وسط أزيز الطائرات وأصوات الانفجارات التي تهز أكثر من بلد حول العالم، ثمة حرب باردة جديدة تدور رحاها في الكواليس، ولا تقل ضراوة عن تلك التي دارت إبان الحرب العالمية الثانية.
فقد رصدت حلقة 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026 من برنامج "المرصد"، حوادث التجسس التي جرى كشفها مؤخرا في أكثر من بلد، وكان بعضها بين الحلفاء لا بين الخصوم، مما دفع أحد الصحفيين للقول إن حرب الجواسيس وظلال الحقبة الباردة لم تنته أبدا وإنما غيرت أدواتها.
ففي ألمانيا، وبينما الشاشات تضج بأخبار الصواريخ والمسيرات في أوكرانيا والشرق الأوسط، استفاقت العاصمة برلين صباح 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، على نبأ اعتقال الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات الخارجية "بي إن دي"، أوغست هانينغ، بتهمة التجسس والشروع في الخيانة.
وتولى هانينغ رئاسة الاستخبارات الخارجية الألمانية بين 1998 و2005، وتشتبه السلطات في استخدامه معلومات لإعداد تقييم لجهاز استخبارات أجنبي، حسب ما أكدته المتحدثة الرسمية باسم النيابة الفيدرالية إيناس بيترسون.
و يواجه هانينغ ومدير مكتبه السابق مانفريد دي، تهمتي التجسس والخيانة العظمى، ويعد الكشف عن جريمة التجسس لـ هاتينغ مفارقة درامية كبيرة، إذ لم تكن السلطات تعرف عنها شيئا، حيث اكتُشف الأمر بالصدفة خلال تفتيش يتعلق بقضية جنائية منفصلة لمنزل هانينغ.
ولم تكشف النيابة الألمانية عن الجهة الأجنبية التي كان هانينغ يعمل لصالحها، لكن صحيفة "دير شبيغل" قالت إن الأمر يتعلق بأذربيجان، وهو ما نفته باكو بشكل قاطع.
وفيما نفت صحيفة "زود دويتشه" الألمانية أن تكون روسيا طرفا في القضية، تساءلت "كييف بوست" الأوكرانية عن الخطر الذي يمكن أن تشكله هذه الفضيحة الأمنية على أوكرانيا ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو).
لم يكد يهدأ غبار عاصفة هانينغ في برلين حتى خيمت سحابة أخرى فوق لندن بعدما أدانت المحكمة البريطانية مجندا في البحرية الملكية يدعى تيدي يانغ، بالاستحواذ على معلومات محمية بقصد تسليمها إلى حكومة أجنبية.
وحسب النيابة البريطانية، فقد ترجم يانغ وثيقة سرية للغاية إلى اللغة الروسية وحاول الاتصال بجهات في موسكو عبر شبكة الإنترنت المظلمة (ديب ويب).
والتزمت غالبية وسائل الإعلام البريطانية بنشر التقارير الرسمية المتعلقة بالقضية لكن القناة الرابعة وقناة "آي تي في"، ذهبتا للحديث عن استعادة أجواء الحقبة الباردة وحروب الجواسيس ومدى ترابط واقعتي برلين ولندن وغيرهما من العواصم.
فهذا الجيل الجديد من حروب الجواسيس لا يكتفي بسرقة الأسرار وإنما يعمد لتزييف الحقائق في هذا الصراع الذي بدأ الإعلام الأوروبي يطلق عليه "الحرب الباردة الجديدة"، مشيرا إلى أنها لا تستثني حتى الحلفاء.
فالحرب الباردة الجديدة تجاوزت سرقة الأسرار العسكرية والأمنية إلى تزييف الوعي وتوجيه الدبلوماسية نحو أهداف سياسية وسرديات إعلامية بعينها، وهو ما أكده الكشف الثالث الذي تناولته حلقة "المرصد".
وفي هذه الحالة استهدفت الضربة الولايات المتحدة، ولم يكن الطرف الآخر خصما كالصين أو روسيا وإنما حليفتها الأقرب: إسرائيل، التي كشفت "نيويورك تايمز" ، أنها عمدت إلى التلاعب بمراسلات السفارة الأمريكية في القدس المحتلة.
وكان بطل هذه الواقعة ديفيد ميلستين -كبير مساعدي السفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هاكابي- الذي تورط في حجب وتشويه التقارير الدبلوماسية الرسمية بهدف حماية حكومة بنيامين نتنياهو، وتجميل صورة إسرائيل أمام صناع القرار في واشنطن.
وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي المتعمد بشكل عام، أثارت الفضيحة عاصفة من الجدل في أوساط عدد من الصحفيين والسياسيين في كل من واشنطن وتل أبيب، حيث وصفت المعلقة السياسية الأمريكية كريستال بال، ما حدث بأنه "أمر جنوني".
وفي حين قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن تحقيق نيويورك تايمز "يظل اتهامات لم تثبت بعد"، أشارت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن السفير هاكابي نفسه "متورط بتعديل التقارير، رغم أنه كثيرا ما كان يتدخل لكبح جماح ميلستين".
فمن اختراق قمة هرم الاستخبارات في برلين إلى الخيانة العسكرية في لندن وصولا إلى التلاعب بالتقارير والمراسلات في تل أبيب، ثمة عمليات تجسس تدور في الظل ودعاية إعلامية موجهة تمثل فصولا جديدة في كتاب الجاسوسية.
Loading ads...
وبحسب ما خلص إليه "المرصد" فإن هذه الوقائع تثبت أن الحرب الباردة لم تتوقف يوما بقدر ما طورت أساليبها ووسعت جبهاتها لتتحول إلى معركة شاملة تتجاوز الأهداف العسكرية والسياسية إلى التلاعب بعقول الشعوب وذاكرتها وتاريخها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




