لكل مدينة حكاية يرويها مؤرخ أو كاتب، إلا اللاذقية؛ حكايتها ترويها فنانة تشكيلية. ففي اللاذقية وليس في أي مدينة أخرى، ثمة نسخة ثانية عن المدينة؛ نسخة من ذاكرة تسربت إليها الأمكنة، ونسخة المحبة الملونة التي تخطف الروح. من حيث الشكل يمكن اعتبار تلك النسخة شكلا من أشكال التاريخ، أما من حيث المضمون فهي حكاية المدينة قبل أن يجتاحها الإسفلت والإسمنت. تلك النسخة محفوظة في بيت سيدة كان من المفترض أن تكون فرنسية، سيدة درست الفن قبل ثورة الملتيميديا والفيوتريسم وما صاحب ذلك من التقنيات الرقمية.
تلك السيدة هي الفنانة التشكيلية ألين جوفروا نصري، وبيتها الذي تحول إلى مرسم ومعرض دائم للوحاتها التي تجاوز عددها مساحات الجدران والممرات، فتراكمت فوق ستانداتها على الطاولات. بإسلوبها المختمر، رصدت ووثقت فن العمارة في اللاذقية، ومعالم المدينة، وآثارها، وحاراتها وأزقتها، وكل ما هو قديم فيها.
في لقائنا الأول؛ وجدتني أمام تجربة فنية ملتزمة بمحاكاة الواقع. تجربة اختصرتها بالقول: يستهويني الحجر في البناء. لونه وحجمه وطريقة تموضعه.
ونحن ننتقل من غرفة إلى غرفة، تلك الغرف التي تزاحمت اللوحات على جدرانها، كانت عيوني تطير بين تلك اللوحات، هناك حيث يتجاوز الشكل ذاته، ويتحول إلى معنى. والغريب في الأمر أنها؛ ورغم السنوات التي أثقلت كاهلها، فإنها تتذكر كل الظروف المصاحبة لكل لوحة من لوحاتها، وتتذكر أين جلست ورسمت كل لوحة من تلك اللوحات الكثيرة، ومتى رسمتها، والدهشة الجمالية التي دفعتها لرسم هذا البناء أو ذاك.
سألتها: ماذا تشعرين حين تنظرين إلى هذا الكم الهائل من اللوحات؟ فقالت: حين أنظر إلى لوحاتي أستغرب كيف استطعت أن أنجز كل هذا الكم!
بهذه البساطة والعفوية كانت تجيب على أسئلتي. ومن طبيعة هذه العفوية أنها تثير الأسئلة التي تشبهها.
لولا توثيقي لتلك الأماكن، والأبنية القديمة، والمرفأ، لماتت صورها في الذاكرة، لأنها اليوم لم تعد موجودة. من خلال هذه اللوحات تحولت تلك الأماكن إلى ذاكرة حيّة متجددة ووثيقة تحكي التاريخ. فالصورة ضرورية ليكتمل البعد الوصفي للأمكنة بطريقة فنية وجمالية. فهي رسالة ووسيلة متاحة لكل شرائح المجتمع.
علاقتي لم تبدأ مع الرسم، بدأت بوقت مبكر مع الألوان، كنت حين أغمض عيني أرى ألوانا، وكنت أتساءل؛ وأقول لنفسي لماذا لا يوجد في خيالي وتصوراتي سوى الألوان؟ أما رغبتي بالرسم فإنها بدأت مع المرحلة الثانوية، وهذا قلما يحدث، كل الذين أعرفهم من الفنانين بدأوا بوقت مبكر.
تأثرت بلؤي كيالي، ونصير شورى، وليلى نصير. وأثناء الفترة الجامعية في بيروت ومن ثم إيطاليا انفتحت أمامي آفاق المعرفة. وأصبحت الحركة التشكيلية، ومدارسها، وروادها خبزنا اليومي.
لا أعرف كيف أصف لك شعوري حين أحمل مرسمي، وأجلس أمام الأمكنة التي أرسمها. هل تعرف شعور السواح حين يزورون الأمكنة الغريبة؟ شعوري يشبه شعورهم. فالرسم بالنسبة لي أسلوب تعبيري مباشر وواضح، له إيقاعه الذي يحاكي الواقع من خلال اللون والضوء والدلالات البصرية التي تلامس المعنى.
وكانت والدتي تخشى عليّ من وجودي لساعات طويلة أنا ومرسمي في الشوارع، لأنك لا يمكن أن تدرك عمق المشهد، وروحه؛ ما لم تكن أمامه "وجها لوجه". لذلك كانت والدتي توصيني أنا لا أخبر أحدا إنني من عائلة جوفروا (عائلة فرنسية)، بل أقول أنا من بيت "العشي" نسبة إلى أهل والدتي، وقد كان هذا الادعاء يوفر لي نوعا من الحماية. وما زلت أزور مناطق اللاذقية لأرى ما بقي منها، وأقارنه بما كان من خلال اللوحات.
تعبي الآن سببه شغلي سابقا. أنا أعتبر الرسم مرض لا شفاء منه؛ لذلك تراني كلما توقفت عن الرسم؛ أرى مشهدا يستحق التصوير؛ فأعود إليه.
وحين سألتها في آخر حديثنا عن شعورها حين تراجع مسيرتها الفنية، ومراحلها التي أخذت معها الكثير من سنين عمرك؛ ابتسمت وقالت: أشعر بالرضى والسعادة.
وهنا تذكرت كتابا ألفه الفنان العراقي هيمت محمد علي، بعنوان "تمائم العزلة"؛ استعرت ذلك العنوان؛ وقلت لها إن هذه اللوحات "تمائم العزلة". فابتسمت، وأومأت برأسها.
انتهى اللقاء، وما زالت الأسئلة توّلد أسئلة أخرى. وأنا أغادر ذلك البيت/ المرسم/ المعرض؛ انتابني شعور أن الحياة لوحة، والعمر إطارها.
ولدت ألين جوفروا في مدينة اللاذقية عام 1930، والدها مارسيل جوفروا، آخر قنصل فرنسي في اللاذقية. ووالدتها هي السيدة إيفون عشي ابنة الدكتور إلياس عشي.
أتمت ألين دراستها في اللاذقية حتى المرحلة الثانوية لتنتسب بعدها الى الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA) في بيروت، حيت تتلمذت على يد كبار الرواد من بينهم التشكيلي اللبناني الشهير قيصر الجميّل، والبروفسور فرناندو مانيتتي، لتتوجه بعدها إلى إيطاليا لتتابع دراستها في أكاديمية الفنون الجميلة في روما. وأثناء وجودها هناك انبهرت بالمدينة القديمة وأزقتها وبيوتها التاريخية القديمة، فاستهواها هذا الفن.. فن رسم وتوثيق معالم المدينة.
عادت ألين جوفروا الى اللاذقية بعد اتمام دراستها في روما، وبدأت شغفها برسم وتوثيق ذاكرة مدينتها ورسم معالمها وآثارها، فجالت الشوارع والأزقة القديمة وبدأت بتصوير كل ما هو قديم، وقد حفظت بمشروعها هذا تراثاً جميلاً من النسيان.
شاركت ألين جوفروا في العديد من المعارض، في بداياتها كانت تشارك بمعارض جماعية من تنظيم اليونيسكو وحصلت على الجائزة الأولى للرسم بالألوان المائية من اليونيسكو، ثم أقامت معرضها الشخصي الأول في بيروت عام 1957 (وقد كان أول معرض لسيدة يُقام بشكل فردي في بيروت)، وتتالت بعدها معارضها في دمشق وحلب وباريس وبيروت واللاذقية، وقد أقيم آخر معرض لها في دمشق وهي في عمر الـ94 عاماً.
Loading ads...
أما عن حياتها العائلية، فقد تزوجت ألين جوفروا من السيد إبراهيم ميشيل نصري الذي كان قنصلاً لفرنسا حتى العام 1990.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





