ تتجمد عملية تداول النخب، ما يدفعها لتسوية خلافاتها بوسائل أخرى، غير قانونية أو شبه قانونية.
وعند تشكيل مجلس الدوما الجديد، أُخذت في الاعتبار سيناريوهات مختلفة لتطوره مستقبلا، بما في ذلك تصورات تفترض تغيير الدور السياسي للمجلس ونطاق صلاحياته. وقد شهد التاريخ سوابق مماثلة. وفي هذا السياق أيضا يمكن النظر إلى التمثيل الكبير في الدورة الجديدة للمشاركين من المقاتلين في "العملية العسكرية الخاصة". لكن من المهم التأكيد أن هذا أحد الاحتمالات الممكنة، وليس بأي حال هو الأكثر أولوية.
ومن أبرز أحداث الانتخابات شطب القائمة الفدرالية لحزب "يابلوكو" من السباق الانتخابي، وهو حزب يعارض "العملية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا. وتميل السلطات الروسية، في القضايا السياسية الحساسة، إلى تجنّب الظهور بصورة مباشرة. وقد كان وجود "يابلوكو" على ورقة الاقتراع سيمنح السلطة فرصة لقياس حجم المشاعر المناهضة للحرب.
ولا يزال ذلك مسألة مهمة بالنسبة إلى النظام السياسي الروسي، فمع استمرار النزاع، يتراكم الإرهاق بصورة طبيعية، فيما تظل قدرة استطلاعات الرأي التقليدية على قياس المواقف من القضايا السياسية الحساسة محدودة؛ إذ لا يكون الناس مستعدين دائمًا للتحدث بصراحة مع الباحثين عن آرائهم.
لذلك، سيكون من التبسيط اختزال التعامل مع شطب قائمة "يابلوكو" في كونه قرارًا خدم السلطة الروسية سياسيًا، فقد كانت اللجنة المركزية للانتخابات قد سجّلت القائمة الفدرالية للحزب أصلًا.
السلطة في روسيا تستمد شرعيتها الأساسية ليس من الانتخابات البرلمانية، بل من الانتخابات الرئاسية. ولذلك، لا يبدو التشكيل الجديد لمجلس الدوما مؤشرا على استعداد لسيناريو استثنائي ما
وفي وقت لاحق، ألغت المحكمة العليا تسجيلها بناء على دعوى رفعها حزب "رودينا"، وأبقت هيئة الاستئناف التابعة للمحكمة العليا على هذا القرار. واستندت المحكمة إلى وجود مخالفات لقواعد تمويل الحملة الانتخابية، بما في ذلك تلقي تبرعات من أشخاص كانوا يتلقون أموالا من مصادر أجنبية، فضلا عن مخالفات لقوانين الملكية الفكرية عند إنتاج مواد الدعاية الانتخابية.
ومع ذلك، كانت قيمة الأموال المعنية محدودة نسبيا قياسا بحجم حملة اتحادية، إذ بلغت نحو 34 ألف دولار.
ونتيجة لذلك، نشأت مفارقة سياسية. فقد حُرم النظام السياسي الروسي من إمكانية الحصول على قياس انتخابي للمشاعر المناهضة للحرب. وفي الوقت نفسه، بقي جزء من الناخبين المعترضين على شن "العملية العسكرية الخاصة" من دون الممثل السياسي الأكثر اتساقا مع هذا الموقف بين الأحزاب الفدرالية.
وقد منح استبعاد الحزب فرصة للمنتقدين الخارجيين لروسيا: فبدلا من الحصول على نتيجة انتخابية محددة، حصلوا على حجة إضافية تتعلق بتقييد المنافسة السياسية. وفي هذا السياق، يكتسب العامل الأجنبي الذي أثبتته المحكمة في تمويل الحملة أهمية سياسية. وهذا لا يثبت وجود إدارة خارجية للحزب، لكنه يُظهر أن تصرفات أشخاص مرتبطين بتمويل أجنبي أسهمت في نهاية المطاف في السيناريو الذي أتاح للخارج مساحة أوسع لانتقاد الانتخابات الروسية.
ومع ذلك، فعلت السلطات الروسية كل ما يلزم لضمان وصول بعض مرشحي "يابلوكو"- الذين خاضوا الانتخابات في الدوائر الفردية- إلى الاقتراع.
وترافقت الحملة الانتخابية مع هجمات أوكرانية على المناطق الروسية. وكانت أوكرانيا تحاول من خلال ضرباتها زيادة الضغط على المجتمع الروسي وإظهار عجز الدولة، لكن هذا لم يكتب له النجاح.
وبوجه عام، فإن حجم وتأثير الهجمات الأوكرانية على روسيا مبالغ فيهما بدرجة كبيرة في أوساط الرأي العام الدولي. ولا شك أن الحياة في المدن الروسية لم تعد هادئة كما كانت قبل عام 2022، لكن لا يوجد، بالطبع، شعور عام بأن البلاد تخوض حربا بأكملها وأنها تشتعل بالنيران. فليس لدى أوكرانيا قوات يمكن أن توحي بذلك.
وفي الوقت نفسه، ينظر جزء من الخطاب الإعلامي والخبرائي الغربي إلى التكوين الجديد لمجلس الدوما في سياق احتمال استعداد السلطات الروسية لاتخاذ قرارات استثنائية، مثل موجة جديدة من التعبئة أو إعلان حالة الطوارئ. ومن الصعب الاتفاق مع ذلك إذا أخذنا في الاعتبار الكيفية التي تعمل بها السلطة الروسية فعليا.
فالسلطة في روسيا كما أسلفنا تستمد شرعيتها الأساسية ليس من الانتخابات البرلمانية، بل من الانتخابات الرئاسية. ولذلك، لا يبدو التشكيل الجديد لمجلس الدوما مؤشرا على استعداد لسيناريو استثنائي ما. وينطبق الأمر نفسه على قابلية إدارة مجلس الدوما سياسيا؛ فقد جرى تشكيل جميع دوراته خلال السنوات الـ26 الماضية وفق هذا المبدأ. ومن هذه الناحية، لا تمثل الدورة الحالية استثناء. ولذلك لا أرى أسبابا لاعتبار أن التكوين الجديد لمجلس الدوما أُعد خاصة لحدث استثنائي محدد.
ومن السمات البارزة للحملة الانتخابية ضيق نطاق الموضوعات المتاحة للنقاش السياسي. ولا يرتبط ذلك بالمحظورات أو القيود بقدر ما يرتبط بالغياب شبه الكامل لمن يمثلون وجهات نظر بديلة. فقد استبعدت قائمة "يابلوكو" من السباق الانتخابي، فيما تؤيد الأحزاب الأخرى، بدرجات متفاوتة، النهج القائم ومواصلة "العملية العسكرية الخاصة". ويرتبط ذلك بتكوين القوى السياسية المشاركة في الانتخابات وبنية الرأي العام.
أظهرت الانتخابات الأخيرة حقيقة أساسية: خلال أربع سنوات من النزاع، لم يشهد النظام السياسي الروسي اختلافا جوهريا. فلم يحدث التخلي عن الانتخابات، ولا إعادة هيكلة جذرية للنظام الحزبي، ولا الانتقال إلى آليات حكم استثنائية
توجد في روسيا قاعدة انتخابية كبيرة مؤيدة لبوتين، وتدور المنافسة الحزبية الأساسية اليوم داخل هذه القاعدة تحديدا. وقد أظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2024 مستوى مرتفعا من الدعم للرئيس.
وهذا يعني أنه إذا أراد حزب ما دخول مجلس الدوما، فإن معارضة بوتين ونهجه ليست خيارا انتخابيا مجديا. ولذلك لا تدور المنافسة الحزبية الأساسية بين مؤيدي بوتين ومعارضيه، بقدر ما تدور على استقطاب شرائح مختلفة داخل قاعدته الانتخابية الواسعة. ويمكن تفسير ذلك بأن جزءا كبيرا من المجتمع يرى أن ما يحدث ضروري لروسيا لأسباب متعددة لا ترتبط مباشرة بموضوع هذه المقالة.
ويرى كثيرون أن من السمات المهمة لهذه الانتخابات إجراؤها في الأراضي التي أُلحقت بروسيا. لكن هذا ليس دقيقا تماما. أولا، كانت الانتخابات الرئاسية قد أُجريت بالفعل في هذه الأراضي عام 2024. وثانيا، لدى المناطق الجديدة ممثلون بالفعل في الغرفة العليا للبرلمان، إذ عيّنهم الحكام والبرلمانات الإقليمية. ولذلك لا تعد مشاركة هذه الأراضي في العملية الانتخابية الفدرالية، أمرا جديدا من حيث المبدأ.
وفي نهاية المطاف، أظهرت الانتخابات الأخيرة حقيقة أساسية: خلال أربع سنوات من النزاع، لم يشهد النظام السياسي الروسي اختلافا جوهريا. فلم يحدث التخلي عن الانتخابات، ولا إعادة هيكلة جذرية للنظام الحزبي، ولا الانتقال إلى آليات حكم استثنائية. ويتمثل أهم ما أظهرته هذه الانتخابات في أنه، رغم العمليات العسكرية والعقوبات والضغوط الخارجية، يواصل النظام السياسي الروسي العمل حسب بنيته وآلياته المعتادة.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





