ساعة واحدة
“ترمب أسد داخل قفص”.. ما حدود قدرة الكونغرس على كبحه خارجيا؟
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026
لا يحتاج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى خسارة صلاحياته الدستورية كي يجد نفسه مقيدا؛ فحين تنتقل السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين، تصبح الميزانية والاعتمادات والتشريع أدوات ضغط على قرارات البيت الأبيض، خصوصا في ملفات إيران وإسرائيل وأوكرانيا والإنفاق العسكري.
فالرئيس الأمريكي يحتفظ بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، لكنه لا يستطيع تجاهل مجلسي الكونغرس عندما يتعلق الأمر باعتمادات مالية جديدة أو تشريعات لازمة لاستمرار توجهاته. ومن هنا تتحول الميزانية إلى أداة ضغط قد تحد من خيارات البيت الأبيض.
لكن الأثر السياسي للنتائج يسبق انتقال السلطة التشريعية إلى الفائزين؛ إذ تبدأ ولاية الكونغرس المنتخب في 3 يناير/كانون الثاني 2027، وفق التعديل العشرين للدستور الأمريكي. وفي هذا الفاصل، يطرح أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت عبد الله الشايجي، سؤالا عن خيارات ترمب خلال الشهرين المقبلين، وما إذا كان سيتجه إلى التصعيد قبل أن تتولى الأغلبية الجديدة مهامها.
ويرى الباحث المختص بالقانون الدستوري والأنظمة السياسية سليم زخور أن نتائج الانتخابات ستلقي بظلالها على سياسات ترمب، لا عبر تغيير فوري في صلاحياته التنفيذية، بل من خلال دور رقابي ومالي وتشريعي أوسع للكونغرس الديمقراطي في المرحلة المقبلة.
واستعان الشايجي، في وصف وضع ترمب بعد خسارة حزبه الأغلبية، بتشبيه سمعه من أحد الأشخاص، قائلا: "ترمب تحول من أسد طليق في الغابة إلى أسد داخل قفص". ويرى أن سيطرة الديمقراطيين على اللجان وتحديد جدول أعمالها والإمساك بأدوات التمويل ستتيح لهم عرقلة سياسات الرئيس واستدعاء الوزراء والمسؤولين للتحقيق والمساءلة، رغم احتفاظه بصلاحياته قائدا أعلى للقوات المسلحة.
في المقابل، اعترض سيرجيو دي لا بينيا نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق على مدى انطباق التشبيه، مشيرا إلى استمرار نفوذ الرئيس وامتلاكه حق النقض. وقال للجزيرة: "نعم في قفص ولكن باب القفص مفتوح"؛ في تعبير عن تقديره أن الرقابة التشريعية لا تغلق جميع خيارات البيت الأبيض.
وتتضح ساحات هذا الاشتباك في 4 ملفات أشار إليها الزميل أمجد أبو سيدو من غرفة الأخبار، نقلا عن تقرير لرويترز: الحرب على إيران، والحرب في أوكرانيا، ودعم إسرائيل، والإنفاق العسكري؛ وهي ملفات تتقاطع جميعها مع قرارات التمويل والتشريع.
وتكتسب هذه المعادلة أهميتها من أن استمرار أي حرب يحتاج إلى تمويل، كما أن الإنفاق الحكومي نفسه يتطلب توافقا على اعتمادات جديدة. وبذلك لا يعود القرار العسكري أو السياسي منفصلا عن حسابات الموازنة داخل واشنطن.
وبحسب زخور، فإن الاعتمادات القائمة للحرب ستنتهي صلاحيتها، ما يضع الإدارة أمام حاجة إلى تمويل جديد، في وقت ينتهي فيه التمويل العام للحكومة الفدرالية في ديسمبر/كانون الأول، وهو ما يفتح مواجهة حول موازنة العام المقبل.
وقد ظهر احتياج الإدارة إلى تمويل إضافي في طلب قدمه مكتب الإدارة والميزانية إلى الكونغرس في 24 يونيو/حزيران 2026، بقيمة 87.6 مليار دولار، قال إن معظمها مخصص لاحتياجات مرتبطة بالعملية العسكرية ضد إيران، إلى جانب أغراض أخرى.
وشمل الطلب 21 مليار دولار لدعم القدرات العسكرية وشراء الذخائر وتعزيز القاعدة الصناعية الأمريكية، بما يوضح امتداد معركة التمويل من إدارة العمليات إلى تأمين احتياجاتها.
وتشمل انتخابات التجديد النصفي جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435، إلى جانب 35 مقعدا من أصل 100 في مجلس الشيوخ، فضلا عن انتخابات حكام 36 ولاية؛ وقد أفضت النتائج التي تناولها الحوار إلى سيطرة الديمقراطيين على المجلسين.
وبرزت ولايتا كنساس وتكساس في التحول الانتخابي؛ إذ أشار مراسل الجزيرة أمجد أبو سيدو إلى فوز الديمقراطيين بمقعد مجلس الشيوخ في كنساس للمرة الأولى منذ عام 1932، وبمقعد تكساس للمرة الأولى منذ عام 1988.
ويقرأ زخور هذه النتائج بوصفها مؤشرا على تراجع ثقة جزء من القاعدة الجمهورية بترمب، معتبرا أن ناخبين من الحزب صوتوا ضد مرشحيه، في تعبير عن خيبة أمل من مجمل سياساته، ولا سيما الحرب على إيران.
وتنسجم هذه القراءة مع استطلاعات أوردها أبو سيدو عن توجهات العرب الأمريكيين قبل الاقتراع؛ إذ أظهر استطلاع لواشنطن بوست تأييد 58% من الناخبين العرب الأمريكيين المسجلين للديمقراطيين، مقابل 34% للجمهوريين، فيما سجل استطلاع المعهد العربي الأمريكي 59% للديمقراطيين مقابل 26% للجمهوريين.
كما أظهر استطلاع واشنطن بوست أن 80% من المشاركين العرب الأمريكيين غير راضين عن تعامل ترمب مع إسرائيل وغزة، و75% غير راضين عن تعامله مع إيران؛ وشدد أبو سيدو على أن هذه الأرقام استطلاعات سابقة وليست نتائج انتخابية.
وربط زخور هذا التراجع بشعور ناخبين جمهوريين بأن ترمب ابتعد عن شعار "أمريكا أولا"؛ إذ رأوا في الحرب على إيران تناقضا مع تعهداته الانتخابية، فاختاروا التصويت لمصلحة الديمقراطيين ومعاقبة حزبهم في صناديق الانتخابات الأمريكية حينها.
وفي مواجهة الخسارة، شكك المدير التنفيذي للمعهد العالمي للدراسات الإستراتيجية محمد علي الشيخي في تقبل ترمب للهزيمة، ورأى أن تهنئته وإعلانه الاستعداد للتعاون لا يكفيان للحكم على موقفه، مستندا إلى ما وصفه بطبيعته الرافضة للاعتراف بالخسارة.
وأشار الشيخي إلى أن ترمب قد يحاول تحميل مسؤولية النتائج لوسائل إعلام أو لمرشحين جمهوريين، أو البحث عن وسائل لمواجهة قرارات الكونغرس، مستحضرا تلويحه باستخدام حق النقض، بل وصفه نفسه بأنه يرحب بلقب "السيد فيتو".
ولا يستبعد الشيخي أن يلجأ ترمب إلى عمل عسكري ضد إيران قبل أن تزداد الضغوط عليه، لكنه حذر من أن أي تحرك من هذا النوع ستكون له تداعيات قاسية على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وعلى المنطقة والحلفاء.
وفي تقديره، قد تدفع الحسابات ترمب إلى التفاوض إذا انسدت الخيارات؛ إذ يرى الشيخي أن إيران ربما تقدم تنازلات محدودة سعيا إلى اتفاق. لكن زخور يدعو إلى مراقبة الأفعال، لمعرفة ما إذا كانت واشنطن ستختار التسوية أم التصعيد.
ولا يحصر سيرجيو دي لا بينيا خيارات ترمب تجاه إيران بين الحرب والتفاوض؛ إذ يرى أن الرئيس يحتفظ بأدوات اقتصادية ودبلوماسية للضغط، حتى دون استخدام القوة العسكرية. ويستبعد، في حديثه للجزيرة، أن يتجه الكونغرس إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، معتبرا أن هذه الأدوات تمنح البيت الأبيض مساحة لمواصلة الضغط رغم تغير موازين القوى التشريعية.
ويدخل ملف إسرائيل هذه المرحلة بعد إعلان من ترمب نفسه؛ إذ قال لفوكس نيوز في 3 نوفمبر/تشرين الثاني إن التمويل الأمريكي الذي تتلقاه إسرائيل سيتوقف بنهاية العام، مؤكدا في الوقت نفسه أنها تستطيع مواصلة شراء الأسلحة الأمريكية. ويبرز التصريح الفرق بين وقف التمويل واستمرار بيع السلاح، من دون أن يحسم نطاق الأموال المقصودة أو تفاصيل تنفيذ الإعلان.
ويرى الشيخي أن التحفظ على دعمها لم يعد محصورا بالديمقراطيين، بل امتد إلى أصوات جمهورية وتيارات في "ماغا"، مع مطالب بتوجيه أموال الضرائب للداخل؛ مستشهدا بقول جيه دي فانس نائب الرئيس إن إسرائيل ما كانت لتوجد لولا الولايات المتحدة.
ومن داخل القراءة الديمقراطية، يميز ريتشارد غودستين، عضو الحملة الانتخابية للرئيس بيل كلينتون سابقا، بين دعم إسرائيل والموافقة على سياسات حكومتها. ويقول للجزيرة إن قيادات تقليدية في الحزب لا تزال تؤيد إسرائيل، لكنها تعارض نتنياهو وما يجري في الضفة الغربية، متوقعا رفض الديمقراطيين تمويل عمليات الاستيطان. وهو تقدير يتعلق بوجهة الدعم واستخدامه، لا إعلان عن قرار بوقف مجمل المساعدات لإسرائيل.
أما في أوكرانيا، فيتوقع سليم زخور استمرار نهج ترمب القائم على تحميل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمن القارة وتمويل تسليح كييف. ويلخص هذا الاتجاه بقوله للجزيرة: "بيع السلاح الأمريكي، والمال الأوروبي، ومسؤولية أكبر للأوروبيين بما يتعلق بأوكرانيا".
وبذلك يضع زخور الملف ضمن المساحات التي يرجح استمرار توجهها العام رغم تشديد الرقابة على البيت الأبيض، وليس ضمن تحول يقوده الكونغرس الجديد لنقل كلفة الدعم إلى الأوروبيين.
Loading ads...
ولا يرجح زخور تغيرا شاملا في السياسة الخارجية، لكنه يتوقع تعديلات في بعض الملفات، بينها السودان واليمن وليبيا، وتركيزا أكبر لترمب على الخارج بعد خسارته في الكونغرس، وفق أهدافه السياسية والاستعداد للانتخابات الرئاسية؛ مع احتمال بروز نائب الرئيس ووزير الخارجية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




