مع موجة التصعيد بين واشنطن وطهران، ظهرت الدوحة إلى الواجهة لاعباً هادئاً في واحدة من أكثر المشاكل تعقيداً في الشرق الأوسط، التي تبدو أنها اقتربت كثيراً من الحلّ.
خلال الساعات الماضية، تصاعدت مؤشرات الانفراجة السياسية بشكل لافت، وسط تفاؤل متزايد بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي ودائم بين واشنطن وطهران، يقود إلى خفض التوتر واحتواء واحدة من أخطر الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
في قلب هذه التحركات، برز الدور القطري بوصفه قناة اتصال موثوقة بين الأطراف المتصارعة، مستفيداً من شبكة علاقاته وقدرته على التحرك في المساحات الحساسة.
اللافت في التحرك الدبلوماسي القطري أنه يأتي في ظل تعرض قطر ودول خليجية أخرى لاستهداف مباشر عبر قصف إيراني خلّف تداعيات مؤثرة، خاصة على المستويين الاقتصادي والبنية التحتية، في واحدة من أكثر اللحظات الإقليمية حساسية وتعقيداً.
ورغم ذلك، أظهرت الدوحة مستوى عالياً من الحنكة السياسية والدبلوماسية، عبر تجنب الانجرار إلى ردود الفعل المتشنجة أو الخطابات التصعيدية، مفضلة المضي في مسار التهدئة والحلول السياسية بدلاً من الانزلاق نحو منطق الانتقام وتوسيع دائرة المواجهة.
أكدت التصريحات الصادرة خلال الساعات الأخيرة وجود تقدم واضح في مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الأحد (24 مايو 2026)، إن هناك "احتمالاً بأن يسمع العالم أخباراً جيدة خلال الساعات المقبلة"، خصوصاً فيما يتعلق بأزمة مضيق هرمز.
وأشار روبيو إلى إحراز تقدم خلال الساعات الـ48 الماضية بشأن الخطوط العريضة لاتفاق قد يسهم في حل الأزمة.
وفي موازاة ذلك، أبدت باكستان، التي تضطلع بدور محوري في الوساطة، تفاؤلاً متزايداً بإمكانية الوصول إلى اتفاق دائم.
وقال وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، إن "تقدماً كبيراً" تحقق في المفاوضات بين واشنطن وطهران، مشيداً بما وصفه بالتزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه بالحوار والدبلوماسية.
في خضم ما يجري، تشير المعطيات المتداولة في الأوساط السياسية إلى أن قطر لعبت دوراً تيسيرياً مهماً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، والمساعدة في تعديل بعض بنود المقترحات الإيرانية لتصبح أكثر قبولاً لدى إدارة ترامب.
وحول ذلك، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين، أن وسطاء من قطر وباكستان ساهموا في تيسير إعداد مسودة الاتفاق، في مؤشر يعكس حجم الانخراط غير المعلن في إدارة هذا المسار التفاوضي المعقد.
من جهته، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أن وفداً قطرياً أجرى محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية التي تقودها قطر وباكستان ودول أخرى لاحتواء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
من جانب آخر، تحدث مصدر مطلع تحدث لوكالة "رويترز"، فإن فريقاً تفاوضياً قطرياً وصل إلى طهران بالتنسيق مع الولايات المتحدة، للمساعدة في التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب ويعالج القضايا العالقة بين الطرفين.
من جهته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على حسابه في منصة "تروث سوشيال" إنه جرى التفاوض "على جزء كبير" من مذكرة تفاهم تتعلق باتفاق سلام مع طهران أكد أنه سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز.
يبدو أن الدوحة تتحرك وفق استراتيجية تقوم على التهدئة التدريجية وبناء الثقة، أكثر من السعي إلى اختراقات إعلامية سريعة.
وفي هذا السياق، قال وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي، خلال مشاركته في "منتدى غلوبسيك 2026" في براغ، إن الحروب تنتج عواقب إنسانية واقتصادية وسياسية وأمنية تتجاوز حدودها الجغرافية بكثير.
وشدد الخليفي على أن الوساطة بالنسبة لقطر ليست خياراً سياسياً مؤقتاً، بل جزء من هويتها الوطنية وسياستها الخارجية، مضيفاً أن الدوحة لا تمارس الوساطة لأنها سهلة، بل لأن البديل غالباً ما يكون أسوأ.
وأشار إلى أن التجربة القطرية أثبتت أن الاتفاقات المحدودة، مثل وقف إطلاق النار أو الهدن الإنسانية أو فتح قنوات الاتصال، يمكن أن تمنع اتساع النزاعات، مؤكداً أن نجاحاً إنسانياً صغيراً قد يصبح اللبنة الأولى في عملية سياسية أكبر.
وفي ما يتعلق بالملف الإيراني، أوضح الخليفي أن قيمة قطر تكمن في قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف بمصداقية، مشيراً إلى أن هذا لا يعني الاتفاق مع جميع الأطراف، بل الإيمان بأن التواصل يصبح أكثر ضرورة عندما تكون العلاقات معقدة وصعبة.
وأضاف أن الوساطة بالنسبة للدوحة ليست عملاً دعائياً، بل أداة استراتيجية لاحتواء التصعيد، وحماية المدنيين، والحفاظ على الحوار، وخلق فرص لم تكن موجودة من قبل.
الكاتب والمحلل السياسي إياد الدليمي، يقول في حديثه لـ"الخليج أونلاين" إن إيران ارتكبت خطأً استراتيجياً كبيراً عندما استهدفت دول الخليج العربي في أول يوم للحرب عليها.
ولفت إلى أن هذا الاستهداف كل طهران الكثير، من بينها تخلي قطر -على سبيل المثال- عن دورها الدبلوماسي المعهود، مما فاقم من حدة الضغط على إيران خلال الحرب وبعدها بفعل الحصار البحري الأمريكي.
ورغم العدوان الإيراني، قررت قطر في "الساعات الحرجة" أن تُفعّل دورها -بحسب الدليمي- مشيرة إلى أن ذلك جاء "إيماناً من الدوحة بأن الموضوع يتعدى النظام في ايران إلى الشعب الإيراني والمنطقة والعالم بأسره".
وبين أن ما يدعم ذلك هي "التهديدات الأمريكية التي أخذت منحنى جدياً متصاعداً للعودة إلى الحرب وهذه المرة كانت ستكون أشد وأقسى".
وفي ذات السياق، يجد الدليمي أن "التدخل القطري في اللحظات الأخيرة نزع فتيل أزمة كان يمكن أن تصل تداعياتها إلى مختلف دول العالم".
Loading ads...
من جانب آخر، يرى أن الطرف الإيراني "استشعر هذه المرة" جدية ما يمكن أن تكون المنطقة مقبلة عليه، وهو ما دفعها للقبول بالإطار التمهيدي على أمل أن يكون ذلك بوابة للوصول إلى اتفاق نهائي ومستدام يجنب إيران والمنطقة ما لا تحمد عقباه، على حدّ قول الدليمي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






