ساعة واحدة
"عمل مريح بأجر جيد".. كيف تتدخل إسرائيل في السياسة الألمانية؟
الإثنين، 26 أكتوبر 2026
كشفت الصحيفة الألمانية "فرانكفورتر روندشاو" عن رسائل مسربة تشير إلى اتصالات بين مستشارين مقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشخصيات في حزب المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الحزب المسيحي الديمقراطي، في سياق مساع لحشد التأييد لمشروع قانون يهدف إلى تجريم الإنكار العلني لحق إسرائيل في الوجود أو الدعوة إلى تدميرها، وذلك كله "مقابل عمل مريح وأجر جيد"، على حد وصف الصحيفة التي تُحسب على الصحف الألمانية العريقة.
وأثار تقرير الصحيفة وتأكيدها الاطلاع على رسائل واتساب مسربة واتصالات ومصادر لم تكشف عن هويتها تساؤلات بشأن لجوء حكومة ولاية هيسن التي تقف خلف مشروع القرار إلى مستشارين إسرائيليين لإدارة حملة سياسية وإعلامية داعمة للمشروع، علما أنه لم تتضح حتى الآن الجهة التي كلفت المستشارين بالعمل أو مولت الحملة.
وبينما واصلت الصحيفة متابعة التسريبات ونشرت تقريرا عن نفي الحزب المسيحي الديمقراطي في ولاية "هيسن" وحكومة الولاية وجود أي علاقة تجارية مع مستشارين إسرائيليين أو تكليف مدفوع الثمن، أثار عدم تناول التحقيق على نطاق واسع في وسائل إعلام ألمانية كبرى أخرى، مثل مجلة "دير شبيغل" وصحيفة "فرانكفورتر ألغماينه"، تساؤلات بشأن حجم التغطية الإعلامية للقضية.
فالمسألة لا تتعلق بخبر عابر لا يستحق الاهتمام ولا حتى بمجرد دعم إسرائيلي لمشروع قانون انطلق من ولاية ألمانية صغيرة، بل بوجود شبهات حول تأثير سياسي وإعلامي إسرائيلي على النظام القضائي والسياسي في دولة تُعَد من أهم دول الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، حتى الآن، لم ينقل الخبر عن "فرانكفورتر روندشاو" سوى الصحيفة اليسارية المحدودة الانتشار "يونغه فيلت" والموقع الإنجليزي لوكالة الأناضول.
وطرحت التسريبات أسئلة عدة تحاول "فرانكفورتر روندشاو" الإجابة عنها من خلال تقريرها الحصري:
في أبريل/نيسان 2026، بدأت حكومة ولاية هيسن -التي يقودها السياسي المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي بوريس راين- بالدفع في اتجاه إقرار مشروع قانون يهدف إلى فرض عقوبة جنائية على كل من ينكر حق دولة إسرائيل في الوجود.
وكان الهدف المعلن للمشروع "مواجهة معاداة السامية"، لكن الصياغة القانونية أثارت اعتراضات ومخاوف دستورية، إذ أبدت الحكومة الاتحادية تحفظات على المشروع وحذرت من مخاطر دستورية جسيمة.
وفي 23 أبريل/نيسان، أعلن رئيس حكومة الولاية بوريس راين ووزير العدل كريستيان هاينتس المبادرة التشريعية التي قدمتها حكومة هيسن إلى مجلس الولايات الاتحادي.
وفي 8 مايو/أيار، قدّم وزير العدل المشروع إلى مجلس الولايات "بوندسرات" الذي يُعَد السلطة التشريعية الثانية في ألمانيا بعد البرلمان "بوندستاغ"، واقترح إدراج تجريم إنكار حق إسرائيل في الوجود ضمن جريمة التحريض على الكراهية المنصوص عليها في المادة 130 من قانون العقوبات الألماني.
وزعمت حكومة هيسن حينئذ أن الغرض من هذا الاقتراح هو سد ثغرة قانونية ومكافحة معاداة السامية.
وفي يوليو/تموز وأغسطس/آب 2026، وقع خلاف بين حكومة ولاية "هيسن" والحكومة الاتحادية بقيادة فريدريش ميرتس.
فقد وافق مجلس الولايات "بوندسرات" في 10 يوليو/تموز على المشروع، لكن الحكومة الاتحادية أبدت في أواخر أغسطس/آب تحفظات دستورية عليه، معتبرة أن الصياغة المقترحة تنطوي على "مخاطر دستورية كبيرة".
وهكذا أصبح المشروع موضع خلاف سياسي وقانوني بين حكومة الولاية والحكومة الاتحادية.
بحسب تحقيق الصحيفة، نشر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في 28 أغسطس/آب 2026 تغريدة على منصة إكس، أشاد فيها بمبادرة حكومة ولاية هيسن.
في اليوم نفسه، أعاد رئيس حكومة ولاية "هيسن" بوريس راين، والأمين العام للحزب المسيحي الديمقراطي في الولاية ليوبولد بورن، نشر الرسالة.
بعد ذلك، ناقش يوناتان أوريش وسروليك آينهورن -المستشاران الإعلامي والإستراتيجي المقربان من بنيامين نتنياهو- صياغة تغريدة جديدة، ومن سينشرها، ومن سيعيد نشرها.
وبحسب الرسائل التي اطلعت عليها الصحيفة، اختار المستشاران وزير شؤون الشتات الإسرائيلي أميخاي شيكلي، على أن يتواصل أوريش معه. كما تبادلا وناقشا مسودات نصوص التغريدة.
وفي صباح 7 سبتمبر/أيلول، كتب آينهورن إلى أوريش "هيا، دعنا نركز على ولاية هيسن" وذلك قبل ظهور التغريدة باللغة الإنجليزية على حساب وزير الشتات أميخاي شيكلي في منصة إكس، وجاء فيها:
"إن إنكار حق إسرائيل في الوجود ليس نقدا مشروعا، بل أحد أكثر أشكال معاداة السامية انتشارا: فكراهية اليهود تتخفى وراء معارضة الصهيونية. أشيد برئيس حكومة ولاية هيسن، بوريس راين، وبحكومة الولاية لدورهما القيادي في سن تشريع لمواجهة هذا التهديد. وآمل أن يقر البوندستاغ (البرلمان الاتحادي الألماني) هذا القانون، وأن يمنح بذلك التزاما ألمانيًّا بحق إسرائيل في الوجود وبأمن اليهود".
كما تكشف تفاصيل التسريبات أن أوريش يبدي اهتماما خاصا بالسياسة الألمانية. وتُظهر الاتصالات والرسائل التي اطلعت عليها الصحيفة مؤشرات على تقارب لافت بين مستشاري نتنياهو وشخصيات في الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني.
وجاء في رسالة تلقاها أوريش من آينهورن مساء 5 سبتمبر/أيلول 2026 الطلب التالي "تواصل معي، هناك عمل مريح ومدفوع الأجر مع الحزب المسيحي الديمقراطي".
وتشير الصحيفة إلى أن أوريش يُعَد أحد أبرز العقول المدبرة لفريق نتنياهو الإعلامي، بينما ينتمي آينهورن أيضا إلى الدائرة الضيقة من مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي، التي تصفها وسائل إعلام إسرائيلية بأنها "آلة السم"، وهي تسمية تناولت مجلة "نيويوركر" الأمريكية وصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية نشاط المجموعة المرتبطة بها في تقارير سابقة.
وتفصّل "فرانكفورتر روندشاو" طبيعة عمل سروليك أينهورن ويوناتان أوريش بالقول إن المستشارين زادا في الآونة الأخيرة من خلال شركتهما "بيرسبشن ميديا" تركيزهما على العملاء الدوليين.
فقد عمل آينهورن، الذي يقيم في بلغراد، مستشارا للرئيس الصربي السابق ألكسندر فوتشيتش. كما تولت الشركة مهام أخرى لمصلحة سياسيين من اليمين إلى اليمين المتطرف في منطقة البلقان وأوروبا الشرقية.
وتتضمن الوثائق المسربة مؤشرات على تقديم استشارات للسياسي الروماني جورجي سيميون، الذي يقود حزب "التحالف من أجل وحدة الرومانيين" (AUR) المصنف ضمن اليمين المتطرف.
أما السخرية، فتكمن في أن هذا الحزب تحديدا يعارض تدريس إحياء ذكرى المحرقة النازية (الهولوكوست) في حصص التاريخ بالمدارس الرومانية.
لم يكن معروفا حتى الآن أن أوريش وآينهورن يتمتعان بعلاقات جيدة مع الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، لكن المحادثات المسربة من هاتف يوناتان أوريش تشير إلى امتلاكه أرقاما ألمانية يمكن ربطها بشخصيات بارزة في الحزب.
ومن بين هؤلاء رئيس حكومة ولاية تورينغن ماريو فويغت، ورئيس مستشارية الولاية شتيفان غرونر، ووزير الداخلية في ولاية براندنبورغ المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي يان ريدمان واثنان من موظفيه، ووزير التعليم في الولاية غوردون هوفمان، إضافة إلى فيليب زوندبولت المدير التنفيذي للكتلة البرلمانية للحزب المسيحي الديمقراطي في برلمان ولاية براندنبورغ.
كما تضم قائمة جهات الاتصال مارك ديغن، وهو مستشار إستراتيجي عمل حتى عام 2022 لمصلحة ينس شبان، الشخصية البارزة في الحزب المسيحي الديمقراطي، على الأقل قبل استقالته من رئاسة الكتلة النيابية للاتحاد المسيحي الديمقراطي في يوليو/تموز الماضي.
بعد نشر التغريدة، هنأ آينهورن أوريش على إنجاز المهمة، قائلا "أنت بطل العالم"، واقترح عليه إعادة نشر التغريدة من حساب بنيامين نتنياهو. وبعد ذلك بوقت قصير، رد أوريش بالقول إن نتنياهو لن يفعل ذلك، لكنه سيبحث عن خيارات أخرى.
وأشارت الصحيفة إلى أن الرسائل المتاحة لا تكشف عمن كُلف بنشر التغريدات المؤيدة لحكومة ولاية "هيسن" أو من دفع تكاليفها.
ولم يرد كل من أوريش وآينهورن ووزارة شؤون الشتات الإسرائيلية التابعة لأميخاي شيكلي على استفسارات للصحيفة، علما بأن الحزب المسيحي الديمقراطي نفى اليوم أي علاقة مع مستشارين إعلاميين إسرائيليين.
يُعَد سروليك آينهورن (أو يسرائيل آينهورن) ويونتان أوريش مستشارين سياسيين وإعلاميين إسرائيليين مقربين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحزب الليكود.
ووفق صحيفة "فرانكفورتر روندشاو"، عملا عبر شركة استشارات في الحملات السياسية والعلاقات العامة لمصلحة شخصيات وقياديين يمينيين ويمينيين متطرفين في دول البلقان وشرق أوروبا.
وبينما عمل آينهورن لسنوات في الحملات الانتخابية لنتنياهو، وأسهم في وضع خطط التواصل السياسي وإدارة الحملات الإعلامية وكان مستشارا لألكسندر فوتشيتش في صربيا، عمل أوريش الذي وُلد عام 1989 متحدثا باسم نتنياهو ومستشارا له منذ عام 2015، ويُتهم في إسرائيل بتسريب معلومات عسكرية سرية إلى صحيفة "بيلد" الألمانية.
وليس معروفا حتى الآن من الجهة التي كلفت المستشارين بهذه المهمة، وما التكلفة المالية لها، وقبل كل شيء هل ستؤتي هذه المهمة أكلها تحديدا بعد هذا الكشف الصحفي، ولكن حتى اليوم لم يُعتمد القانون نهائيا.
فصحيح أن مجلس الولايات الاتحادي "بوندسرات" وافق عليه في 10 يوليو/تموز الماضي، لكنه أحيل إلى البرلمان الاتحادي (بوندستاغ) لاستكمال الإجراءات التشريعية.
Loading ads...
إضافة إلى ذلك، أثارت الحكومة الاتحادية مخاوف دستورية بشأن قانون غريب على ثقافة العمل السياسي في ألمانيا، خاصة أنه يفرض عقوبة بالسجن قد تصل إلى 5 سنوات على شخص ينكر وجود دولة ما.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




