5 ساعات
متدربون يستعدّون لقيادة حوارات مجتمعية في مختلف أنحاء سوريا
الأربعاء، 22 أبريل 2026
مؤخراً، جمعت ورشة عمل امتدت لخمسة أيام، أربعة عشر عضواً وعضوة من المجتمع المدني السوري وذلك حول موضوع تيسير الحوارات المجتمعية والعدالة الانتقالية، نظمها المركز الدولي للعدالة الانتقالية والمنظمات الشريكة له ضمن مشروع جسور الحقيقة. ومثلت تلك الورشة خطوة مهمة في التحضير لحوارات مجتمعية موسعة ستعقد في مختلف أنحاء سوريا خلال الأشهر القادمة، وهذه الحوارات ستعتمد على حوارات مماثلة عقدت في أواخر شهر نيسان عام 2025 في سبع مدن سورية، شارك فيها أكثر من 130 شخصاً أتوا من بيئات متنوعة لمناقشة احتياجاتهم والتعبير عن آمالهم تجاه العدالة والمصالحة.
عبر تعاون المركز الدولي للعدالة الانتقالية مع سبع منظمات رائدة في المجتمع المدني السوري، يقوم مشروع جسور الحقيقة بنشر التوعية حول محنة المعتقلين والمخفيين قسرياً وأهاليهم والمدافعين عن العدالة وذلك فيما يتصل بعدد الضحايا الذي لا يحصى نتيجة للحرب السورية وقمع النظام البائد.
جرى اختيار المتدربين والمتدربات من هذه المنظمات السبع بناء على قدرتهم على إدارة مناقشات حساسة ضمن مجموعات داخل مجتمعاتهم، وهذه المناقشات تدور حول الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب السورية التي امتدت 14 عاماً، والدكتاتورية المتوحشة، والمسار الذي يمكن من خلاله المضي قدماً نحو العدالة والسلم الدائم. وقد ترأس كبار الخبراء والعاملين لدى المركز الدولي للعدالة الانتقالية والمنظمات الشريكة جلسات دارت حول ممارسات المشاركة المجتمعية ومواضيع مختلفة حول العدالة الانتقالية.
وتعقيباً على ذلك قالت نوشا قبوات رئيسة برنامج سوريا لدى المركز الدولي للعدالة الانتقالية: "خلال هذه المرحلة في سوريا من الضروري للمجتمعات نفسها أن تتسلح بأدوات تمكنها من قيادة حوارات حول العدالة والحقيقة والتعايش، ويمثل هذا التدريب استثماراً في القيادة المحلية وفي إمكانية تحقيق مستقبل يقوم على مشاركة أوسع".
ركزت الورشة على أساسيات العدالة الانتقالية إلى جانب أدوات عملية لقيادة حوارات منظمة قائمة على المشاركة في مجتمعات ما تزال تعاني من الصدمة والانقسام والتشكيك. والهدف منها إعداد جيل جديد من الميسرين والميسرات في تلك المجتمعات ليكونوا قادرين على إدارة هذه الحوارات المعقدة والمشحونة عاطفياً.
وهذا ما أكده شادي هارون منسق برنامج سوريا لدى المركز الدولي للعدالة الانتقالية عندما قال: "من خلال هذه المبادرة ستنتقل المعارف إلى عدد أكبر من المدربين والمدربات الذين سينقلونها بدورهم إلى كل المجتمع السوري. وقد جرى التخطيط لإجراء 86 ورشة عمل تقريباً في مختلف المحافظات السورية وذلك بهدف رفع الوعي حول المفاهيم التي تتصل بالعدالة الانتقالية، وهذه الورشات تستهدف قرابة 1600 مستفيد ومستفيدة مباشرين سيشاركون في هذه الجلسات".
من الأمور المحورية في التدريب كيفية تصميم وتيسير حوارات تشجع على قيام تواصل مفتوح وهادف في آن معاً. ولهذا ناقش المشاركون والمشاركات فكرة وضع أهداف واضحة وقواعد أساسية تشجع على الاحترام المتبادل والسرية والإصغاء النشط، واتفق الجميع على ضرورة وجود عمل إطاري كهذا عندما تستدعي النقاشات ذكريات مؤلمة أو تتسبب بظهور خلافات حادة.
مارس المتدربون والمتدربات أساليب تضمن مشاركة الجميع، وعملوا على إدارة الأصوات المهيمنة، وقاموا بإعادة توجيه الحوار بكل لطف بعد انحرافه عن أهداف الجلسة، وناقشوا كيفية التحقق من صحة الشهادات الشخصية مع الحفاظ على توافق النقاشات مع الأهداف المشتركة.
واعترافاً بأن الحوارات المجتمعية يمكنها أن تثير ذكريات عميقة حول تجارب شخصية، اعتمدت الورشة مبادئ الصحة العقلية والدعم النفسي وكذلك أساليب التواصل اللاعنفي ضمن جدولها.
تعلق على ذلك سهى فليفل وهي موظفة مسؤولة في قسم المشاريع لدى منظمة Pro Peace فتقول: "في هذا التدريب المخصص لشبان وشابات من سوريا كان الهدف تعريفهم على مبادئ التواصل اللاعنفي، ولتحقيق ذلك بدأنا بمناقشة مفهوم التواصل عموماً والبحث في طريقة فهم كل مشارك ومشاركة له سواء أكان تواصلاً لفظياً أم غير لفظي".
كما بحث المشاركون والمشاركات في الصدمة والصدمة الثانوية التي يعيشها الضحايا عادة، وأقروا بأن الميسرين أنفسهم يمكن أن يتعرضوا لضغط عاطفي، وسلطت نقاشاتهم الضوء على أهمية التحضير قبل الجلسات والتفريغ المتعمد للتوتر بعد الجلسة، إلى جانب أهمية تطبيق استراتيجيات عملية مثل تمارين التنفس وأخذ فترات راحة منتظمة.
كان لا بد من تذكير المشاركين بأن الحوارات المجتمعية ليست جلسات علاجية، وأن دورهم يتمحور حول خلق الظروف الملائمة أمام المشاركين لشرح وجهات نظرهم والتعبير عن احتياجاتهم، مع البقاء متنبهين طوال الوقت لأي مؤشر يدل على وجود حالة ضيق والاستجابة لها بعناية ودقة.
عبرت عن ذلك إحدى المشاركات فقالت: "قد يأتي الاشخاص إلى هذه الجلسات حاملين في جعبتهم سنوات من الصمت، ولهذا علينا أن نكون مستعدين للإصغاء إليهم بكل مسؤولية".
تمثل الاعتبارات الأخلاقية محور هذه الحوارات، ولهذا يراعي المشاركون مسألة حصولهم على الموافقة المستنيرة إلى جانب مراعاتهم للسرية والمخاطر المرتبطة بالتصوير واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ضمن البيئات الحساسة، وأكدوا بأن الموافقة يجب أن تتم بشكل طوعي وبناء على معلومات، وخاصة عند التعامل مع الشباب والمجتمعات المهمشة.
على مدار خمسة أيام بحث المشاركون والمشاركات في المواضيع الجوهرية للعدالة الانتقالية والتي تشمل كشف الحقيقة والمحاسبة الجنائية وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات.
وكشفت النقاشات التي دارت حول الحقائق التي يواجهها سكان سوريا المتنوعون عن احتمال وجود فهم مختلف للحقيقة والعدالة لدى الافراد والمجتمعات، وذلك باختلاف بيئاتهم وتجاربهم. وقد تحدث عن ذلك أحد المشاركين فقال: "يختلف مفهوم العدالة باختلاف الاشخاص، فالعدالة هي الحقيقة بالنسبة لأم تبحث عن ابنها، وقد تصبح إعادة البناء بالنسبة لشخص دُمر بيته، وقد يرى آخرون بأنها تتمثل بالكرامة".
أكدت الورشة على أهمية المشاركة، وأولت اهتماماً خاصاً بمشاركة النساء والشباب والنازحين والمجتمعات المهمشة، كما ركزت على الاستراتيجيات التي تجعل تلك الحوارات متاحة بصورة أوسع عبر توزيع أعدل.
وفي هذا السياق تحدثت رنا الشيخ علي من منظمة دولتي فقالت: "تعلمنا خلال هذا التدريب أهمية حفظ السرديات المتنوعة والسعي لخلق مساحة مشتركة تتقاطع عندها قصص كل الأطراف وتعبر كل المناطق والبيئات لتتفاعل فيما بينها بما يسهم في نهاية الامر بالخروج بتاريخ جمعي قائم على هذه التعددية في الآراء".
أما الجلسات التي تطرقت لموضوع المحاسبة فقد ناقشت التحديات البنيوية التي تواجهها المنظمات السورية والتي تشمل ضعف استقلالية القضاء ومحدودية إمكانياته بالنسبة لإجراء محاكمات عادلة، وأكدت تلك الجلسات على أهمية تسلسل الإصلاحات وترتيبها ضمن مراحل زمنية لتجنب تقويض الشرعية.
أما المصالحة فجرت دراستها بوصفها عملية طويلة الأمد وليست مجرد لفتة رمزية، وتم التنبيه إلى مخاطر الترتيبات السطحية التي تفضل الاستقرار على العدالة، واتفق الجميع على أن المصالحة الحقيقية تقوم على الاعتراف بالضرر والمحاسبة مع توفير ضمانات تمنع تكرار ما حصل.
خلال اليومين الاخيرين انتقل تركيز الورشة من الجانب النظري إلى الجانب العملي، ومن خلال مجموعات فرعية صمم المشاركون والمشاركات نموذجاً لحوارات مجتمعية جرى تفصيلها بما يتناسب مع السياقات المحلية المختلفة، مع تطبيق طرق مجربة لترجمة المفاهيم التقنية إلى لغة يفهمها الجميع. وطور المشاركون خططاً لمراقبة وتقييم الانشطة التي ستقام مستقبلاً، إلى جانب تنسيق الدعم بين المنظمات الشريكة.
Loading ads...
وبنهاية الورشة تبين للمشاركين والمشاركات أنهم عززوا مهاراتهم في مجال التيسير وطوروا معارفهم حول العدالة الانتقالية، فأصبحت لديهم رؤية مشتركة حول الحوارات المجتمعية التي سيعملون على تيسيرها خلال الشهور القادمة. ومن خلال حوار منظم وجامع سيقدم هؤلاء المتدربون والمتدربات فرصة نادرة للسوريين والسوريات حتى يتحدثوا بحرية عن تجاربهم وطموحاتهم حول العدالة والسلم الدائم، مع ضمان رسم من تعرضوا لضرر أكبر خلال سنوات القمع والحرب شكل الطريق للمضي قدماً نحو المستقبل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



