2 أيام
"أزالوا الخيمة لأجل كلب"... درس العنصرية والطبقية في النزوح اللبناني إلى البيال والكرنتينا - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

"كان هناك نازحة من جنوب لبنان أزالوا خيمتها بناءً على طلب إحدى القاطنات في منطقة البيال (الواجهة البحرية لبيروت) بحجة أنها تنزعج من مشهد الخيمة عندما تخرج كي تفسّح كلبها قرب هذه الخيمة"، تعكس هذه الحادثة التي روتها نازحة لبنانية في منطقة البيال لمواطنتها مريم هسي، وحكتها بدورها لرصيف22، المستوى الخطير من العنصرية والتحريض ضد النازحين في أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، كما تؤشّر في الوقت نفسه إلى هشاشة وضع النازحين في هذه المنطقة.
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان مطلع آذار/ مارس 2026، نزح أكثر من مليون شخص، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وواجهت الغالبية العظمى منهم ظروفاً مأسوية نتيجة الحرب وعجز الدولة اللبنانية عن تأمين مراكز إيواء لهذه الأعداد من النازحين.
وحتى 9 أيلول/ سبتمبر الجاري، وثّقت المنظمة الدوليّة للهجرة (IOM) وجود 333,144 نازحاً داخلياً في لبنان بزيادة 1.2% مقارنةً بأرقام 1 أيلول/ سبتمبر 2026. ومن بين هذا العدد، هناك 315,822 نازحاً داخلياً خارج مواقع الإيواء الجماعي بزيادة 1.3% مقارنةً ببداية الشهر مقابل 17,322 نازحاً داخلياً في 176 موقع إيواء جماعي. وقد أُبلغ بعودة 818,288 نازحاً داخلياً.
مريم (23 سنة) كانت وعائلتها ممن لم يجدوا ملجأً لهم سوى في منطقة البيال، ضمن خيمة صغيرة أصبحت ضمن تجمّع الخيم الذي عُرف إعلامياً لاحقاً بـ"المخيم الأزرق". وهي تروي لرصيف22 تجربتها في المخيم وتصاعد خطاب التحريض ضد النازحين هناك.
تقول: "خطاب التحريض بدأ مع موجة النزوح الأولى، حيث كانت الخيام غير منظَّمة ولم يكن هناك أي حضور للدولة، فأصبح الحديث (تقصد الهجوم) موجهاً لنا". ومن الحوادث التي تتذكرها جيداً: "كان هناك جامع في مواجهتنا، وكانت هناك قسوة شديدة في التعامل حين نذهب إليه للصلاة. ليه؟ لأننا من طائفة أخرى".
وتتابع بأنه ذات مرة حدث تلاسناً بينها وبين إحدى السيدات التي هاجمتها وقالت لها "أنتم الشيعة دماغكم مغسول وأنتم حلف إيراني وأنتم تابعين لإيران وأنتم جبتوا هذا الشيء لحالكم". ووصل الأمر أن أخبرتها مهاجمةً إياها: "روحوا على إيران وعلى العراق… فلّوا من البيال". وتوضح مريم أن هذا الخطاب أصابها بالصدمة والإحباط لأنه جاء من مواطنة مثلها لديها الحقوق نفسها وتعيش معها الحرب عينها. تقول: "ليه مواطن مثلي يجي يقلّي روحي على إيران أو روحي على العراق بس لأنه أنا طائفتي شيعية؟ أنا لبنانية، وين روح بحالي بكل بساطة؟".
ولا تختلف رواية النازح من قرية كفركلا الجنوبية، علي عطوي، عن شهادة مريم إذ يقول لرصيف22 إنه اضطر إلى النزوح إلى البيال بعدما دمّرت إسرائيل بلدته. وعن خطاب التحريض، يضيف: "في بداية نزوحنا إلى البيال، كان أصحاب المحال والمطاعم المحيطة يسألوننا حين نذهب لشراء حاجياتنا أو لاستعمال الحمام: 'معقول تعملوا متل الفلسطينية؟'، وكانوا يعبرون عن مخاوفهم من تدهور السياحة والمشهد العام في المنطقة".
وبينما لم يكن عطوي يملك إجابة على هذه الأسئلة، يشدّد عطوي على أن التحريض والروايات المضلّلة التي انتشرت عبر السوشال ميديا كان لها أسوأ أثر عليهم. يقول: "فوق ما تعانيه من تعب نفسي وجسدي وأن ترى أولادك جوعانين وأنت لا تستطيع إطعامهم. يأتي هذا الضغط من السوشيال ميديا، والاتهامات وما زاده المعلقون على ما وصلهم من شائعات وادعاءات بوجود تحركات وشبكات دعارة وبيع ممنوعات (مخدرات) وغيرها من القصص" في خيام النازحين.
بالعودة إلى تفاصيل ما حدث وكيف توجّه النازحون إلى منطقة البيال، جاء بعد عجز الدولة عن تأمين مراكز إيواء لأعداد كبيرة من النازحين بالتزامن مع التهديدات الإسرائيلية المتتالية بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت والقرى الجنوبية. آنذاك، لجأت عشرات العائلات إلى المساحات العامة، بما فيها في محيط حرش بيروت، وكورنيش الرملة البيضاء، وكورنيش عين المريسة، وكورنيش الروشة، وساحة الشهداء.
في الأثناء، وجّهت القوى الأمنية العائلات، تحديداً هذه التي افترشت الكورنيش وساحة الشهداء، إلى الانتقال إلى البيال، "ليبقى الكورنيش للسياح"، وذلك بحسب عدة شهادات استمعت إليها رصيف22 من النازحين.
وسرعان ما تحوّلت مساحة البيال من مكان إيواء مؤقت إلى صراع طبقي على المدينة ومساحاتها. حينها تصاعدت التعليقات والخطابات المنزعجة -في قالب تحريضي- معتبرين أن هذه الساحات العامة أو المفتوحة ليست مكاناً للنزوح، ومتهمين النازحين بمحاولة "الاستيطان" في وسط بيروت وعرقلة الحركة السياحية في منطقة مليئة بالمطاعم والملاهي الليلية.
وتميّز مريم بين حرية التعبير وخطاب الكراهية حيث تؤكد أن ما تعرّضت له والنازحين في البيال هو تحريض طائفي خرج بالأساس من سكان وأصحاب المحال في المنطقة لرفضهم مشهد الخيام في منطقتهم، لافتةً إلى أن هذا قد يبدو متفهّماً لكن ليس في ظروف الحرب وفي حالة النازحين الذين لم يجدوا مكاناً آخر يذهبوا إليه. كما تُبدي انزعاجها من ترويج معلومات مضلّلة تشبّه واقع النازحين في البيال بـ"استيطان النازحين الفلسطينيين ومن بعدهم السوريين في لبنان".
فكرة مخيمات النزوح اللبناني وربطها بـ"الاستيطان"، لم تكن وليدة نزوح أبناء الجنوب والضاحية إلى البيال في بيروت حيث يحيلها مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بسام القنطار، في حديثه مع رصيف22، على صراع النزوح السوري إلى لبنان ومن قبله المخيمات الفلسطينية.
وهو يشرح: "الناس لا يزال لديها اعتقاد خاطئ منذ العام 2011 حيال موجات النزوح السوري على أنه أي مستوى من الحد الأدنى من البنى التحتية لأشخاص في منطقة تسمى مخيمات غير نظامية. ويفضل هؤلاء الناس هذه المخيمات التي لا يوجد فيها أي بنى تحتية أو جدران من أشكال الإقامة غير المؤقتة الأخرى على حساب كرامة النازحين. وبالتالي، نشهد موجة تحريض ممنهجة تؤسّس في خلفيتها إلى مخيمات اللجوء الفلسطيني، أى المخيمات غير النظامية التي تحوّلت إلى شبه ثابتة في سهل البقاع".
لم يختلف الوضع كثيراً في الكرنتينا، التي كان الهدف منها أن تصبح مراكز إيواء مؤقتة للنازحين. ففي حين أخذ خطاب التحريض ضد النازحين في البيال منحىً طبقياً اقتصادياً، مال المشهد في الكرنتينا إلى الطائفية الصريحة التي أعادت إلى الأذهان شبح الحرب الأهلية.
القصة بدأت بعد قرار وحدة إدارة مخاطر الكوارث في 22 آذار/ مارس 2026 بتجهيز الكرنتينا للنازحين كحل بديل، ولكنه أفرز حملة تضليل وتحريض ضد النازحين عبر مواقع التواصل الاجتماعي في لباس طائفي ومناطقي صريح، واستُذكرت فيها الحرب الأهلية، وكل هذا تحت غطاء مخاوف الأهالي الأمنية "المشروعة".
تقول مريم هسي إن المنطقة التي "لا تصلح للسكن البشري" وكانت سوقاً "للخضرة والمواشي والحيوانات" -الكرنتينا- لم يُسمح بوجود النازحين فيها أيضاً. وهي توضح: "صاروا يقولوا هودي (على النازحين الذين كان مقرراً نقلهم الى الكرنتينا إنهم) نازحين سوريين جديد. هودي بدهم يعملوا مثل الفلسطينية. هودي شيعة شو بدهم يجيبوا على الكرنتينا. حتى الكرنتينا صار (التحريض) يعني ما فاتوا نازحين (على الكرنتينا) وصار فيها دغري تحريض!".
أما أحد النازحين الذين كانوا في منطقة البيال، ويُدعى محمد دغمان، فيروي لرصيف22 ما حدث معه عندما جاء قرار نقل النازحين من البيال إلى منطقة الكرنتينا، قائلاً: "عندما قالوا إنهم يريدون نقلنا من البيال إلى الكرنتينا، كانت هناك معارضة قوية جداً خصوصاً من حزبي الكتائب والقوات اللبنانية. عندما وضعوا الخيام في الكرنتينا، تدخّلت إحدى الشخصيات البارزة في الدولة وأوقفت هذا الموضوع. لكن بعدما انتشرت حملات التحريض على السوشال ميديا، شعرنا بأنه لم يعد مرغوباً فينا في بيروت، خصوصاً أن خطاب التحريض قادَهُ مسؤولون وشخصيات مشهورة".
ويلفت القنطار إلى خطورة استحضار مشهد الحرب الأهلية في "منطقة شديدة الحساسية مثل الكرنتينا، فيها ما بين المكون المسيحي والمكون الإثني الأرمني فيها تجمع كرد وسوريين وشيعة من أبناء المنطقة أنفسهم"، خاصةً بالنظر إلى ما يعيشونه من "حياة يومية فيها فقر مدقع وفيها بطالة واستغلال… منطقة تختصر كيف يتجمع الناس على أطراف مدينة".
لعب عدد من النواب والمسؤولين والمؤثرين، وحتى وسائل إعلام، الدور الأكبر في انتشار خطاب التحريض ضد النازحين في مواقع التواصل الاجتماعي، مما أدّى إلى تفاقم وضعهم سوءاً وزيادة وضعهم هشاشة. ففي دراسة لمؤسسة "مهارات" صدرت في آذار/ مارس 2026، بعنوان "مركز إيواء الكرنتينا… بين المخاوف الأمنية والخطاب التحريضي"، حلّلت فيها واقع انتشار خطاب الكراهية ضد النازحين عندما كان مقرّراً نقلهم إلى الكرنتينا، ورد أن البداية كانت من جريدة نداء الوطن، في تاريخ 23 آذار/ مارس 2026، حيث عنونت صفحتها الأولى: "مخيم الكرنتينا... غطاء لإطباق القبضة على بيروت"، معتبرةً أن "حزب الله" يسعى إلى إحكام قبضته على بيروت بعد "هزيمته أمام إسرائيل"، في خطاب خطير يحسب جميع النازحين على الحزب.
وتعليقاً على مخرجات هذه الدراسة، يقول الباحث والصحافي في مؤسسة "مهارات"، بلال ياسين، لرصيف22: "هل يوجد مؤسسة إعلامية -عدا الوسائل الإعلامية المستقلة على قلة عددها- غطّت النزوح إلى البيال، من حيث أهمية المعلومة وتوقيت إنشاء الخيم وانتهائها، وصولاً إلى لوازم الناس وتداعيات نزوحهم؟".
ويُجيب ياسين بأن "المشكلة كانت في غياب البعد الإنساني في التغطيات التي كانت سياسية في أغلبها، حيث أصبح النازح أداة لإيصال رسائل سياسية، بل وذهبت وسائل الإعلام التقليدية والمحسوبة على أحزاب سياسية إلى تأجيج الخطاب الطائفي والسياسي"، مردفاً بأن التأثير الأكبر كان لوسائل الإعلام الكبرى التقليدية.
القصة لم تنته عند عنوان جريدة "نداء الوطن" بحسب الدراسة، إذ شارك في حملة التحريض نواب وسياسيون وإعلاميون في مواقع التواصل الاجتماعي. وخلصت الدراسة إلى أن عناصر التشويه المستخدمة في هذا الخطاب شملت استذكار الحرب الأهلية والتخويف من تحويل المخيمات إلى خطوط تماس وتصويرها كمؤامرة لتطويق المناطق المسيحية، واعتبار مشروع البيوت المؤقتة للنازحين في الكرنتينا يخلق بؤرة أمنية جديدة.
بدوره، يعتبر ياسين أن وسائل الإعلام الرئيسية في لبنان "ساهمت في الشرخ العمودي الموجود في البلد"، متابعاً "لبنان اليوم منقسم بين فريق يقود حملات على النازحين بحجة خيار الدولة والتذكير بالحرب الأهلية، في مقابل فريق آخر يعتبر أن الدولة ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هم عملاء ويخوّنهم. انعكس هذا الأمر على وسائل الإعلام، فبتنا نشهد المؤسسات الإعلامية الضخمة تعيد إنتاج خطاب التحريض، بما ينعكس على المجتمع بشرخ أكبر".
ويستطرد ياسين "في المقابل، يلاحظ غياب تام لهذه الوسائل الإعلامية عن دورها بمراقبة السلطة ونشر معلومة بشكل مهني والالتزام بأخلاقيات الصحافة. وبالتالي، المشهد الإعلامي في لبنان (وسائل الإعلام الكبرى) بين من يخلق أو يعيد إنتاج الخطاب يعنه، ولكن باختلاف الحجة والهدف".
ولم يقتصر خطاب التحريض ضد النازحين في البيال والكرنتينا على ما سبق بل عاد بالذاكرة إلى الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، بإحياء مخاوف تقسيم بيروت طائفياً واقتصادياً وحتى جغرافياً. ولفهم هذا السياق، تشرح الأستاذة المساعدة في كلّية الدراسات العليا في العمارة والتخطيط والحفظ في جامعة كولومبيا، هبة بوعكر، مؤلفة كتاب "لحربٍ منتظرة… تخطيط حدود بيروت"، كيف أعيد إعمار بيروت بعد الحرب الأهلية.
تستحضر بو عكر، في حديثها إلى رصيف22، نقطةً جوهرية تناولتها في كتابها، وهي أن خطاب التحريض الحالي متجذّر في التحوّلات الديمغرافية التي شهدتها عدة مناطق، مثل المناطق الواقعة على خط طريق صيدا القديم، والتغيّرات السابقة في منطقتي الأوزاعي والسان سيمون، إذ توجد تخوّفات من أن استمرار النازحين في البيال أو الكرنتينا قد يُكرّر السيناريو السابق حين رسّخ النازحون وجودهم بشكل دائم في المناطق المذكورة.
وتشير إلى أن "ذاكرة الحرب الأهلية لم تُطوَ برحيلها، بل لا تزال حاضرة في كل ما يتعلق بالسكن والإيجار. فكل قرار يتعلق بالأراضي وبيع المساكن وشرائها يوضع في سياق الحروب السابقة والحروب الحالية والحروب المحتملة".
وفي ما يخصّ هذا الخطاب القائم على "الاستيطان" و"التغيير الديمغرافي"، تقول بوعكر إنه "نابع من سابقة تاريخية تعود إلى احتجاجات مناصري "حزب الله" وإقفالهم الطرقات، كما جرى في طريق المطار، وإلى الهواجس التي خلّفتها أحداث 7 أيار عام 2008. هذه النظرة التخوينية لا تزال تشكّل شرخاً عميقاً بين اللبنانيين، وقد استُحضرت مجدداً في الكرنتينا مع وصول النازحين، فهي في جوهرها خوف من الآخر. في المقابل، ثمة من يرفض الاعتراف بوجود حرب أصلاً في لبنان، ويريد للبلد أن يستمر في مسار حياته الطبيعي كأن شيئاً لم يكن".
"هناك أيضاً خطاب رافض للآخر بجوهره -'هؤلاء لا ينتمون إلى بيئتنا ولا يشبهوننا'- ويريدون فرض أسلوب حياة مختلف علينا، ونرفض أن نشاركهم الجيرة. وهذا أمر مؤسف، لا سيّما أن هذه المرة القليلة التي حاولت فيها الدولة أن تقوم بأدنى واجباتها، بتوزيع الخيم على النازحين حتى لا يبقوا في العراء، واقتراح إقامة مخيم شرعي في الكرنتينا، لكن حتى هذا الجهد المتواضع انقلب إلى خطاب كراهية وتحريض بغيض ومقيت، مما أدّى إلى تعليق مشاريع مشابهة"، تُردف.
أما القنطار، فيفسّر أن خطاب التحريض المتعالي ضد النازحين هو أصلاً متفشٍ في المجتمع اللبناني حيث "ينخفض ويظهر بحسب المعطى والسياق"، مستدركاً بأن واقع النزوح الكثيف تحت العدوان الإسرائيلي الأول خلال عامي 2023 و2024، ثم الحرب التي بدأت في آذار/ مارس 2026، جراء الغارات الإسرائيلية، أدّى إلى حالة استثنائية أفرزت عوامل تحريض متعدّدة، اتخذت مسارين الأول طائفي مذهبي والثاني رأسمالي يرتبط بالمرتكز الاقتصادي والاجتماعي.
وهو يشرح أن هذا العامل الأخير نبع من وجود فئة من الناس تعتقد أن ملكيتها الخاصة كجزء في حيز عام مصنّف اقتصادياً أنه أعلى وأكثر رفاهية، يجعلها الآمر الناهي على هذا الحيز العام كما حصل في البيال، عندما تصاعدت مطالب مالكي العقارات والمحال المقابلة لخيام النازحين بإزالة هذه الخيام بحجة أنهم اشتروا هذه العقارات لرؤية البحر لا الخيام.
رضوخاً لهذا الغضب، دعت وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيّد، العائلات النازحة في "البيال" إلى الانتقال إلى المدينة الرياضية. لكن رفض النازحين مطلب الوزيرة، زاد الهجوم والتحريض ضدهم.
إلى ذلك، لا يسمّي مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، القنطار، ما حدث بـ "خطاب كراهية" لأنه برأيه لم يستوف شروط هذا التصنيف إذ تحرص الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان قدر المستطاع على توثيق هذه الحالات بعيداً عن المبالغة بالتركيز على ما تشكّله من انتهاكات.
وهو يوضح: "بالطبع هناك خرق لمعايير أساسية من معايير حقوق الإنسان وهو التحريض ضد الناس، ولكن الهيئة تلتزم بمعايير خطاب التحريض والكراهية الواضحة التي جرى تثبيتها منذ العام 1912 ضمن ما يعرف بـ"خطة عمل الرباط"، مبرزاً أنه في حال لم تنطبق المعايير الستة كلها، فلا يمكن تصنيف الانتهاك بصفته تحريضاً وكراهية.
وهذه المعايير هي: السياق، ومكانة المتحدث، والنية المقرونة بالتعمد، ومحتوى الخطاب وأسلوبه، ومدى وحجم انتشاره، وأرجحية حدوث ضرر وشيك.
وبحسب القنطار، "هناك موجات تحريض تؤدي إلى حالات قتل وعنف خارج القانون، وهناك بعض أنواع التحريض تنفجر كقنبلة موقوتة بسياق عنف دموي. لكن في حالة لبنان، الأمور لا تزال عند المستوى ما قبل الانفجار"، و"بكل بشاعة ما تظهره الحرب وخطاب الكراهية" يعتقد القنطار أن اللبناني مع نفسه في كل مرة يعود باللاوعي كي يجدّد تضامنه مع حاله ومع المحيطين به.
ختاماً، تبقى تبعات هذا الخطاب الذي واجهه النازحون في البيال والكرنتينا صعب التخلّص منها أحياناً. مريم هسي على سبيل المثال تقول إن ما تعرّضت له ترك أثراً كبيراً داخلها، وأشعرها بالألم والإحباط من بعض أبناء بلدها من طوائف أخرى. تروي: "صرت بخاف…آه صرت بخاف من الشخص الثاني. يعني أنه أنا اليوم ابن بلدي عم يحكي معي بهالطريقة، بتخاف من ردود فعله. أنه شو ممكن بعدين يعمل إذا هيك عم بحكي في وقت مثلاً أنت بحاجة يوقف حدك، فبعدين شو بدك يصير؟".
Loading ads...
وتذهب أبعد من ذلك بالقول إنها -وأسرتها- وصلت إلى قناعة بـ"أنه مستعدة أنزل تحت القصف، أموت، ولا أنه إجي لهالدرجة من البهدلة". فهل تحمي الدولة اللبنانية النازحين الآن ومستقبلاً من تكرار ما حدث في البيال والكرنتينا؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





