شهر واحد
عودة المهجرين تفاقم أزمة السكن في مدينة بصرى الشام بريف درعا
الخميس، 19 فبراير 2026
تشهد مدينة بصرى الشام في ريف درعا الشرقي تصاعداً ملحوظاً في أسعار إيجارات الشقق السكنية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة وضغط متزايد على القطاع السكني، حيث يبلغ سعر إيجار الشقة الواحدة بين 50 و150 دولاراً أميركياً حسب الجودة والمساحة، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات، ولا يتناسب مع متوسط الدخل المحلي.
ومع عودة عدد من العائلات المهجّرة وارتفاع الطلب على المساكن، بات العثور على شقة مناسبة أمراً بالغ الصعوبة، خاصة في ظل محدودية الشقق المعروضة وغياب مشاريع إسكان أو ترميم كافية تستوعب الاحتياجات المتنامية للسكان.
إيجارات تثقل كاهل المواطنين
حسين الحمد، وهو أحد أبناء مدينة بصرى، قال خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن مالك البناء الذي يسكنه رفع أجرة الشقة السكنية من 350 ألف ليرة سورية إلى 850 ألف ليرة، ما يعادل تقريباً 80 دولاراً أميركياً، وهو مبلغ اعتبره الحمد يفوق إمكانياته بكثير، كونه يعمل في تحضير القهوة والشاي في إحدى الكافتيريات في المدينة.
وأضاف الحمد أن إيجار شهرين تراكم عليه حتى الآن، إضافة إلى إيجار شهرين آخرين يترتبان على عائلته، ليصل المبلغ الإجمالي إلى ما يقارب 4 ملايين ليرة سورية، مؤكداً أنه لا يعرف كيف سيتمكن من تأمينه أو من أين سيحصل عليه في ظل ضعف دخله وارتفاع تكاليف المعيشة.
وحاول الحمد البحث عن شقة جديدة عقب رفع الإيجار، لكنه لم يتمكن من العثور على أي مسكن بديل، مؤكداً أن معظم الشقق السكنية في المدينة ممتلئة، مشيراً إلى أنه ليس لديه خيار آخر.
كذلك قال أحد الموظفين الحكوميين المتقاعدين إن راتبه الشهري يبلغ 900 ألف ليرة سورية، يدفع منه 550 ألف ليرة بدل إيجار للسكن، مضيفاً أنه لولا ابنه المقيم في ألمانيا، الذي يرسل لهم المال بشكل مستمر، لكان وضعهم المعيشي سيئاً جداً.
من جانبه، قال الناشط الإعلامي نضر الدوس لموقع تلفزيون سوريا إن أسعار الإيجارات في مدينة بصرى الشام ارتفعت لأكثر من الضعف، ما دفع العديد من العائلات للبحث عن مساكن أقل تكلفة وبمساحات لا تناسب عدد أفراد أسرهم، في ظل غياب أي ضوابط تحدّ من ارتفاع الإيجارات، الأمر الذي أثقل كاهل المواطنين.
وحول أسباب ارتفاعها، أوضح الدوس أن السبب الرئيسي هو عدم وجود مساكن كافية تستوعب الطلب المتزايد، ولا سيما مع عودة عدد كبير من العائلات إلى المنطقة خلال الفترة الأخيرة من جهة، ونزوح أعداد كبيرة من عائلات العشائر العربية إلى المدينة نتيجة الأحداث الأمنية والعسكرية التي شهدتها محافظة السويداء خلال الأشهر القليلة الماضية من جهة أخرى، ما أدى إلى فجوة واضحة بين العرض والطلب.
وأضاف أن عدم وجود منافسة في الاستثمار، وجشع بعض التجار وأصحاب العقارات، واستغلالهم لمحدودية الخيارات السكنية المتاحة، أسهم بشكل مباشر في رفع الأسعار بشكل تعسفي إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية لمعظم المواطنين، ودفعهم إلى التحكم بالسوق بشكل كامل عبر عبارة: "هذا الموجود، بدك تستأجر ما بدك في غيرك بيستأجر".
قال مدير المكتب الفني في مجلس مدينة بصرى الشام، موسى المقداد، لموقع تلفزيون سوريا إن قطاع السكن في المدينة يشهد مأساة كبيرة، حيث لا يوجد حالياً أي مسكن فارغ، مشيراً إلى أن أكثر من 30% من السكان يعيشون في أزمة سكن وضيق في المنازل.
ويعود سبب الأزمة بشكل أساسي إلى المعارك العسكرية الكبيرة التي شهدتها المدينة منذ سنوات، وقصفها من قبل جيش النظام المخلوع وميليشياته بآلاف القذائف والصواريخ والغارات الجوية، ما أدى إلى دمار واسع فيها، ونزوح أهالي المدينة إلى القرى المجاورة أو الهجرة خارج البلاد.
وأضاف المقداد أن عودة هذه العائلات دفعة واحدة بعد سقوط النظام أسهمت بشكل مباشر في خلق الأزمة وارتفاع الطلب على السكن، الأمر الذي أدى إلى تفاقم مشكلة الإيجارات وازدياد الضغط على البنية السكنية في المدينة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة وغياب الحلول السريعة لمعالجة الوضع.
كما أسهمت مشكلة المخطط التنظيمي في المدينة، نتيجة تطبيق الباب الثاني من القانون رقم 9 لعام 1974، وهو التوزيع الإجباري على مساحة كبيرة، المعمول به حتى تاريخه، والذي يمنع البناء والترخيص إلا بشروط قاسية، مع صعوبة في عمليات البيع والشراء والفرز والفراغ والتسجيل العقاري.
وأوضح المقداد أن هذا القانون أثقل كاهل المواطنين، وأصبح من الصعب البناء والاستثمار ضمن المنطقة التي تبلغ مساحتها نحو ثلاثة أرباع مساحة المخطط التنظيمي، ما أدى إلى جمود عمراني واضح وارتفاع كبير في أسعار العقارات والإيجارات.
أشار المقداد إلى أن مجلس المدينة يحاول حثّ المالكين والمستثمرين، من خلال الوجهاء والمشايخ والتسهيلات التي يقدمها، على الاستثمار في قطاع السكن، وتشجيعهم على استثمار الأراضي وبناء وحدات سكنية جديدة تسهم في التخفيف من أزمة السكن المتفاقمة.
وبيّن أن هذه الجهود تأتي في إطار مساعٍ أهلية ومجتمعية لإيجاد حلول مرحلية، ريثما يتم العمل على معالجة العوائق القانونية والتنظيمية التي تحدّ من التوسع العمراني والاستثماري في المدينة.
وكشف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن مجلس المدينة يحاول حل مشكلة التنظيم، إذ اتخذ قراراً بإلغاء تطبيق القانون الذي تم ذكره سابقاً واستبداله بقانون جديد، وكان تجاوب محافظ درعا، أنور الزعبي، إيجابياً وسريعاً، حيث قام بدوره برفع مذكرة إلى وزارة الإدارة المحلية والبيئة شرح خلالها المشكلة، لافتاً إلى أنهم ما زالوا ينتظرون الرد.
ووفقاً للمقداد، فإن المدينة تحتاج إلى استثمارات ضخمة للنهوض بقطاع السكن والبنية التحتية المرتبطة به، موضحاً أن الإقبال الاستثماري لا يزال غير جيد، نظراً لأن رؤوس الأموال تفضل أن تكون البيئة الاستثمارية مثالية قبل الخوض في أي مشاريع كبيرة، سواء من الناحية الأمنية، التي بدأت تتحسن بشكل تدريجي، أو من ناحية العقوبات التي كانت مفروضة على البلاد.
بدائل على الأنقاض
لجأ عدد من أهالي المدينة إلى ترميم جزئي ومحدود جداً لبعض منازلهم المتضررة، حيث عملوا على تجهيز غرفة واحدة أو غرفتين فقط بشكل بدائي، من خلال إغلاق النوافذ بالبلوك، أو تركيب أبواب مستعملة، واستخدام الأغطية والنايلون كبدائل مؤقتة، في محاولة لتأمين مأوى يقيهم أعباء الإيجارات المرتفعة، رغم سوء الواقع الخدمي والمعيشي داخل تلك المساكن.
وبحسب الناشط الإعلامي نضر الدوس، فإن العديد من العائلات قامت بإعادة إعمار جزئي على أنقاض منازلها المدمّرة لتكون صالحة للسكن بالحد الأدنى، في ظل عجزها عن إعادة البناء الكامل أو تحمّل تكاليف الإيجارات المرتفعة، ما يعكس حجم الضائقة السكنية التي تعيشها المدينة.
كما اشترت عائلات كرفانات صغيرة بمبالغ مالية وصلت إلى 8 ملايين ليرة سورية، وبنت حمّاما صغيرا إلى جانبها لاستخدامها كمساكن مؤقتة. وبحسب الدوس، فإن هذه الكرفانات لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، ولا توفّر الحد الأدنى من مقومات السكن اللائق، لكنها تبقى خياراً اضطرارياً فرضته أزمة الإيجارات وغياب البدائل السكنية المناسبة.
Loading ads...
وفي ظل استمرار أزمة السكن وغياب الحلول الجذرية، تبقى مئات العائلات في المدينة عالقة بين ارتفاع الإيجارات وضيق الخيارات، ما يضعها أمام تحديات معيشية متفاقمة. ومع تصاعد المطالبات الشعبية بتدخل الجهات المعنية وضبط السوق السكني، يظل الأمل معقوداً على تحريك عجلة الاستثمار والإعمار، وتبنّي خطط إسكان عاجلة تُخفف من معاناة السكان وتُعيد شيئاً من الاستقرار المعيشي إلى المدينة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




