طهران – رغم نجاح طهران في تأمين المواد الغذائية والدواء خلال حربي الـ12 يوما ورمضان، بيد أن استمرار الحصار البحري وإغلاق العديد من الدول أجواءها ومطاراتها بوجه الطائرات الإيرانية مؤخرا وتباطؤ حركة الشاحنات عند المعابر البرية، أثار قلق شريحة من الإيرانيين ودفعهم إلى تغيير سلوكهم اليومي لتخزين كميات من المواد الغذائية والدواء خشية إحكام الحصار على بلادهم.
لم يأت القلق هذا من فراغ، فتصاعد الصراع الأمريكي الإيراني في طريقه لعرقلة ما تبقى من مسارات التوريد بعد تجميده تحويل الأموال بين طهران والعواصم الأخرى، ما أفضى إلى موجات غلاء غير مسبوقة، وهو ما حدا بالرئيس مسعود بزشكيان إلى تسجيل -على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة– اعتراضه على الحصار الأمريكي الذي "يمنع وصول الدواء والغذاء للشعب الإيراني ".
وتحولت طهران خلال العقد الأخير من مصدر إقليمي مهم للمنتجات الزراعية والغذائية إلى أحد المستوردين الرئيسيين لها، لا سيما مع تشديد العقوبات الأمريكية عليها، حيث دخل الميزان التجاري للسلع التي ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي النطاق السلبي.
وقامت الجزيرة نت بجولة ميدانية في طهران للوقوف على ما يعيشه الإيرانيون في ظل الحصار وكيفية تعاطيهم مع المرحلة المقبلة التي تزداد قتامة كل يوم، وذلك على وقع التصريحات الدبلوماسية الموحية -وفق مراقبين- بقرب طي نافذة المبادرات والوساطات السياسية قبيل جولة جديدة من التوتر.
وفي الأسواق، لا تبدو أرفف المتاجر فارغة بعد، لكن عيون المتسوقين تتحرك بقلق لا سيما عقب دعوات نشرت على منصات التواصل بضرورة تخزين كميات من المواد الغذائية تكفي لأيام، استعدادا لجولة جديدة من الصراع.
وفي أحد مراكز التسوق، كان علي (51 عاما) يملأ عربته بأكياس الأرز والدقيق والمعكرونة والبقوليات والزيت والمعلبات، مؤكدا أنه لم يقدم من قبل على مثل هذه الخطوة إلا "بعد أن أيقنت بأن العدو في طريقه لتجويع الشعب الإيراني لتثويره ضد النظام.. هذه ليست حربا بالمعنى التقليدي بل تستهدف الشعب للضغط على السلطات.. علينا أن نستعد لأي طارئ ".
وأكد للجزيرة نت أن تعطيل الرحلات الجوية إلى بعض دول الجوار أوقف استيراد بعض أصناف الدواء وسماعات الهواتف المحمولة ما أدى إلى ارتفاع أسعارها مؤخرا في الأسواق.
بدوره، يقول الحاج بسنديدة (71 عاما)، صاحب بقالة في طهران، إنه على يقين من امتلاء مستودعات السلع الأساسية الإستراتيجية في الوقت الراهن، لكن المشكلة تكمن في الارتفاع اليومي للأسعار بفعل تراجع قيمة العملة الوطنية، ما يدفعه إلى شراء كميات أكبر قبل ارتفاعها مجددا.
وفي حديثه للجزيرة نت، قال إنه يقيّد بيع زيت الطهي في بعض الأيام بقنينة واحدة لكل زبون، لإتاحة الكميات المتوفرة للآخرين، مؤكدا أن أيا من المواد الأساسية لم ينفد حتى الآن. وأوضح أن نفاد بعض المواد الغذائية مؤقتا يعود أحيانا إلى ارتفاع مفاجئ في الطلب، ولا يستمر عادة أكثر من ساعات أو يوم على أقصى تقدير.
وخلال زيارة الجزيرة نت إلى عدد من الصيدليات جنوبي العاصمة طهران، كان أول ما يلفت الانتباه هو نفاد حليب الأطفال في بعضها إلى جانب العشرات من الأصناف الدوائية الأخرى، ورغم تأكيد المسؤولين توفر أصناف مشابهة، فإنهم أعربوا عن قلقهم بسبب تزايد أعداد الزبائن الذين يبحثون عن حليب للرضع دون جدوى.
وأوضحت مهسا (23 عاما) إحدى العاملات في الصيدلية أن "الأدوية المستوردة تختفي بسرعة ويأتي الناس مؤخرا لشراء بعض الأصناف قبل حاجتهم إليها خشية نفادها مستقبلا "، مؤكدة – للجزيرة نت – أن السلطات الصحية "أطلقت برامج ذكية لرصد الكميات وأنواع العلاج الذي يشتريه كل مواطن ".
وتواصلت الجزيرة نت مع مهران (59 عاما) أحد مزارعي التفاح في محافظة "كهكلوية وبوير أحمد " وسط البلاد، الذي أكد أن "ما حصل هذا العام تزامنا مع موسم قطف الثمار لم يكن بالحسبان.. لم أبع سوى ثلث من المحصول في السوق الداخلية فقط لأن التجار لم يستطيعوا تصديره للخارج ".
وأوضح أن بعض دول الجوار أوقفت التبادل التجاري مع إيران خلال الأشهر الأخيرة و "لم تعد تستقبل بضاعتنا كما كانت تفعل في السنوات الماضية، وحتى الدول التي ما زالت تتعامل معنا صار عبور الشاحنات إليها بطيئا جدا. والشاحنة التي كانت تعبر الحدود في يوم تحتاج الآن إلى أيام طويلة، والثمرة التي كانت تعبر في وقتها تصل الآن تالفة.. الحصار لم يغلق البحر والجو فحسب بل أيضا الطرق البرية، لكن بشكل غير معلن ".
يبدو أن التحول كذلك هذه الأيام نفسي، حيث دار حوار بين الجزيرة نت وعدد من المارة في شارع ولي عصر، حول: جولة جديدة من الحرب قادمة لا محالة والحصار البحري والجوي ليس سوى مقدمة لإحكام الحصار على البلاد. مطالبين بضرورة تحرك الدولة لكسره قبل أن يصبح واقعا غير قابل للمساومة.
في حين تحول مطلب "صناعة القنبلة الذرية " من هامش النقاش السياسي لدى الأوساط النخبوية في الصحافة الفارسية الرسمية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الشارع.
ويقول الشاب فرزين (27 عاما) وهو طالب الدراسات العليا بجامعة أمير كبير الصناعية، إنه كان يريد حلحلة الملف النووي الإيراني سياسيا لكن "بعد تهديد الجانب الأمريكي بشكل علني بإبادة إيران، بدأت أسأل نفسي: إذا كان الحصار والتهديدات والحروب تتواصل على بلادنا فلماذا لا نمتلك سلاحا نوويا يردع العدو؟ ".
وأضاف للجزيرة نت أنه كان ضد القنبلة النووية في السابق، لكن بعد كل ما حدث لبلاده يرى أن الطريق الوحيد لإنقاذها هو تعزيز الردع النووي، "إذا كانت أمريكا وإسرائيل تريدان إبادتنا وتهددان بشن الحروب علينا بين الفينة والأخرى فالمنطق يقول: علينا أن نحمي أنفسنا. هناك دول تمتلك أسلحة ذرية ولم تُهاجَم ولا تُحاصَر.. الأطراف التي تهاجمنا تمتلكها. لماذا نحن ممنوعون؟ ".
وعلى ضوء تزايد التحليلات في وسائل الإعلام الرسمية التي تطالب بمراجعة العقيدة النووية، يرى الباحث السياسي علي رضا تقوي نيا أنه "لا أفق للتفاهم مع المحور الصهيوأمريكي والحرب قادمة "، مؤكدا أن الوساطات الإقليمية بين طهران وواشنطن محكومة بالفشل لأن الحد الأدنى لمطالب الطرفين متباعد بشكل جذري.
وعن التحول في الرأي العام نحو المطالبة بامتلاك السلاح النووي، يقول للجزيرة نت إنه ناتج عن إدراك أن أمريكا وإسرائيل لا تضعان أي خط أحمر في استهداف إيران ومسؤوليها وبنيتها التحتية، وإن الشيء الوحيد الذي يردعهما هو مستوى الردع المتناسب، مؤكدا أن "الإيرانيين يعتقدون أن إسرائيل لديها مشكلة وجودية مع بلادهم وقد تستخدم السلاح النووي ضدها في أي لحظة ".
ويتوقع تقوي نيا "تصعيدا متدرجا " خلال المرحلة المقبلة، وبالنظر إلى التطورات الراهنة في مضيق هرمز وباب المندب وأوضاع المعسكرين السياسيين الداعمين لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة، يرى أن "المواجهة قادمة وأن "إيران استعدت لها.. نتوقع عمليات مركبة ومتزامنة، مع التحرك نحو إكمال الحصار وإغلاق الطرق البرية، إن تمكنوا من ذلك ".
Loading ads...
وختم بالقول إنه "إذا استخدم العدو سلاحا نوويا تكتيكيا ضد بعض المنشآت، مثل جبل الفأس، سيكون رد إيران "عسكريا فوريا وتحولا نحو تغيير العقيدة النووية "، مستدركا أن بلاده قد تكون غيرت بالفعل عقيدتها النووية بعد طردها مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكدا أن "سياسة الغموض النووي هي خيار إستراتيجي متعمد في الوقت الراهن ".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





