ما أبرز أدوات الضغط الأمريكية على العراق؟
الإجراءات الاقتصادية وتعليق التعاون الأمني.
لماذا تتصاعد الضغوط على بغداد حالياً؟
بسبب الهجمات المنطلقة من أراضيها نحو أهداف أمريكية وخليجية.
تُصعّدُ الولايات المتحدة أدوات الضغط على العراق عبر حزمة إجراءات اقتصادية وأمنية متزامنة، تستهدف تقليص نفوذ الفصائل المسلحة ومنع استخدام الأراضي العراقية منصةً لتهديد حلفائها في الخليج.
هذا التحوّل يعكس انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء إلى فرض شروط مباشرة على مسار الحكم في بغداد.
وتتقاطع هذه الضغوط مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة المنطلقة من الداخل العراقي نحو منشآت خليجية حساسة، ما يضع بغداد أمام اختبار مزدوج بين ضبط الأمن الداخلي والحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية والدولية، في ظل استمرار الانسداد السياسي.
وتشمل الضغوط الأمريكية مجالات عديدة أبرزها البعد المالي المباشر، الذي يمسّ أحد أهم مفاصل الاستقرار الاقتصادي في العراق.
وفي هذا السياق كشف مصدر حكومي عراقي ضمن فريق التواصل مع البعثات الدولية، في تصريح لقناة "الحرة" الأمريكية في 20 أبريل 2026، عن أن بغداد "تلقت إشارات لم تكن تتمنى تلقيها من واشنطن"، موضحاً أن الولايات المتحدة أبدت انزعاجها من الهجمات التي استهدفت سفارتها في بغداد خلال الأسابيع الماضية.
كما أكد مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية لـ"الحرة" أن بلاده اتخذت "مجموعة إجراءات اقتصادية وأمنية"، مشيراً إلى أن شحنات الدولار "لن تُستأنف حتى تتضح معالم الحكومة الجديدة، ويكون هناك التزام مُثبت بوقف استخدام العملة الأمريكية في تمويل الهجمات ضد الأمريكيين".
ووفق مصدرين حكوميين في مجلس الوزراء العراقي، فقد جرى بالفعل إيقاف شحنات الدولار المتجهة إلى العراق، وربط استئنافها بتشكيل حكومة تمتلك برنامجاً واضحاً للإصلاح المالي ومنع تهريب العملة، خصوصاً إلى إيران.
كما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال"، في 21 أبريل 2026، بأن وزارة الخزانة الأمريكية منعت تسليم نحو 500 مليون دولار من عائدات النفط العراقي المودعة في الاحتياطي الفيدرالي.
وتُعد هذه الشحنات المصدر الرئيسي لتغذية السوق المحلية بالدولار، إذ يعتمد البنك المركزي عليها في تمويل الاستيراد عبر "نافذة بيع العملة"، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ما يجعل أي توقف فيها عاملاً ضاغطاً على الأسعار والقوة الشرائية.
وتتدفق عائدات النفط العراقي إلى حساب خاص في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ عام 2003، قبل تحويلها إلى بغداد، في آلية وفّرت حماية قانونية للأموال، لكنها باتت اليوم أداة ضغط مرتبطة بشروط سياسية وأمنية.
ويمتد التصعيد الأمريكي تجاه بغداد إلى المجال الأمني، مع خطوات تعكس تراجع مستوى التنسيق العسكري بين البلدين.
وقال نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيجوت، في بيان نقلته صحيفة نيويورك تايمز في 20 أبريل 2026: "لن تتسامح الولايات المتحدة مع أي هجمات على مصالحها، وتتوقع من الحكومة العراقية اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة فوراً لتفكيك المليشيات الموالية لإيران".
وبحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، في تصريح لمدير مكتب "الحرة" في واشنطن، فإن اجتماعات التنسيق الأمني مع العراق "معلّقة حالياً"، وربط استئنافها بالكشف عن المتورطين في استهداف السفارة الأمريكية وقاعدة الدعم اللوجستي في مطار بغداد الدولي.
وفي السياق ذاته أفاد عضو في المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي (بدرجة وزير)، في تصريح لـ"الحرة"، بأن توقف هذه الاجتماعات "يسبب ضرراً للعراق"، موضحاً أن بغداد تستفيد منها في "التنسيق الاستخباري وتبادل المعلومات"، وأن تعليقها "يقوض بعض الجهود الأمنية".
كما نقلت صحيفة المدى، في 20 أبريل 2026، عن مصادر مطلعة أن واشنطن قررت أيضاً تجميد تمويل عدد من المؤسسات الأمنية العراقية، ضمن إجراءات تصعيدية مرتبطة بالوضع الأمني، وربطت ذلك بضرورة محاسبة الجهات المتورطة في الهجمات.
وفي موازاة ذلك شددت السفارة الأمريكية في بغداد، ببيان تحذيري في 20 أبريل 2026، على أن "جهات مرتبطة بالحكومة العراقية توفر غطاءً سياسياً ومالياً وعملياتياً لهذه المليشيات"، في مؤشر على عمق الخلاف بشأن ملف الفصائل المسلحة.
يرى المحلل السياسي رعد هاشم أن نجاح سلاح "تجميد الدولار" في تفكيك الفصائل المسلحة أمر مستبعد؛ لكون الضرر يقع على كاهل الطبقات البسيطة والسوق المحلية بدلاً من التأثير على الأجنحة العسكرية التي تملك بدائل تمويلية خاصة.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين":
- واشنطن تتوهم قدرة هذه الورقة على فرض خيارات محددة لتسمية رئيس الحكومة.
- قرار تفكيك المليشيات يرتبط كلياً بتحجيم النفوذ الإقليمي لإيران، وما لم يضعف هذا الدور ستبقى محاولات الضغط المالي محدودة الجدوى.
- المجموعات المسلحة قد تلجأ لتنشيط أذرعها الاقتصادية والشركات التابعة لها لتعويض نقص السيولة، لا سيما في ظل تغلغلها الواسع في قطاعات الإنشاءات والمقاولات.
- يجبل أن تركز العقوبات الدولية على ملاحقة القادة وتجميد أموالهم الشخصية وتتبع عمليات غسل الأموال بدلاً من تجميد حركة الدولار الكلية التي تضغط على "المعاش اليومي" للعراقيين وتزيد من معاناتهم.
- توقف التنسيق الأمني مع واشنطن سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على حماية الحدود، خاصة أن بغداد تعتمد كلياً على الدعم الاستخباري الأمريكي في ملاحقة تنظيم "داعش" والجرائم العابرة للحدود.
- عدم اكتمال جاهزية القدرات الأمنية العراقية سيحدث تخلخلاً ميدانياً، واستمرار الهجمات على منشآت الطاقة بالخليج سيعمق التوتر الدبلوماسي ويقيد فرص الانفتاح الإقليمي التي بدأت سابقاً.
- مهمة الحكومة القادمة في الموازنة بين ضغوط واشنطن واشتراطات الفصائل شبه مستحيلة، في ظل سياسة ترامب التي لا تقبل "مسك العصا من المنتصف".
- العجز الحكومي يكشف عن فشل في إدارة التوازن بين القوى المتصارعة، ومرحلة "كسر العظم" الحالية تجعل من الصعب الفكاك من الانغماس في المحور الإقليمي على حساب الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.
وتُشكّل الهجمات المنطلقة من العراق نحو دول الخليج الحليفة للولايات المتحدة محوراً رئيسياً في تفسير طبيعة الضغوط الأمريكية.
وبحسب تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال"، في 21 أبريل 2026، فإن نحو نصف الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت السعودية –من أصل قرابة 1000 هجوم– انطلقت من الأراضي العراقية، واستهدفت مواقع حساسة، بينها مصفاة ينبع وحقول النفط في شرق المملكة.
كما استهدفت طائرات مسيّرة انطلقت من العراق مطار الكويت، إضافة إلى مواقع في البحرين، فضلاً عن منشآت وتمثيليات دبلوماسية خليجية داخل العراق، من بينها القنصلية الكويتية في البصرة وقنصلية الإمارات في إقليم كردستان.
ونقل تقرير "وول ستريت جورنال" عن الخبير الاستراتيجي مايكل نايتس قوله: إن "العراق هو المكان الذي يمكن للجميع الرد فيه، وهو ساحة مناسبة لاستعراض القوة".
كما أشار التقرير إلى تقييمات تفيد بإمكانية لجوء دول الخليج إلى الرد داخل العراق، في محاولة لتجنب التصعيد المباشر مع إيران، ما يعزز من احتمالات تحويل الساحة العراقية إلى نقطة اشتباك إقليمي مفتوح.
وفي السياق الدبلوماسي شهدت الأيام الماضية قيام السعودية، والكويت، والبحرين، والإمارات، إضافة إلى الولايات المتحدة، باستدعاء سفراء العراق لديها وتقديم مذكرات احتجاج رسمية، في تصعيد يعكس انتقال الأزمة إلى مستوى علني.
وفي هذا الإطار وصف المستشار السياسي للحكومة عائد الهلالي، في تصريح لصحيفة "الصباح" الجديد العراقية، في 20 أبريل 2026، هذه الخطوة بأنها "تطور بالغ الحساسية"، محذراً من أنها تضع علاقات العراق "أمام منعطف دقيق".
Loading ads...
كما أكد عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان مختار محمود، في تصريح للصحيفة ذاتها، أن هذه التحركات "تمثل رسالة واضحة لبغداد بضرورة إعادة ضبط المشهد الأمني الداخلي"، محذراً من أن "تجاهلها قد يؤدي إلى تراجع مستوى العلاقات مع دول الخليج".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




