غالبا ما يروج الخطاب الذكوري، استنادا إلى بعض الدراسات والإحصاءات أو روايات تُقدَّم كأدلة، لأفكار تبدو مقنعة للوهلة الأولى. غير أن هذه "الأدلة" تنهار سريعا أمام الأرقام الحقيقية، بسبب بيانات مزوّرة أو دراسات أسيء تحليلها أو روايات ناقصة. وتحاول فرانس24 في هذا الجزء الثالث، بالأرقام والدراسات "تفكيك" بعض الأطروحات الشائعة التي يتبناها الخطاب الذكوري. الأطروحة رقم 1: "يتعرّض الرجال والنساء للعنف الزوجي بالقدر نفسه" ما تقوله الدعاية الذكورية: تصوّر هذه الحجة العنف الزوجي على أنه "متناظر" أو "متبادل". أي أن الرجال والنساء يتعرضون له بالقدر نفسه. ويعتبر الخطاب الذكوري أن التركيز على عنف الرجال هو شكل من أشكال "كراهية الرجال". في الواقع: يتعرّض ما يقارب امرأة واحدة من كل ثلاث نساء حول العالم، أي نحو 840 مليون امرأة، للعنف الزوجي من شريك أو شريك سابق، أو للعنف الجنسي من غير الشركاء طوال حياتهن. وفي الاتحاد الأوروبي، تعرّضت 17.7% من النساء لعنف جسدي أو تهديدات أو عنف جنسي من شريك حميم. وترتفع النسبة إلى 31.8% عند احتساب العنف النفسي وفق أرقام الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية لعام 2024. وفي 2024 بفرنسا، شكّلت النساء 84% من ضحايا العنف الزوجي و98% من ضحايا العنف الجنسي. بمعنى أن 16% فقط من الضحايا كانوا رجالا.
لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.
يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.
النقاش © France24
39:24
Loading ads...
تبين هذه الأرقام أن الرجال قد يتعرضون هم أيضا للعنف. لكن بنية وطبيعة العنف غير متناظرة بين الرجال والنساء. فعامل تكرار العنف ضد النساء والسياق القائم على سيطرة الرجال على النساء تكون نتائجهما أكثر خطورة على النساء. وتؤكد "فيدرالية المواطن والعدالة" أن" اللامساواة البنيوية بين الرجال والنساء راسخة في المجتمع وتغذي الأرضية التي يقوم عليها العنف ضد الشريكات." من جهتها، أشارت جمعية "نجدة العنف الأسري" في كندا "SOS Violence Conjugale"، التي تقدم خدمات في مجال استقبال وتوعية الضحايا، في أحد مقالاتها إلى ضرورة التمييز بين عنف المعتدي (وهو الرجل في أغلب الحالات) وبين عنف من يدافع عن نفسه. وهو ما يُعرَف بـ"العنف التفاعلي" أو "المقاومة العنيفة". ما يجب فهمه: يعد وصف العنف على أنه "متناظر" محاولة لقلب معادلة السيطرة وإخفاء الطابع المنهجي للعنف ضد النساء، وتحويله إلى مجرد "نزاع فردي". وكتبت الباحثة الكندية في علم الاجتماع لويز بروسار أن هذه الأطروحة "تتعمد إنكار العنف ضد النساء كما تنكر أيضا وجود نظام الهيمنة الذكورية الذي يمنح امتيازات للرجال ويقمع النساء". الأطروحة رقم 2: "النساء يكذبن بشأن تعرضهن إلى العنف لتدمير الرجال" "يتهمن الرجال بحثا عن الشهرة" أو "لتحطيم المسار المهني للرجال". ما يقوله الخطاب الذكوري: يدعي أن الشكاوى التي ترفع بسبب الاغتصاب والعنف أغلبها كاذبة وأنها تستخدم فقط من أجل الحصول على المال أو على الامتيازات القانونية أو أيضا لتشويه سمعة الرجال. في الواقع: تتفق الدراسات على أن الادعاءات الكاذبة قليلة جدا وتتراوح نسبتها ما بين بين 2% إلى 8% فقط. هذا، ويؤكد مكتب المحاماة ACI أن "3 إلى 5% فقط من شكاوى الاغتصاب تعتبر كاذبة ولا ترتكز على أدلة بعد نهاية التحقيقات. كما يتم غلق بعض الملفات الأخرى بسبب غياب الأدلة لكن هذا لا يعني بأن بعض النساء تكذبن". اقرأ أيضاالعنف ضد النساء بفرنسا.. 1283 امرأة تعرضن للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب عام 2023 ووفق وحدة التدقيق بقناة Channel4 البريطانية، فهناك احتمال أكبر أن يتعرض رجل ما لعملية الاغتصاب من أن يتم اتهامه بالاغتصاب عن طريق الخطأ. في الحقيقية، المشكلة هي عكس ذلك. فحسب وزارة العدل الفرنسية، 4 نساء من أصل 5 اللواتي يوقعن ضحية الاغتصاب لا يرفعن شكاوى أمام القضاء". من جهة أخرى، يبدو أن المسار المهني للرجال خاصة أولئك الذين يتمتعون بالشهرة لا يتأثر كثيرا ولا يتغير حتى إن كانوا قد اتهموا بممارسة العنف الجنسي. وتؤكد الباحثة ستيفاني لامي أن "المسيرة المهنية للرجال والأغنياء أو أولئك الذين يملكون نفوذا في المجتمع، لا سيما الرجال البيض، نادرا ما تتأثر بالاتهامات أو حتى بالإدانات". ما يجب فهمه: الاتهامات الكاذبة تبقى نادرة للغاية مقارنة بحجم العنف الفعلي المبلغ عنه وغير المبلغ. الأطروحة رقم 3: "القضاء منحاز ولا ينصف الرجال والآباء" ما يقوله الخطاب الذكوري: يزعم أنّ القضاة "منحازون للأمهات" وأن الآباء يحرمون من حضانة أطفالهم. في الواقع: في فرنسا وبعد انفصال الزوجين، غالبا ما يتم تحديد السكن الأساسي للطفل لدى الأم (في حوالي 70 إلى 80% من الحالات). لكن في أغلبية هذه الحالات، يتم التفاهم بين الرجل والمرآة بشكل ودي (حوالي 80 إلى 85%) وليس بقرارٍ قضائي. وارتفعت الحضانة المشتركة تدريجياً منذ عشرين عاماً. فيما تجدر الإشارة إلى أنه في حال طلب الأب الحضانة المشتركة، فهذه تمنح له في 86% من الحالات. وتُظهر الدراسات أن القرارات ترتبط أساساً بمن كان يتولى الرعاية قبل الانفصال وليست ناتجة عن تحيز جنسي أو نوعي. ما يجب فهمه: يُخفي الخطاب الذكوري أجزاء كاملة من الواقع: مثل عدم دفع 25–35% من النفقات العائلية من قبل الرجال وإلقاء العبء الذهني والمادي على الأمهات بالإضافة إلى صعوبة إثبات العنف الأسري أمام القضاء. وتبين الأرقام أن النساء ما زلن يعانين من الفقر بعد الانفصال ويتعرضن للعنف، ما ينفي وجود "قضاء منحاز لهن". الأطروحة رقم 4: "النسوية تدمّر المجتمع والأسرة والرغبة" ما يقوله الخطاب الذكوري: يتهم النسوية بالتسبب في "أزمة الأسرة" وتراجع الخصوبة والعزوبية و"الإحباط الجنسي لدى الرجال". في الواقع: تُظهر البيانات أن صعود النسوية صاحب تراجع الزواج القسري والارتباط المبكر وتراجع العنف الزوجي في الدول التي تدعم مبدأ المساواة بين الجنسين. وتُظهر الدراسات أن الأزواج والعائلات الأكثر استقرارا هم أولئك الذين يتقاسمون المسؤوليات ويتواصلون بشكل متساوٍ. ما يجب فهمه: يُستعمل خطاب "تدمير المجتمع" في كل الثورات الاجتماعية: من إلغاء العبودية إلى منح المرأة حق التصويت. اقرأ أيضاجرائم العنف ضد المرأة : تعددت القصص والمعاناة واحدة وتشرح ستيفاني لامي أن ثمة اعتقاد بأنه سيتم استبدال الرجال البيض من قبل النساء (نظرية الاستبدال الكبير) وليس من قبل المهاجرين. غالبا ما يتم تقديم مبدأ عدم المساواة على أنه ضروري "لبقاء الحضارة"، لكن في الحقيقة البيانات تشير إلى أن المجتمعات الأكثر مساواة هي أيضاً الأكثر ازدهاراً والأكثر أماناً. الأطروحة رقم 5: "المرأة التي كانت تعيش مع شركاء سابقين لا تستطيع بناء علاقة مع رجل واحد" ما يقوله الخطاب الذكوري: يفترض أن "المرأة الخلوقة" هي تلك التي لم يكن لها علاقات جنسية كثيرة في السابق. وهناك نظرية تزعم بأن المرأة التي نسجت علاقات جنسية عديدة تكون قد استهلكت مادة "الأوسيتوسين" وبالتالي سيصعب لها بناء علاقة طويلة مع رجل آخر بحكم أنها نفذت كمية "الأوسيتوسين" التي كانت لديها. في الواقع: في الحقيقة، الجسم ينتج مادة "الأوسيتوسين" بشكل مستمر ولا توجد أية دراسة جدية تربط بين تعدد الشركاء و"تلف" قدرة المرأة على الارتباط. ما يجب فهمه: تعيد هذه الأطروحة إنتاج معيار مختلف للرجال والنساء: فالرجال يحتفون بجنسيتهم بينما يتم تجريم جنسية النساء. وتُستخدم هذه النظرية لتبرير السيطرة على أجساد النساء وحياتهن الخاصة. الأطروحة رقم 6: "النساء يتمتعن بامتيازات كبيرة" ما يقوله الخطاب الذكوري: يزعم أن النسوية منحت النساء "حقوقاً زائدة" و"قوانين متحيّزة". في الواقع: تعيش أكثر من 2.4 مليار فتاة وامرأة في دول تسجل فيها درجات "سيئة" أو "سيئة جداً" في مجال المساواة بين الجنسين. كما لا يتوقع أن يحقق أي بلد من أصل 139 مبدأ المساواة بحلول 2030. في فرنسا مثلا، تتقاضى النساء أجورا أقل من تلك التي يتقاضاها الرجال والفارق بينهما يصل إلى 22% سنوياً، وذلك حتى إن كانت المناصب التي تحتلها النساء والرجال متساوية من حيث الخبرة أو طبيعة العمل. كما تعاني النساء من انقطاعات عدة في مسارهن المهني وخلال الولادة وتربية الأطفال. وتبقى النساء الأقل حضورا في مراكز القرار والأكثر تحملاً للعمل المنزلي. كما أنهن الأكثر تعرضاً للعنف. ما يجب فهمه: لا يمكن النظر إلى القوانين وإلى الآليات الخاصة التي تحمي النساء على أنها امتياز، بل أدوات تصحيح لاختلال هائل في التوازن. الأطروحة رقم 7: "قوانين الموافقة في العلاقات الجنسية مبالغ فيها… خطورة مغازلة النساء ما يقوله الخطاب الذكوري: الخطاب العام يدعي أن ثقافة الموافقة في العلاقت الجنسية تجرم كل شيء: المغازلة، القبلة، سوء الفهم… في الواقع: تستهدف القوانين العلاقات الجنسية بلا موافقة حرة وواضحة. وتستبدل منطق "هل دافعت عن نفسها؟" بمنطق "هل قالت نعم؟". وتشير الدراسات إلى أن الهدف ليس "سوء الفهم"، بل أنماط الإلحاح والضغط والإكراه الواضحة التي تهدد النساء وتضعها في وضع حرج للغاية. كما تظهر أيضا بعض الدراسات التي أجريت لدى طبقة الشباب أن ثقافة الموافقة غالبا ما تحسن العلاقات وتقلل العنف. ما يجب فهمه: يهدف خطاب "لم نعد نستطيع المغازلة" إلى إبطال فكرة أن رغبة النساء تعادل وتساوي رغبة الرجال. الأطروحة رقم 8: "الرجال هم الضحايا الحقيقيون" ما يقوله الخطاب الذكوري: يزعم هذا النوع من الخطاب أن الرجال ضحايا للنسوية وأنهم يعانون من الانتحار والإدمان والفشل المدرسي، بينما "تستفيد النساء من كل شيء". في الواقع: تعاني فئة من الرجال فعلاً من مشاكل الصحة النفسية والانتحار. لكن الدراسات تربطها بالمعايير الذكورية المتطرفة (رفض طلب المساعدة، المخاطرة…). ويستخدم الخطاب الذكوري هذه المعاناة لمهاجمة النسوية بدلا من معالجة الأسباب الحقيقية. ما يجب فهمه: يستغل الخطاب الذكوري معاناة الرجال لخلق مواجهة مع النساء بدلا من معالجة جذور الأزمة. الأطروحة رقم 9: "جرائم قتل النساء مجرد حوادث معزولة" ما يقوله الخطاب الذكوري: يزعم أن قتل النساء مجرد "قصص فردية" ولا يشكل ظاهرة. في الواقع: قتلت 83.300 امرأة وفتاة عام 2024، من بينهن 50.000 على يد شريك أو أحد أفراد الأسرة. أي أن 137 امرأة تقتل كل يوم بهذه الطريقة. في فرنسا، تقتل نحو 120 امرأة كل عام على يد شريك أو شريك سابق. وفي يوم واحد فقط، الخميس 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قتلت 4 نساء على يد شركائهن السابقين. وتكشف التقارير الرسمية وجود عوامل متكررة: عنف سابق، انفصال حديث، وعدم احترام أوامر الحماية. ما يجب فهمه: يعد تقزيم هذه الجرائم واعتبارها "أحداثا فردية" إنكارا لبُعدها البنيوي ومحاولة لإسكات الحديث عن مسؤولية المعتدين ونجاعة السياسات العامة التي يجب أن تحارب العنف الممارس ضد النساء في كل مكان. بولين روكيت
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




