في خطوة قد توسع مستقبل العلاج المناعي لسرطانات الدم الشرسة، أظهرت تجربة سريرية أن زرع خلايا جذعية معدلة جينياً يمكن أن يحمي الخلايا السليمة من آثار علاجات موجهة ضد السرطان، مع الحفاظ على قدرة الزرع على إعادة بناء الدم.
وتطرح النتائج المنشورة في دورية Nature Medicine نهجاً جديداً، قد يساعد مستقبلاً في جعل علاجات مثل خلايا "كار-تي" أكثر أماناً وفاعلية ضد اللوكيميا النخاعية الحادة ومتلازمة خلل التنسج النقوي.
تعد زراعة الخلايا الجذعية، في كثير من سرطانات الدم عالية الخطورة، واحدة من الخيارات القليلة التي قد تمنح المرضى فرصة للشفاء، لكنها ليست علاجاً مضموناً فحتى بعد الزرع، قد يعود السرطان مرة أخرى، خصوصاً في أمراض عدوانية مثل اللوكيميا النخاعية الحادة ومتلازمة خلل التنسج النقوي.
يسعى الباحثون منذ سنوات إلى تطوير علاجات تُستخدم بعد عمليات الزرع للحد من خطر انتكاس المرض، إلا أن التحدي يكمن في أن العديد من الأهداف الموجودة على الخلايا السرطانية تتواجد أيضاً على خلايا الدم السليمة، ما يجعل توظيف العلاج المناعي عملية معقدة قد تؤدي إلى مهاجمة الخلايا الطبيعية إلى جانب الخلايا المصابة.
حققت علاجات "كار-تي" نجاحات مهمة في بعض سرطانات الدم، إذ تقوم الفكرة على تعديل خلايا مناعية لتتعرف على بروتين محدد في سطح الخلايا السرطانية وتهاجمها. غير أن تطبيق هذا النهج على سرطانات نخاعية مثل اللوكيميا النخاعية الحادة ظل أكثر تعقيداً، لأن البروتينات التي يمكن استهدافها على الخلايا السرطانية تظهر أيضاً على خلايا نخاعية سليمة، بما في ذلك الخلايا الجذعية المانحة المستخدمة في الزرع.
وبحسب ما أوضحه الباحثون في كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس، فإن مهاجمة هذه الأهداف قد تؤدي إلى تدمير خلايا الدم السليمة إلى جانب السرطان، ما يسبب سمية شديدة ونقصاً خطيراً في خلايا الدم، وربما يطلق سلسلة التهابات خطرة. كما أن انشغال الخلايا المناعية بمهاجمة خلايا سليمة تحمل الهدف نفسه قد يضعف قدرتها على القضاء على الخلايا السرطانية المتبقية.
الفكرة التي اختبرتها الدراسة الجديدة تقوم على "حماية" الخلايا السليمة أولاً، فإذا أمكن حذف البروتين المستهدف من خلايا المتبرع الجذعية قبل زرعها، فستصبح هذه الخلايا غير مرئية للعلاج المناعي الموجه ضد ذلك البروتين، بينما تبقى الخلايا السرطانية التي تحمل البروتين هدفاً واضحاً للهجوم.
ركز الباحثون على بروتين يسمى CD33، وهو هدف مهم في اللوكيميا النخاعية الحادة وبعض حالات متلازمة خلل التنسج النقوي.
ويعد هذا البروتين جذاباً من الناحية العلاجية، لأنه يظهر على خلايا تكوين الدم، ولا يوجد في أنسجة الجسم الأخرى، كما أن هناك دلائل على أنه ليس ضرورياً لوظيفة الخلايا الجذعية الدموية، إذ يولد أشخاص من دون CD33، ولا تظهر عليهم مشكلات صحية واضحة.
في التجربة السريرية متعددة المراكز من المرحلتين الأولى والثانية، خضع 30 مريضاً بالغاً مصابين بسرطان الدم النخاعي الحاد أو متلازمة خلل التنسج النقوي، وجميعهم معرضون لخطر مرتفع لانتكاس المرض، لعمليات زرع خلايا جذعية من متبرعين بعد تعديلها وراثياً باستخدام تقنية "كريسبر" لإزالة بروتين CD33 قبل الزرع.
وأطلق على منتج الخلايا الجذعية المعدلة اسم "تريمتيليكتوجين إمبوجيديتيمسيل"، وأجريت التجربة في مركز "سايتمان" للسرطان التابع لمستشفى "بارنز-جويش" وكلية طب جامعة واشنطن، إلى جانب 14 موقعاً آخر في الولايات المتحدة وكندا.
وكان الهدف الأول هو اختبار ما إذا كانت الخلايا المعدلة تستطيع الانغراس في نخاع العظم والعمل بصورة تشبه الزرع التقليدي، وما إذا كان حذف CD33 قد يخفف السمية عند استخدام علاج لاحق يستهدف هذا البروتين.
أظهرت النتائج أن جميع المرضى حققوا انغراس الخلايا الجذعية المزروعة بحلول اليوم الثامن والعشرين بعد الزرع، أي أن الخلايا وصلت إلى نخاع العظم، وبدأت إنتاج خلايا الدم.
وحقق بعض المرضى هذا الهدف في وقت أبكر، بينما عاد إنتاج الصفائح الدموية في المتوسط بحلول اليوم السادس عشر. وتقول الدراسة إن هذه الفترات الزمنية قابلة للمقارنة مع ما يٌرى عادة في عمليات زرع الخلايا الجذعية التقليدية.
وبلغ متوسط البقاء على قيد الحياة في الدراسة أكثر قليلاً من 14 شهراً، وتلقى 19 مريضاً على الأقل دورة واحدة من علاج موجه ضد CD33 ضمن بروتوكول لتصعيد الجرعة، ما سمح للباحثين بتحديد الجرعة الموصى بها.
وكان العلاج المستخدم هنا هو "جيمتوزوماب أوزوجاميسين" وهو جسم مضاد مهندس يستهدف CD33، ويحمل دواء مضاداً للسرطان، ومعتمد لعلاج اللوكيميا النخاعية الحادة الإيجابية لـCD33، كما يخضع للتجارب في متلازمة خلل التنسج النقوي الإيجابية لهذا البروتين.
ويقول الباحثون إن أهمية الدواء هو مساعدته في منع الانتكاس، لكن استخدامه بعد الزرع التقليدي محدود، بسبب قدرته على إحداث سمية كبدية وإضرار بخلايا الدم، بما في ذلك انخفاضات خطرة في كريات الدم البيضاء والحمراء والصفائح.
وفي التجربة الجديدة، حافظ المرضى على تعداد خلايا الدم عبر الجرعات المختلفة، وهو ما يشير إلى أن زرع الخلايا الجذعية المحذوف منها CD33 ربما وفر حماية من الانخفاضات الشديدة المعتادة في خلايا الدم عند استخدام هذا النوع من العلاج.
يرى المؤلف المشارك في الدراسة جون ديبيرسيو، أستاذ الطب بجامعة واشنطن، أن النتائج مشجعة؛ لأنها تظهر أن زرع الخلايا الجذعية المحذوف منها CD33 يبدو قريباً في نتائجه من الزرع القياسي، مع إمكانية فتح الطريق أمام دمجه مستقبلاً مع علاجات مناعية تستهدف CD33، مثل خلايا "كار-تي".
ووفقاً لتفسيره، فإن هذه المقاربة قد تعالج مشكلة قديمة في المجال تتعلق بكيفية توجيه العلاج المناعي نحو السرطان، من دون تدمير الخلايا الجذعية السليمة التي يحتاجها المريض لإعادة بناء جهازه الدموي.
كما أشار الباحثون إلى حالة فريدة نشرت سابقاً لمريض مصاب بنوع شديد الخطورة من اللوكيميا النخاعية الحادة، تلقى زرع خلايا جذعية محذوفة CD33، ثم عولج بعد الانتكاس بخلايا "كار-تي" موجهة ضد CD33 مأخوذة من المتبرع نفسه.
وتعافى المريض، وبقي خالياً من السرطان لأكثر من عام بعد العلاج، مع عودة إنتاج خلايا الدم بصورة طبيعية، وكلها خالية من CD33، ما دعم فكرة أن الخلايا المعدلة استطاعت الاستقرار في نخاع العظم.
لم تكن التجربة خالية من المخاطر، فقد ظهرت آثار جانبية شبيهة بما يرى في عمليات زرع الخلايا الجذعية التقليدية، منها فقر الدم، وانخفاض الصفائح، والحمى، والعدوى، ومرض الطعم ضد المضيف، وهي حالة تهاجم فيها خلايا المتبرع أنسجة المريض السليمة.
وتوفي 7 مرضى خلال الدراسة، 4 منهم بسبب تقدم السرطان، و3 لأسباب مرتبطة بالزرع، شملت الفشل الكلوي والسمية الكبدية والإنتان.
وتوضح هذه النتائج أن النهج الجديد لا يلغي المخاطر المعروفة لزرع الخلايا الجذعية، لكنه قد يقدم وسيلة لتقليل نوع محدد من السمية المرتبطة بالعلاجات الموجهة ضد CD33 بعد الزرع.
تضع الدراسة أساساً مهماً لفكرة "العلاج المزدوج المتوافق"، والذي يتم عن طريق زرع خلايا جذعية معدلة جينياً لا تحمل هدفاً معيناً، ثم استخدام علاج مناعي يهاجم هذا الهدف على الخلايا السرطانية المتبقية.
وإذا ثبتت هذه المقاربة في دراسات أكبر، فقد تسمح بتوسيع استخدام العلاجات المناعية في سرطانات كانت صعبة الاستهداف سابقاً، مثل اللوكيميا النخاعية الحادة ومتلازمة خلل التنسج النقوي.
لكن النتائج ما تزال مبكرة. فالدراسة شملت 30 مريضاً فقط، وكانت مصممة أساساً لاختبار السلامة والجدوى وتحديد الجرعات، لا لإثبات تفوق العلاج على الزرع التقليدي أو تحسين البقاء بصورة نهائية. كما أن الدمج الكامل مع خلايا "كار-تي" الموجهة ضد CD33 لا يزال بحاجة إلى تجارب سريرية أوسع.
مع ذلك، تكشف النتائج عن اتجاه متقدم في علاج السرطان، فبدلاً من تعديل الخلايا المناعية فقط لتهاجم الورم، يمكن تعديل الخلايا السليمة نفسها كي تصبح محمية من الهجوم العلاجي.
Loading ads...
وإذا نجح هذا المبدأ، فقد يفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات التي تجمع بين الزرع والتحرير الجيني والعلاج المناعي، بهدف القضاء على السرطان بدقة أكبر، مع ترك خلايا الدم السليمة قادرة على إعادة بناء حياة المريض.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




