أعلنت وزارة التربية والتعليم في سوريا عن نيتها إغلاق معاهد إعداد المعلمين عام 2027، بغرض تحسين كفاءة المعلم وجودة التعليم، على افتراض أن المعلم الحاصل على شهادة جامعية بعد دراسة تمتد لأربع سنوات أفضل في التدريس من معلم حاصل على شهادة معهد بعد دراسة سنتين فقط.
إلا أن تحليل السياق السوري والأدلة الدولية الحديثة حول إعداد المعلمين يشكك في هذه الفرضية؛ إذ إن عوامل متعددة تؤثر في أداء المعلم داخل الصف، وليس نوع الشهادة وحده. كما أن بعض إصلاحات مسار إعداد المعلم، إذا لم تُصمم بعناية، قد تضر بجودة التدريس.
المفارقة أن سوريا جرّبت هذا الخيار من قبل ولم ينجح؛ فقد أوقفت معاهد إعداد المعلمين عام 2004، ثم أعادت فتحها لاحقاً عام 2022 بعدما تبيّن النقص الحاد في بعض الاختصاصات والمناطق. لذلك، فإن قرار إغلاق المعاهد من جديد يعيد فتح المعضلة القديمة التي لم تحسمها السياسات السابقة: كيف يمكن للوزارة تحسين "النوع"، أي جودة المعلمين، دون أن تؤثر سلباً في "الكم" المطلوب، أي توافرهم وانتشارهم لتغطية كل المدارس؟
في البداية، يجب الانتباه إلى تحديين بنيويين يؤثران في إعداد المعلمين، ومعالجتهما أسهل وأقل كلفة من إغلاق المعاهد.
الأول أن الجامعات تستقطب نخبة طلاب الثانوية كل عام، بينما تستقبل المعاهد من كانت معدلاتهم أقل في الشهادة الثانوية؛ أي إن الخلل مرتبط بنظام القبول في المعاهد، لا بأداء المعاهد نفسها. وهذا الفرق في مستوى الطلاب المقبولين يؤثر مباشرة في قدرة كل مؤسسة على تطبيق برامجها.
أما التحدي الثاني، فهو فجوة معيارية في حوكمة مهنة التعليم، تتمثل في غياب إطار وطني حديث لكفايات المعلمين؛ أي غياب تعريف رسمي للمهارات والمعارف والمواقف والقدرات التي يجب أن تتوافر في المعلم. وهذا يجعل الافتراض بأن الشهادة الأعلى تؤدي إلى تعليم أفضل افتراضاً هشاً، لأن قدرات المعلمين لا تُقاس بدقة، خاصة في الإدارة الصفية، ودعم الطلاب، والتنشيط المعرفي. عملياً، يعني ذلك أن برامج بناء القدرات وإعداد المعلمين تبقى غير مؤكدة النتائج، لأنها لا تستند إلى تشخيص واضح للاحتياجات.
وبالعودة إلى القرار، فهو يحمل كلفة كبيرة على مهنة التعليم من حيث الكم والنوع معاً. فحصر الدخول إلى المهنة بالدراسة الجامعية قد يقصي فئات واسعة من الطلاب بسبب الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما طلاب المناطق النائية، والطالبات، والأشخاص ذوي الإعاقة، وذوي الخلفيات الاقتصادية المحدودة، نظراً إلى طول سنوات الدراسة وتمركز الجامعات في مراكز المحافظات، مقارنة بمسار أقصر وانتشار أوسع للمعاهد.
وبالتالي، قد يؤدي ذلك إلى غلبة أبناء المدن القريبة من الجامعات على اختصاصات التعليم، ويزيد صعوبة توزيع المعلمين على المدارس البعيدة عن مراكز المدن بعد التخرج، بما يفاقم أحد أكبر تحديات قطاع التعليم في سورية: إيصال تعليم جيد وعادل إلى المناطق المدمرة والنائية.
وبعيداً عن كلفة العدالة في توزيع القوى العاملة، فإن افتراض أن خريج الجامعة يملك معرفة أفضل من خريج المعهد يجب أن يبقى نسبياً، لا مطلقاً. فالجامعات قد تكون أفضل في تقديم المعرفة التخصصية، وهذا مهم خصوصاً لمعلمي الحلقة الثانية؛ لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب المعرفة البيداغوجية المرتبطة بطرائق التدريس وإدارة الصف، والتي تركز عليها معاهد إعداد المعلمين بدرجة كبيرة.
كما أن ما يقارب 60 بالمئة من القوة العاملة في التعليم السوري هم من الفئة الثانية، أي حملة الشهادة الثانوية أو خريجو المعاهد بمختلف تخصصاتها، بينما نحو 40 بالمئة هم من الفئة الأولى، أي جامعيون، سواء من خريجي كليات التربية أو من تخصصات غير تعليمية. لكن السؤال الحقيقي هو: كم من هؤلاء جميعاً يملكون رخصة تعليم أو ما يعادلها؟ أي كم منهم تلقوا تعليماً وتدريباً كافيين ليكونوا معلمين داخل الصف؟.
وبناءً عليه، قد لا يكون الخيار الأنسب هو إغلاق معاهد إعداد المعلمين، بل إصلاحها. ويمكن أن يبدأ ذلك بجعل المعاهد منتشرة أو شبه متنقلة بين المناطق، بحيث تؤهل معلمين محليين وتوظفهم في الموقع نفسه، مع تحسين شروط القبول لاستقطاب نخبة الطلاب من الثانويات.
ويمكن تحقيق ذلك عبر ربط المعهد مباشرة بفرص التوظيف، واعتبار الدراسة جزءاً من الخدمة الحكومية، وإلزام الخريجين بالخدمة في مناطق دراستهم لسنوات محددة. إضافة إلى ذلك، يمكن تحسين كفاءة البرامج التدريسية في هذه المعاهد إذا نُقلت إدارتها إلى وزارة التعليم العالي، بما يمكّنها من رفد المعاهد بخبرات تدريسية وتحسين المناهج، مع تسهيل مسارات الإكمال الجامعي لخريجي المعاهد، ودعم ذلك بحوافز تتعلق بتسوية الوضع التعاقدي وتقديم قروض دراسية لهم.
Loading ads...
وعلى مستوى النظام التعليمي، من الضروري تطوير إطار حديث لكفايات المعلم واعتماده، بحيث يحدد معايير إعداد المعلمين بدقة، سواء عبر البرامج التقليدية أو البديلة. وفي الوقت نفسه، ييسّر هذا الإطار إطلاق رخصة التعليم، التي ينبغي أن تصبح تدريجياً شرطاً على جميع الفئات، سواء الأولى أو الثانية، قبل الدخول إلى الصف.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


