34 دقائق
إذا كانت الآلة تترجم لك كل شيء.. لماذا ما زلت تحتاج إلى تعلم لغة أجنبية؟
الإثنين، 28 سبتمبر 2026

آخر تحديث: 13:58 (توقيت مكة)
لم تعد الآلة تترجم الكلمات فقط، بل دخلت إلى قلب المحادثة نفسها. ومع تطور الترجمة الصوتية الفورية، بات من الممكن أن يتحدث شخص بلغته بينما يسمع الطرف الآخر الكلام بلغته، مع الحفاظ على نبرة المتحدث وصوته في بعض الأنظمة. فهل يتغير بذلك سبب تعلم اللغات الأجنبية، بعدما أصبحت الآلة قادرة على أداء جزء كبير من المهمة
في سبتمبر/أيلول الجاري، أعاد مدرس الرياضيات الصيني تانغ جيافنغ هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما دعا إلى سحب صفة المادة الأساسية من الإنجليزية في المدارس والجامعات. يرى تانغ أن الطلاب وأسرهم والمدارس ينفقون وقتا وموارد كبيرة على لغة لا يحتاجها معظم الناس في حياتهم المهنية، في وقت تستطيع فيه أدوات الذكاء الاصطناعي الترجمة بسرعة.
وأثارت دعوته نقاشا واسعا حول مكانة الإنجليزية في التعليم، بين من يرى أن التكنولوجيا تقلل الحاجة العملية إليها، ومن يتمسك بدورها في الوصول إلى المعرفة والفرص الدولية. لكن التطور التقني لا يعني أن تعلم اللغة أصبح بلا قيمة.
في 15 سبتمبر/أيلول، أعلنت شركة "ديب إل" (DeepL) تطوير نماذج الترجمة الصوتية لديها بحيث تحافظ على الصوت المميز لكل متحدث، إلى جانب نبرة الكلام وإيقاعه وبعض مظاهر التعبير أثناء المحادثات متعددة اللغات في الوقت الفعلي.
وأتاحت الشركة الترجمة الصوتية عبر تطبيق لسطح المكتب يعمل مع "زووم" و"مايكروسوفت تيمز" و"غوغل ميت"، فيما أصبحت الترجمة من صوت إلى صوت متاحة على نطاق أوسع. وتقول الشركة إن هذه التقنية تدعم أكثر من 30 لغة، بينما تتوفر خاصية الحفاظ على صوت المتحدث حاليا في 12 لغة.
ومع أن هذه التقنيات لا تلغي أخطاء الترجمة ولا تجعل التواصل الآلي مماثلا تماما للتواصل البشري، فإنها تقلل بالفعل الحاجة إلى معرفة اللغة في بعض المواقف العملية، مثل الاجتماعات والسفر والتواصل اليومي.
لكن المفارقة أن التكنولوجيا نفسها التي تجعل الترجمة أسهل أصبحت أداة لتعلم اللغات.
فدراسة تحليلية نُشرت في فبراير/شباط 2026 جمعت نتائج 51 بحثا و175 قياسا مستقلا، ووجدت آثارا إيجابية كبيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تعلم اللغات، سواء في الكفاءة اللغوية أو في جوانب معرفية وانفعالية مرتبطة بالتعلم. لكنها أوضحت أن النتائج تختلف باختلاف مدة الاستخدام وبيئة التعلم وخصائص المتعلمين واللغة المستهدفة.
وتوصل تحليل آخر، نُشر في ديسمبر/كانون الأول 2025 وشمل 46 دراسة تجريبية، إلى أثر متوسط إلى كبير للذكاء الاصطناعي في تعلم اللغات، ووجد أنه أكثر فاعلية عندما يكون مكمّلا للتعليم لا بديلا عنه. كما أشار إلى أن استخدامه لا يضمن بالضرورة بناء عادات تعلم ذاتية طويلة الأمد.
إذن، قد تجعل الآلة تعلم اللغة أقل ضرورة في بعض الاستخدامات، لكنها في الوقت نفسه تجعل تعلمها أسهل.
هنا يتغير السؤال من "هل أحتاج إلى اللغة؟" إلى "لماذا أريد أن أعرفها؟".
مراجعة منهجية حديثة حللت 105 دراسات منشورة بين عامي 2020 و2025، ووجدت أن تعلم اللغات يرتبط بستة مجالات للنمو: المهارات اللغوية، والنمو المعرفي، والتطور المهني، والهوية والرفاه، والتواصل بين الثقافات، والأداء الأكاديمي. ويشير الباحثون في الوقت نفسه إلى ضرورة الحذر في تعميم هذه النتائج بسبب اختلاف الدراسات وسياقاتها.
وهذا يضع فرقا بين الترجمة ومعرفة اللغة، فالترجمة يمكن أن تنقل معنى الجملة، لكن معرفة اللغة تتيح فهمها مباشرة، وملاحظة اختيار الكلمات والنبرة والإيحاءات، والتعامل مع الثقافة التي أنتجتها دون وسيط.
قد تكون هذه هي النقطة التي يعيد الذكاء الاصطناعي من خلالها تعريف قيمة تعلم اللغات، فإذا أصبحت الآلة قادرة على أداء جزء متزايد من وظيفة "لغة الخدمة"، فقد يصبح تعلم اللغة أقل ارتباطا بمجرد طلب الطعام أو حجز فندق أو إجراء اجتماع، وأكثر ارتباطا بالرغبة في فهم مجتمع آخر من داخله.
لذلك، لا يبدو السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على تعلم اللغات، بل ما الذي سيبقى من دوافع تعلمها عندما تصبح الترجمة متاحة في كل مكان.
فالآلة تستطيع أن تقلل الحاجز اللغوي، وربما توفر على كثيرين سنوات من التعلم لأغراض عملية محددة. لكنها لا تجعل امتلاك اللغة وتجربة استخدامها وفهم الثقافة المرتبطة بها شيئا مطابقا للحصول على ترجمة فورية.
Loading ads...
وفي النهاية، قد لا تكون قيمة اللغة في أن تجعلنا قادرين على قول ما نريد فحسب، بل في أن تجعلنا قادرين على فهم ما لا تستطيع الترجمة وحدها أن تمنحه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




