قبل أن يُصبح بابلو بيكاسو Pablo Picasso اسماً يختصرُ ثورةَ الفنِّ الحديث، كان طفلاً أندلسياً، فتح عينَيه على ضوءِ ملقة Málaga، المدينة التي وُلِدَ فيها عامَ 1881. هناك بدأت الحكايةُ، لكنَّ ملامحها الحقيقيَّة تشكَّلت في الطريق، إذ أعاد بيكاسو اكتشافَ العالمِ بعينٍ مختلفةٍ في كلِّ مدينةٍ كان يحطُّ رحاله فيها. على سبيلِ المثال، في برشلونة، وجدَ الرسَّامُ العالمي نبضاً جديداً للحياة، بينما اتَّسعت رؤيته في العاصمةِ مدريد، أمَّا في باريس، ففُتِحَت أمامه أبوابُ الحداثة، لتُصبح المدينةُ، والمقهى، والمرسمُ، والشارعُ مادةً للوحة. المكانُ بالنسبةِ إلى بابلو كان أكثر من خلفيَّةٍ. لقد كان لوناً، وإيقاعاً، وذاكرةً. كلُّ مدينةٍ عبرها، تركت شيئاً في ريشته، وكلُّ بيتٍ أقامَ فيه، حملَ صدى مرحلةٍ، وكلُّ شارعٍ مرَّ به، انعكسَ بطريقةٍ، أو بأخرى على عالمه البصري. من الأندلسِ إلى باريس، ومن البحرِ المتوسِّط إلى جنوب فرنسا، نُرافق بيكاسو، في هذه الرحلةِ، عبر المدنِ التي صنعت فصولَ حكايته، ونكتشفُ كيف تحوَّلت الجغرافيا في أعماله إلى إحساسٍ، وكيف استطاعَ أن يحملَ الأمكنةَ معه حتى بعد أن غادرها.
في 25 أكتوبر 1881، أبصرت مدينةُ ملقة النورَ على طفلٍ سيُغيِّر بعد عقودٍ وجه الفنِّ في العالم. هنا، بين دفءِ الأندلس، وساحاتها المشمسة، وأزقَّتها التي تعبرها ظلالُ النخيل، بدأ بابلو بيكاسو حكايته الأولى. كان والده خوسيه رويز إي بلاسكو José Ruiz y Blasco رسَّاماً وأستاذاً للفنِّ، لذا نشأ بابلو في أجواءٍ فنيَّةٍ، وأظهرَ موهبةً استثنائيَّةً، وشغفاً بالرسمِ منذ طفولته. وعلى الرغمِ من أن والده كان يُؤمن بالتدريبِ الأكاديمي الصارم إلا أن ابنه انشغلَ بالفنِّ إلى حدِّ إهمالِ دراسته! وقد حملَ في البدايةِ اسمَ والده ووالدته، بابلو رويز بيكاسو، لكنَّه اختار لاحقاً التخلِّي عن اسمِ والده «رويز»، ليُصبح ببساطةٍ بابلو بيكاسو، الاسم الذي سيُصبح يوماً ما أحدَ أشهرِ الأسماءِ في تاريخِ الفن.
من متحف Museo Casa Natal حيث ما زالت تفاصيلُ البيتِ الذي شهدَ ولادته تستعيدُ شيئاً من طفولته، تبدأ الرحلة. نتتبَّعُ خطواتِ الصبي الذي ظهرت موهبته في الرسمِ في سنٍّ مبكِّرةٍ، ونقتربُ من عالمه الأوَّلِ عبر مقتنياتِ متحف Museo Picasso Málaga قبل أن نترك الساحاتِ المغمورة بالشمس، ونُكمِل الطريقَ خلفَ فنَّانٍ لم يعرف منذ بدايته حدوداً لما يمكن أن يكون عليه الفن.
من ملقة إلى برشلونة، تتبدَّلُ الألوانُ كما تتبدَّلُ ملامحُ بيكاسو. في المدينةِ الكاتالونيَّة يترك المراهقُ الأندلسي طفولتَه خلفه، ويبدأ في اكتشافِ المدينةِ، والفنِّ، والحبِّ، والخسارة في مرحلةٍ ستقوده لاحقاً إلى أكثر فصوله شاعريَّةً وكآبةً: الأزرقُ والوردي.
وفي قلبِ حي El Born، يأخذنا متحف Museo Picasso de Barcelona إلى أعوامه الأولى عبر متاهةٍ من قصورٍ وأزقَّةٍ، لا تزالُ تحتفظُ بشيءٍ من روحِ المدينة التي عرفها.
تالياً، نصلُ إلى Els Quatre Gats، المقهى الذي كان ملتقى الفنَّانين والمثقَّفين، وشهدَ أوَّلَ معرضٍ لبيكاسو الشاب. هنا، بين الحجرِ القوطي، ودخانِ المقاهي، وأحاديثِ الفنَّانين، يمكن تخيُّلُ بيكاسو وهو يختبرُ للمرَّةِ الأولى فكرةَ أن الفنَّ ليس مجرَّد لوحةٍ. إنه طريقةٌ جديدةٌ لرؤيةِ العالم.
لم يُصبح بابلو بيكاسو مجرَّد فنَّانٍ، بل تحوَّل إلى أسطورةٍ، أعادت تعريفَ الفنِّ في القرنِ العشرين. بجرأةٍ تحرَّرت من القواعدِ، والخوفِ من الرفض، اتَّبع رؤيته، واختبرَ أساليبَ جديدةً، فكان من أبرزِ روَّاد التكعيبيَّة، وارتقى بالكولاجِ إلى مصافِ الفنِّ الرفيع.
لم يتوقَّف الشابُّ عن التجريبِ والابتكار، فانعكست تجاربُه، وشغفُه بالحياةِ والعلاقاتِ في أعمالٍ لا تُحصى من لوحاتٍ، ومنحوتاتٍ، وأعمالِ حفرٍ. ومع مرورِ الوقت، تجاوزَ اسمه حدودَ الفن، ليُصبح رمزاً للعبقريَّةِ الحديثة، وشخصيَّةً تختزلُ في تجربتها التحوُّلاتِ الفنيَّةَ، والثقافيَّةَ لعصرٍ كاملٍ حتى بات بيكاسو اسماً مرادفاً للابتكارِ والخلود.
تابعي أيضاً زيارة إلى منزل الرسامة المكسيكية Frida Kahlo امرأة من نار وألوان
في المرحلةِ التالية، يأتي الرحيلُ إلى باريس، هذه المدينةُ التي ستُصبح بالنسبةِ إلى بيكاسو أكثر من عنوانٍ: إنها المختبرُ الذي أعادَ فيه اختراعَ نفسه والفنِّ من حوله.
في حي Montmartre الباريسي حيث كانت الطموحاتُ أكبرَ من الغرفِ الصغيرة، والمواردُ أقلَّ من الأحلام، نستعيدُ الطريقَ إلى Le Bateau-Lavoir في Place Émile-Goudeau، المبنى الذي احتضنَ عدداً من أكثر الفنَّانين تأثيراً في بداياتِ الفنِّ الحديث. من هنا، وسطَ الدرجاتِ الحجريَّة، والمنحدراتِ المرصوفةِ بالحصى، وواجهاتِ المحالِ القديمة، بدأت ملامحُ التكعيبيَّة في الظهور. بيكاسو لم يعد يرسمُ العالمَ كما تراه العين، بل كان يُعيد تركيبه: يُفكِّكه، ثم يمنحه شكلاً جديداً. كانت باريس في تلك الفترةِ مدينةَ الجوعِ إلى الفنِّ، وكان بابلو أحدَ أكثر أبنائها شغفاً بتحويلِ هذا الجوعِ إلى ثورةٍ بصريَّةٍ.
مع مرورِ السنين، لم يعد بيكاسو فناناً في طليعةِ الحركةِ الحديثة فحسب، بل وأصبح أيضاً اسماً عالمياً، وشاهداً على قرنٍ مضطربٍ، وفناناً اتَّخذ من لوحته موقفاً في مواجهةِ التاريخ. وهنا، نصلُ إلى شارع Rue des Grands-Augustins حيث كان مرسمه في باريس، وحيث أنجزَ لوحة Guernica في واحدةٍ من أكثر اللحظاتِ كثافةً في مسيرته. ولا يزالُ المكانُ، الواقعُ في قلبِ باريس القديمة، يحمل صدى تلك الأعوامِ التي تداخلَ فيها الفنُّ مع الحربِ، والسياسةِ، والقلقِ الإنساني. ومن هناك، نتَّجه إلى متحف Musée National Picasso-Paris في حي Le Marais حيث لا نكتفي برؤيةِ أعمالِ بيكاسو، بل ونقتربُ أيضاً من عالمه الخاصِّ عبر المجموعةِ التي احتفظَ بها لنفسه، والأعمالِ التي اختارَ أن تبقى قريبةً منه. ويحتضنُ متحفُ بيكاسو أكبر مجموعةٍ عامَّةٍ في العالم لأعماله مع نحو خمسةِ آلافِ عملٍ فنِّي. وعبر لوحاته ومنحوتاته إلى خزفه وأرشيفه الثري، ومجموعته الخاصَّةِ من أعمالِ كبار الفنَّانين، يكشفُ المتحفُ فصولاً من عالمِ بيكاسو وحياته الفنيَّة. هنا، تُصبح باريس أكثر من مدينةٍ في سيرته: تُصبح شاهدةً على الفنَّانِ الذي لم يكتفِ بتسجيلِ عصره، بل ودخلَ أيضاً في حوارٍ معه.
بعد أعوامِ الحرب، اتَّجه بيكاسو جنوباً، نحو الضوءِ في الريفيرا الفرنسيَّة حيث سكنَ الصيفُ الجدران، ولفحَ الوجوه، واستراحَ الوقتُ عند العتباتِ متأمِّلاً امتداداتٍ ملوَّنةً. وفي البحرِ، والشمسِ، والقرى الحجريَّة، وجدَ الفنَّانُ حياةً جديدةً، وفي الطينِ والخزفِ مادةً أخرى، يُواصل من خلالها اللعبَ، والاختبارَ، والاكتشاف. وهناك، في الأنتيب Antibes داخلَ قصرِ غريمالدي، تحوَّلَ المكانُ إلى فضاءٍ لبابلو. واليوم، يحتضنُ متحفُ Musée Picasso Antibes أعمالاً تعكسُ تلك المرحلةَ المضيئة من حياته، فيما يفتحُ البحرُ المتوسِّط من شرفته مشهداً، يبدو وكأنَّه لوحةُ بيكاسو نفسها. ونُواصل رحلتنا بعد ذلك إلى Vallauris حيث ازدهرَ شغفه بالخزف، ونكتشفُ في المتحفِ الوطني المخصَّصِ له أعمالَ War and Peace التي تبوحُ بجانبٍ آخرَ من حياةِ فنَّانٍ لم يتوقَّف يوماً عن التجريبِ حتى أعوامه الأخيرة. وبين الأسواقِ المملوءةِ بالخزف، وأشجارِ الزيتون، والقرى المشمسة، ومياه المتوسِّط، يبدو بيكاسو هنا أكثر قرباً من الحياة، وأكثر تحرُّراً في اللعبِ بالأشكالِ والألوان. إليك أعمال غيَّرت التاريخ في عالم الأدب والفنون
Loading ads...
تنتهي الرحلةُ حيث اختارَ بيكاسو أن يستريح. في قلعةِ Château de Vauvenargues بالقربِ من Aix-en-Provence، يرقدُ الفنَّانُ الذي أمضى حياته متنقِّلاً بين المدنِ، والأفكارِ، والأساليب. وقد اشترى بابلو القلعةَ عامَ 1958 بعد أن عرف أن المنطقةَ كانت محبَّبةً إلى بول سيزان، وأقامَ فيها بين 1959 و1961. وهي لا تزالُ تحتفظُ ببعض مقتنياته الشخصيَّة. وبعد وفاته عامَ 1973، اختارت زوجتُه جاكلين، وابنُه الأكبر باولو دفنه في حدائقِ القلعة، التي تُعدُّ ملكيَّةً خاصَّةً، لذا لا يمكن زيارتها من الداخل. يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





