29 دقائق
ما هو مشروع "ممر داود" الذي قد يشقّ سوريا ويشعل الصراع التركي الإسرائيلي؟ - رصيف22
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

لم تعُد المنافسة على سوريا والعراق محصورةً في السيطرة على الأرض، بل انتقلت إلى الطرق التي ستحدّد اتجاه التجارة والطاقة والربط الإقليمي. فمن الجولان وشرق سوريا وصولاً إلى العراق، تتقاطع حسابات إسرائيل وتركيا حول جغرافيا تتحول تدريجياً إلى عقدة رئيسية في رسم خريطة النفوذ الجديدة.
ويبرز مشروع "ممر داود"، الذي يمتدّ من الجولان السوري الذي تحتله إسرائيل إلى المناطق الكردية في شمال شرق سوريا وإقليم كردستان العراق، ضمن التصوّرات المتداولة لإعادة وصل هذه الجغرافيا، في وقت تعمل فيه تركيا على تثبيت حضورها العسكري والاقتصادي في سوريا، وتطوير مسارات تجارية تربطها بالعراق وأوروبا.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى أيّ تمركز عسكري تركي واسع في سوريا باعتباره تطوراً يمكن أن يفرض واقعاً جديداً في مناطق تتحرك فيها الحسابات الإسرائيلية، لذا تسعى إلى الحدّ من قدرة أنقرة على الحفاظ على موقعها كحلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا، وفتح مسارات تجارية بديلة يمكن أن تقلّل من أهمية الأراضي التركية كممر رئيسي للتجارة والربط الإقليمي بين آسيا وأوروبا.
أما القلق التركي، فمبعثه أن يؤدي تمدّد مسار نفوذ إسرائيلي من الجولان عبر جنوب وشرق سوريا باتجاه العراق، إلى تقليص هامش الحركة التركية وتهديد مصالحها الأمنية والتجارية.
تكمن أهمية "ممر داود" حسب الخبير في شؤون الطاقة والسياسة الدولية، الدكتور همام حيدر، في موقعه المحتمل ضمن شبكة الممرات الجديدة.
ويوضح حيدر في حديثه إلى رصيف22، أنّ الجغرافيا الممتدة بين إسرائيل والأردن وسوريا والعراق تقع بين مناطق إنتاج الطاقة في الخليج والعراق وبين البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، وربط هذه الجغرافيا بشبكة طرق ومعابر مستقرة يمكن أن يفتح مساراً برّياً جديداً أمام حركة التجارة والطاقة.
وينوّه بأنّ "العراق يعمل على تنويع مخارج الطاقة، بالتوازي مع استمرار التصدير عبر تركيا وميناء جيهان"، مشيراً إلى أنّ شرق سوريا أصبح جزءاً من النقاش حول مستقبل طرق الطاقة العراقية، خصوصاً مع طرح مسارات تصل العراق بالمتوسط عبر الأراضي السورية.
القلق التركي لا يتمثل في خروج النفط العراقي من الأراضي التركية، بحسب ما يحذّر، وإنما في تراجع أهمية الموقع التركي مع تعدّد الخيارات أمام بغداد، موضحاً أنّ تركيا بَنَت جزءاً من موقعها الإقليمي على دورها كدولة عبور، فيما يمثّل طريق التنمية الذي تدفع به أنقرة وبغداد محاولةً للحفاظ على هذا الدور عبر ربط ميناء الفاو بالحدود التركية والأسواق الأوروبية.
فالتحدي الأكبر يأتي من اجتماع ممرّات عدة، بينها ممر داود وطريق التنمية وممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا وخط النفط العراقي السوري، والمنافسة في هذه الحالة لا تدور حول طريق واحد، بل حول شبكة طرق يمكن أن تعيد توزيع حركة التجارة والطاقة في المنطقة.
شرق سوريا، ولا سيّما دير الزور والميادين والطرق المتجهة إلى البوكمال، يمثّل حسب حيدر، جغرافيا مهمةً في أي شبكة مستقبلية تربط العراق بالداخل السوري ثم بالطرق المتجهة غرباً، فيما يمكن للجسور والطرق الجديدة أن تزيد من قيمة المنطقة كحلقة وصل بين العراق والمتوسط.
فالتنافس التركي الإسرائيلي في سوريا، يتقاطع مع التنافس على الممرات والطاقة، لأنّ السيطرة على طرق التجارة والنقل وخطوط الطاقة تمنح الدول نفوذاً يتجاوز العوائد الاقتصادية المباشرة.
يرتبط الحديث عن "ممر داود" بجغرافيا تمتد من الجولان عبر جنوب وشرق سوريا وصولاً إلى العراق، بما يجعل أهميته بالنسبة لإسرائيل مرتبطةً قبل كل شيء بإعادة ترتيب البيئة الأمنية المحيطة بها وفتح مجال أوسع للحركة شرقاً.
وتظهر في هذا التصوّر أهداف أمنية وجيوسياسية واقتصادية متداخلة، وفق الصحافي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، عطا فرحات، تبدأ بإبعاد التهديدات عن حدود الجولان.
وينبّه فرحات في حديثه إلى رصيف22، إلى أنّ الهدف الأساسي لتل أبيب "يتمثل في توسيع العمق الأمني الإسرائيلي شرقاً، بحيث لا تبقى المنطقة المحاذية للجولان مساحةً يمكن أن تتمركز فيها قوة عسكرية سورية أو مجموعات جهادية معادية لإسرائيل، لأنّ ذلك يرتبط أيضاً بمنع إعادة تشكّل طرق لنقل السلاح والمقاتلين باتجاه الجنوب السوري والجولان".
أهمية هذا المسار بالنسبة لإسرائيل، بحسب عطا، لا تتوقف عند الجانب الأمني، إذ إنّ امتداد النفوذ نحو الجنوب ثم الشرق يمكن أن يمنحها هامشاً أكبر للتأثير في المعادلات الأمنية والسياسية داخل سوريا، ويضعها أقرب إلى طرق العراق والفرات، فالجغرافيا هنا تمثّل عنصراً أساسياً في الحسابات الإسرائيلية، وبقاء سوريا مفتوحةً أمام النفوذ الإسرائيلي، بدلاً من عودتها إلى مساحة مغلقة خلف حدود الجولان، يتيح لتل أبيب مساحةً أوسع للحركة والتأثير.
الوصول إلى مناطق قريبة من طرق العراق والفرات يمنح هذا التصور بعداً يتجاوز حدود الجنوب السوري، ويدفع باتجاه بناء مجال نفوذ يمتد شرقاً، كما أنّ البعد الاقتصادي يمثّل جزءاً آخر من الحسابات، إذ يمكن "لهذا المسار أن يمنح إسرائيل منفذاً برّياً جديداً باتجاه العراق وكردستان وموارد الطاقة والأسواق الآسيوية، مع إمكانية ربط هذه الجغرافيا بموانئ شرق المتوسط، ما يعزز موقعها في طرق التجارة والطاقة الإقليمية"، يضيف عطا.
ويخلص إلى أنّ أهمية "ممر داود" بالنسبة لإسرائيل لا تكمن في الطريق بحد ذاته، بل في الجغرافيا التي يمكن أن يفتحها أمامها، من عمق أمني أبعد من الجولان، إلى نفوذ داخل البيئة السورية، ووصول باتجاه العراق، انتهاءً بإمكانية التأثير في طرق التجارة والطاقة التي تربط المشرق بالبحر المتوسط.
من جهته، يرى خبير الشؤون الإقليمية في صحيفة "الأهرام"، الدكتور كرم سعيد، أنّ المخاوف التركية من ممر داود ترتبط بتداعياته المحتملة على الدور الاقتصادي والتجاري الذي تسعى أنقرة إلى ترسيخه في المنطقة، موضحاً في حديثه إلى رصيف22، أنّ قيام مسار منافس عبر سوريا والعراق قد يؤثر على طرق التجارة والطاقة التركية، ويمنح ميناء حيفا دوراً لوجستياً أكبر في حركة الصادرات والواردات الإقليمية، بما قد ينعكس على أهمية الموانئ التركية.
فالممر، بحسب ما يشير، يمكن أن يهمّش طريق التنمية ويحدّ من قدرة تركيا على الاحتفاظ بدورها كمسار رئيسي لنقل نفط إقليم كردستان العراق عبر ميناء جيهان إلى أوروبا، كما قد يمنح إسرائيل مجالاً أوسع لتطوير علاقاتها التجارية مع دول المنطقة، وذلك مربوط أيضاً بالمخاوف التركية من أي دعم إسرائيلي محتمل لمشاريع كردية في سوريا والعراق، وما قد تراه أنقرة انعكاساً على أمنها القومي.
ويلفت الخبير المصري إلى التداعيات المحتملة التي تمتد إلى شرق المتوسط، حيث تسعى تركيا إلى تطوير ترتيبات بحرية مع سوريا تتيح لها فرصاً أكبر للوصول إلى مكامن الطاقة، بينما قد يؤثر أي مسار إقليمي جديد في هذه الحسابات.
ويختم سعيد حديثه بـ"أنّ طريق التنمية يواجه تحديات ماليةً واقتصاديةً قد تؤثر في وتيرة تنفيذه"، لافتاً إلى أنّ الحرب الإيرانية-الأمريكية انعكست على اقتصادات دول الخليج وإستراتيجياتها، بما قد يضيف ضغوطاً إلى تمويل المشروع ودفعه قدماً. فأيّ تعثّر في "طريق التنمية" قد يدفع العراق إلى البحث عن مسارات اقتصادية بديلة، بالتزامن مع إمكانية تعرّض بغداد لضغوط أمريكية للانفتاح على إسرائيل والتعامل بإيجابية مع مشاريعها الإقليمية، بما فيها "ممر داود"، وهو ما قد يمنح الممر فرصةً أكبر ويشكّل في المقابل تحدّياً للمصالح الاقتصادية والتجارية التركية.
لم تنتظر تركيا ظهور "ممر داود" لتعزيز حضورها في سوريا، بل راكمت خلال السنوات الماضية شبكةً عسكريةً وأمنيةً واقتصاديةً واسعةً، قبل أن تتجه إلى إعادة تثبيت هذا النفوذ وتعميق حضورها في المناطق التي تربط الشمال السوري بالجزيرة السورية والحدود العراقية.
يرى الأكاديمي السوري صلاح نيوف، أنّ تركيا لا تحتاج إلى انتظار قيام "ممر داود" لتعزيز وجودها، لأنها موجودة أمنياً وعسكرياً في الشمال السوري منذ سنوات، فيما باتت اليوم أمام مسارات جديدة تتطلب منها تعزيز حضورها في الجزيرة السورية، التي يرى أنها تمثّل مساحةً أساسيةً في أي مسار محتمل للممر باتجاه العراق.
ويضيف نيوف في حديثه إلى رصيف22، "أنّ أنقرة تسعى إلى تحويل وجودها في سوريا إلى نفوذ طويل الأمد عبر العلاقات الأمنية والاقتصادية مع دمشق"، عادّاً أنّ تعزيز حضورها في الجزيرة يمكن أن يمنحها قدرةً أكبر على التأثير في طرق الربط التي تصل سوريا بالعراق".
وتكتسب هذه الرؤية، وفق نيوف، أهميةً مع انتقال الاهتمام التركي من مناطق الانتشار التقليدية في الشمال نحو تثبيت نفوذ أوسع في الجغرافيا السورية، بالتزامن مع تعميق التعاون الأمني مع دمشق.
فتعزيز النفوذ التركي في الجزيرة، بحسب نيوف، يرتبط أيضاً بالمسارات المتجهة نحو العراق، ويرى أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد تنسيقاً أكبر بين تركيا والعراق، بالتزامن مع تراجع مساحة الحركة السياسية الكردية.
وفي آب/ أغسطس 2026، دخل الحضور التركي في سوريا على نحو أكثر قلقاً في الحسابات الإسرائيلية بعد الضربات التي استهدفت قاعدة أبو الظهور، وسط تقارير عن احتمال نشر قدرات عسكرية تركية فيها.
نفت تركيا وجود خطة لإقامة قاعدة عسكرية في الموقع، فيما أظهرت التطورات أنّ أيّ توسع محتمل للوجود التركي في العمق السوري بات جزءاً من التنافس على شكل النفوذ في البلاد.
وحذّرت دراسة بعنوان "مشروع ممر داود الإسرائيلي: الأهداف والتحديات"، المنشورة في مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية في أيار/ مايو 2026، من أنّ المشروع لا يقتصر على فتح ممر جغرافي، بل تضعه الدراسة ضمن رؤية إسرائيلية أوسع لتوسيع نطاق النفوذ خارج الحدود المعترف بها دولياً.
ولفتت الدراسة إلى أنّ الممر يمثّل وفق الرؤية التي تتناولها، أداةً لتحقيق أهداف إستراتيجية وسياسية تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة، وربطت مساره الجغرافي بسوريا والعراق وتركيا، وصولاً إلى مناطق تمتدّ باتجاه الفرات وجنوب تركيا. كما أشارت إلى أنّ أنصار تصوّر إسرائيل الكبرى ينظرون إلى السيطرة على مناطق متصلة جغرافياً وإقامة مناطق عازلة باعتبارها وسيلةً لتعزيز الأمن الإسرائيلي ومواجهة التهديدات الإقليمية.
وتكشف الدراسة بذلك أنّ أهمية ممر داود في الحسابات الإقليمية لا ترتبط بالطريق نفسه فقط، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه من إعادة تشكيل للجغرافيا والنفوذ في سوريا والعراق وامتداداتهما باتجاه تركيا.
Loading ads...
محاولات تل أبيب لفرض أطماعها، ومساعي أنقرة للحفاظ على نفوذها في المنطقة وتوسيعه، تُدخل الجغرافيا السورية والعراقية في أتون صراع إقليمي وعالمي على الممرات والتجارة والطاقة يتجاوز الدولتين ويحدّد مستقبل الشرق الأوسط.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

«فورمولا 1»: حجار باقٍ مع «ريد بول» لموسم 2027
منذ دقيقة واحدة
0




