31 دقائق
بين الجفاف وعودة المهاجرين.. هل تستطيع الزراعة الأفغانية توفير فرص عمل؟
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

أطلق الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) مؤخرا مبادرة بقيمة 5 ملايين يورو (نحو 5.74 ملايين دولار)، تستهدف دعم المزارعين والشركات الزراعية في أفغانستان، وربط المنتجين بالأسواق، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة الصدمات المناخية والاقتصادية.
تشمل المبادرة الأسر الضعيفة وبينها العائدون والنازحون، مع اهتمام خاص بالنساء والشباب، كما تستهدف مناطق تعاني انعدام الأمن الغذائي والمخاطر المناخية وضعف الفرص الاقتصادية.
تأتي هذه المبادرة في الوقت الذي تواجه فيه الزراعة الأفغانية نقصا متزايدا في المياه وتداعيات الجفاف وتغير المناخ، إضافة إلى عودة مئات الآلاف من الأفغان من إيران وباكستان، وجد كثير منهم أنفسهم أمام تحديات العمل والدخل والاستقرار من جديد.
وتنص المبادرة على إنشاء 4 مراكز للخدمات الزراعية تربط المزارعين ورواد الأعمال الريفيين بالخدمات المتخصصة والشركات والأسواق، إلى جانب تشجيع استخدام ممارسات وتقنيات زراعية محسَّنة، وإتاحة تحليلات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) المتعلقة بالمناخ ومعلومات الإنذار المبكر لمساعدة المزارعين على اتخاذ قرارات الإنتاج والتسويق.
كما تشمل استعادة نحو ألفي هكتار من الغابات والمراعي المتدهورة، ودعم 250 مشتلا تقودها النساء والمجتمعات المحلية، فضلا عن تقديم منح مطابقة ومشورة فنية وتجارية لشركات زراعية وغذائية قائمة لديها قابلية للتوسع.
من جانب الفاو، لا يقتصر المشروع الأوروبي الجديد على تقديم مدخلات زراعية للمزارعين، وإنما يضع الوصول إلى السوق والشركات الزراعية في صلب المبادرة.
ويقول ممثل الفاو في أفغانستان ريتشارد ترينشارد إن المنظمة تتجه من البرامج الإنسانية إلى مقاربات أكثر استدامة، بعدما أظهرت شركات القطاع الزراعي والغذائي قدرة على النمو وخلق فرص العمل وربط المزارعين بالأسواق رغم صعوبة البيئة.
ويضيف أن التعاون مع الاتحاد الأوروبي يهدف إلى ربط المزارعين بالمعرفة والخدمات والأسواق التي يحتاجون إليها، وفي الوقت نفسه مساعدة الشركات الزراعية على الاستثمار والتوسع.
وحسب ترينشارد، فإن قدرة المزارع على الإنتاج بثقة، ونمو الشركات، ووصول المنتجات إلى الأسواق، كلها عوامل تشكل حلقات مترابطة يمكن من خلالها أن تصبح الزراعة محركا للتعافي والصمود الاقتصادي.
أما القائم بأعمال الاتحاد الأوروبي في أفغانستان نيكولا بيلومو فيقول إن إسهام الاتحاد في المشروع يعكس التزامه بالأمن الغذائي والتمكين الاقتصادي للأفغان.
ويرى أن الإمكانات الزراعية لأفغانستان ما زالت أقل من مستوى الاستفادة الممكنة منها، في وقت يقيد فيه التعرض الشديد للمخاطر المناخية قدرة القطاع على التطور.
ويشير إلى أن الشراكة مع الفاو تستهدف تعزيز خدمات الإرشاد الزراعي، وتنمية إمكانات نمو الشركات الزراعية، وتشجيع الحلول المبتكرة القائمة على الطبيعة، وتحسين المعرفة والتحليل القائم على الأدلة.
كانت الأمم المتحدة قد أطلقت -في مايو/أيار الماضي- خطة استجابة للعائدين بقيمة 529 مليون دولار، تستهدف 2.7 مليون أفغاني قُدّر في ذلك الوقت أنهم قد يعودون من إيران وباكستان، ووفق أحدث بيانات الفاو المتاحة، عاد نحو 2.65 مليون أفغاني إلى البلاد بحلول أواخر يوليو/تموز الماضي.
وتكشف أرقام سوق العمل حجم التحدي بسبب عودة هذا العدد الكبير من الأفغان إلى بلادهم. فقد سجلت لجنة توفير فرص العمل للعائدين أكثر من 166 ألف فرد من أصحاب المهارات والعمال غير المهرة الذين يبحثون عن فرص عمل، بينما جرى توفير وظائف لنحو 7 آلاف منهم حتى فبراير/شباط 2026، مع تدريب 6141 عائدا في المجالات الفنية والمهنية، وإحالة 2000 اسم إلى دوائر حكومية، وتوفير 772 فرصة عمل في المدن الصناعية بالتعاون مع القطاع الخاص.
ويرى الخبير الاقتصادي أسد الله سادات أن العائدين لا يدخلون سوق العمل جميعا بالمهارات نفسها، لكنَّ بينهم أشخاصا يمتلكون خبرات اكتسبوها في سنوات من العمل في إيران وباكستان، ويمكن الاستفادة منها إذا توفرت البيئة الاقتصادية المناسبة.
ويشير سادات -في مقابلة مع الجزيرة نت- إلى وجود عائدين يمتلكون خبرات في الزراعة وتربية المواشي والبناء والحرف والصناعات الصغيرة والتجارة والخدمات، وأن المشكلة لا تكمن دائما في غياب المهارة، بل في غياب رأس المال الصغير والمعدات والتدريب الفني والوصول إلى السوق.
ويقول إن دمج هؤلاء في الاقتصاد المحلي يحتاج إلى مسارات عملية، تبدأ بتقييم مهاراتهم ثم توفير التدريب الذي يتوافق مع احتياجات السوق، إلى جانب منح صغيرة أو قروض ميسرة تمكنهم من شراء الأدوات والمعدات وبدء نشاط اقتصادي.
وفي القطاع الزراعي، يرى سادات أن الفرص لا تقتصر على العمل في الحقول، فهناك سلسلة واسعة من الأنشطة تبدأ بالإنتاج وتربية المواشي، وتمتد إلى التخزين والنقل والتصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف والتسويق والخدمات الزراعية.
ويرى سادات أن دعم هذه الأنشطة بالمعدات والتمويل والتدريب والمساعدة التسويقية يمكن أن يضع جانبا من العائدين على الطريق لنشاط منتج.
ويوضح أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن في الوقت نفسه أن ترفع دخول الأسر وتخلق طلبا على عمالة أخرى، وتسهم في تقليل الاعتماد على الواردات.
لم تأت مبادرة الاتحاد الأوروبي والفاو من فراغ، فالقطاع الزراعي الأفغاني يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد المائية المتاحة وعلى قدرة المزارعين على الوصول إلى البذور والأسمدة والتقنيات الحديثة والأسواق.
وتقول الفاو إن نحو 80% من سكان أفغانستان يعتمدون على الزراعة للحصول على الغذاء والدخل، في بلد يواجه في الوقت ذاته أزمة غذائية ومخاطر مناخية متزايدة.
وقال نائب وزير الزراعة والري والثروة الحيوانية صدر أعظم عثماني للجزيرة نت إن القطاع تأثر في السنوات الماضية بالحرب والكوارث الطبيعية وتغير المناخ، إلى جانب النقص في بعض الجوانب الفنية والتقنية.
ويضع عثماني دعم المزارعين في مقدمة الاحتياجات، بما يشمل توفير البذور المحسَّنة والمعتمدة، وتطوير البحوث الزراعية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، ورفع القدرات الفنية، وتحسين إدارة مياه الري.
ويربط المسؤول بين رفع الإنتاجية وتعزيز الأمن الغذائي والإنتاج المحلي، مع ضرورة تحسين وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق وتوسيع فرص التصدير.
ويضيف عثماني أن وزارة الزراعة لديها قدرة على توفير فرص عمل للعائدين في مجالي الزراعة والثروة الحيوانية، ويمكنها في ظروف معيَّنة توفير الموارد المالية اللازمة لهم، مشيرا إلى أن عائدين من إيران وباكستان يمتلكون مهارات في الزراعة وتربية المواشي، وأن هناك أيضا فرصا في إنتاج الدواجن والأسماك ومنتجات الألبان.
في الوقت الذي يبحث فيه المزارعون عن مصادر مياه إضافية، يبرز خطر آخر يتعلق باستنزاف المياه الجوفية المتاحة حاليا.
وفي ولاية غزني، حذر مهندس إدارة الموارد المائية سيد يحيى سروش من أن الاستخراج المفرط وغير الضروري للمياه الجوفية يمكن أن يؤدي إلى انخفاض سريع في مخزونها.
ويقول سروش للجزيرة نت إن المياه الجوفية تراكمت على مدى فترات طويلة، وإن الإفراط في استخدامها يجعل عودتها إلى مستوياتها السابقة في سنوات قليلة أمرا صعبا. ويحذر من أن استمرار الوضع الحالي يمكن أن يدفع سكان بعض المناطق إلى مغادرتها بسبب فقدان مصادر المياه.
ولا يرى سروش أن استخدام الطاقة الشمسية لضخ المياه يمثل حلا مستقلا للمشكلة، إذ إنه مع انخفاض تكلفة تشغيل المضخات الشمسية، يمكن أن يتزايد ضخ المياه الجوفية إذا لم يخضع للاستخدام المنظم والرقابة.
ويقترح سروش وضع سياسات واضحة لإدارة الموارد المائية ومراقبة الآبار التي تعمل بالطاقة الشمسية، حتى لا يؤدي استخدامها إلى استنزاف مصادر المياه الطبيعية.
أما السدود، بما فيها الصغيرة، فيرى أنها يمكن أن تؤدي دورا في الحد من السيول وتعزيز تغذية المياه الجوفية بالقرب منها، لكنها لا تستطيع توفير المياه لجميع الأراضي الزراعية، ومن ثم لا يمكن الاعتماد عليها وحدها بوصفها حلا شاملا لمشكلة المياه.
ويقول محمد علي -وهو مزارع في مديرية خواجة عمري بولاية غزني- للجزيرة نت إن توفير البذور المحسَّنة وعالية الإنتاج والأسمدة المطابقة للمواصفات في الوقت المناسب يمكن أن يقلل الخسائر المرتبطة بتغير المناخ ويرفع الإنتاج الزراعي.
وطالب علي بمشروعات أساسية لإدارة المياه، خصوصا بناء السدود الصغيرة والسدود الترابية، التي يمكن أن تساعد في تخزين مياه الأمطار وذوبان الثلوج، ورفع مستوى المياه الجوفية، والحفاظ على الأراضي الزراعية.
ويؤكد أن الآبار العميقة وحدها لا تمثل حلا للمشكلة، وأن إدارة المياه بأساليب صحيحة أصبحت ضرورة لاستمرار الزراعة.
وتُظهر بيانات محلية أن غزني من الولايات التي يعتمد سكانها بدرجة كبيرة على الزراعة والثروة الحيوانية، في حين يقول مسؤولون في الولاية إن مشروعات للسدود الصغيرة وإدارة المياه يجري تنفيذها أو التخطيط لها، إلى جانب التوسع في تقنيات الري بالتنقيط للحفاظ على المياه.
لا يرى خبراء الزراعة أن التعامل مع الجفاف يقتصر على زيادة مصادر المياه، بل يشمل أيضا تغيير بعض أنماط الزراعة واختيار المحاصيل التي تتناسب مع الظروف المناخية الجديدة.
ويقول الأستاذ في كلية الزراعة بجامعة كابل حبيب الله طاهري للجزيرة نت إن تغير المناخ والجفاف تركا آثارا سلبية على الزراعة في هرات ومناطق مختلفة من أفغانستان.
ويشير إلى أن بعض المناطق شهدت أمطارا في الموسم الحالي، لكنها لم تكن كافية لتعويض النقص المائي المتراكم.
وفي ظل هذه الظروف، يرى طاهري أن زراعة الأشجار والمحاصيل الأقل احتياجا إلى المياه يمكن أن تساعد القطاع الزراعي على التكيف مع تغير الظروف المناخية، مشيرا إلى الفستق بوصفه من الأشجار التي تحتاج إلى كميات أقل من المياه مقارنة بكثير من المحاصيل الزراعية.
ويرى طاهري أن هذه الخيارات يمكن أن تكون مناسبة خصوصا في المناطق الجافة وشبه الجافة، إذ أصبح نقص المياه عاملا رئيسيا في تحديد ما يستطيع المزارع زراعته والاستمرار فيه.
وتشير بيانات زراعية في ولاية هرات غربي أفغانستان إلى توسع زراعة الفستق، إذ أقيمت نحو 2500 هكتار من البساتين في أجزاء مختلفة من الولاية، في حين يرى مختصون أن المحصول أصبح أكثر جذبا للمزارعين بسبب احتياجه النسبي إلى كميات أقل من المياه.
وفي ولاية غور، لا يتحدث المزارعون عن تغير المناخ بوصفه مشكلة مستقبلية، بل عن خسائر حدثت بالفعل.
ويقول عبد القاسم (42 عاما) -وهو مزارع من مديرية دولينة بولاية غور- للجزيرة نت إنه زرع في أحد المواسم أكثر من 200 سير (نحو 1400 كيلوغرام) من القمح والشعير والحمص، لكن الجفاف ونقص المياه دمرا محاصيله.
ويقول إن الأمطار التي كانت تكفي في السابق لزراعة الأرض لم تعد موجودة بالكميات نفسها، وإنه حتى المحاصيل القليلة التي نمت احترقت بسبب الحرارة.
وبالنسبة له، لا تمثل الزراعة مجرد مهنة، بل مصدر معيشة أسرته. ومع فقدان المحصول وعدم وجود مياه للري، أصبح يواجه صعوبة في معرفة كيفية تأمين احتياجات أسرته والاستمرار في الزراعة.
ويطالب عبد القاسم الحكومة الأفغانية والمنظمات الزراعية بمساعدة المزارعين في الوصول إلى مصادر المياه وتوفير الأدوات والتقنيات الزراعية الحديثة حتى يتمكنوا من استعادة قدرتهم على الإنتاج.
ولا تزال التجربة اليومية للمزارعين والعائدين تختصر جانبا كبيرا من التحدي. فعبد القاسم في غور يبحث عن المياه بعد خسارة محصوله، ومحمد علي في غزني يطالب بالسدود الصغيرة والبذور المحسَّنة، في حين يبحث رمضان سمندري -بعد عودته من إيران إلى غور- عن عمل مستقر يستطيع من خلاله استعادة مصدر دخله.
وفي المقابل، تحاول المبادرة الأوروبية والأممية دعم المزارعين والشركات والأسواق في مسار واحد، عبر الخدمات الزراعية والمنح والاستثمار واستصلاح الأراضي وربط المنتجين بالشركات والأسواق.
ولا تحدد المبادرة رقما إجماليا للوظائف التي ستوفرها، لكنها تستهدف توسيع نشاط الشركات الزراعية والغذائية، وزيادة شراء المنتجات المحلية، وتطوير خدمات التصنيع والخدمات المرتبطة بالقطاع، بما يمكن أن يخلق فرص عمل في المناطق الريفية.
Loading ads...
ومع استمرار عودة الأفغان، وتزايد الحاجة إلى مصادر دخل وفرص عمل، تبقى قدرة القطاع الزراعي مرتبطة بقدرة المزارعين على الوصول إلى المياه والمدخلات الزراعية، وقدرة الشركات على التصنيع والتسويق، وقدرة السوق على استيعاب الإنتاج والعمالة الجديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

من المائدة إلى الوسادة.. ماذا تفعل الألياف بنومك؟
منذ دقيقة واحدة
0



