3 أشهر
بعد توقف إنتاج "تاميكو".. هل تطيح سياسات الاستيراد بالصناعة الدوائية في سوريا؟
الخميس، 15 يناير 2026

تقف الصناعة الدوائية السورية اليوم أمام منعطف وجودي يعكس في طياته ملامح أزمة اقتصادية تتجاوز حدود الجدران الإسمنتية للمصانع، حيث جاء إعلان شركة “تاميكو” للصناعات الدوائية عن توقف الإنتاج في مقرها البديل بريف دمشق ليفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل القلاع الصناعية الحكومية في البلاد.
فهذه الشركة، التي لطالما شكلت ذراعًا استراتيجيًا لوزارة الاقتصاد والصناعة، وجدت نفسها مرغمة على الانكفاء القسري بعد أن أثبتت التقارير الفنية عدم مطابقة مقرها الحالي للمواصفات المعتمدة من وزارة الصحة، وهو ما يعد بمثابة اعتراف رسمي بمأزق البنية التحتية التي لم تعد قادرة على مجاراة المعايير الصحية الصارمة اللازمة لإنتاج الدواء.
من منتج سيادي إلى متعهد خامات
يرسم المدير العام للشركة، عبد المعطي جمعة، صورة قاتمة للواقع الميداني، مؤكدًا أن المأساة بدأت منذ دمار المقر الرئيسي في مدينة المليحة بريف دمشق بشكل كامل، ما جعل البحث عن بديل أمرًا ملحًا لكنه لم يكن كافيًا، إذ يفتقر المقر الحالي لأدنى الشروط الفنية المطلوبة للعملية التصنيعية المعقدة، بحسب وكالة الأنباء السورية “سانا”.
هذا العجز اللوجستي دفع “تاميكو” إلى الدخول في شراكات اضطرارية مع معامل دوائية تابعة للقطاع الخاص، حيث تكتفي الشركة الحكومية بتأمين المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، لتتحول من منتج سيادي إلى “متعهد خامات” يسعى لتلبية رمق السوق المحلية عبر خطوط إنتاج الآخرين.
وفي عمق التفاصيل التشغيلية، يكشف مدير التخطيط في الشركة، هاني السلطي، عن واقع مرير تعيشه “تاميكو”، إذ يؤكد أن العملية الإنتاجية التي تبدأ عادة بالتحضير الكيميائي المعقد وتنتهي بالتعبئة، قد تم اختزالها اليوم في أضيق حدودها، فالشركة لم تعد تمارس تصنيعًا حقيقيًا، بل يقتصر دورها الحالي على مرحلة “الكرتنة” وتعبئة البضائع نصف المصنعة، في إشارة واضحة إلى توقف قلب المعمل عن النبض.
يبدو أن اللجوء إلى المعامل الخاصة لم يكن خيارًا بقدر ما كان “ستارًا واقيًا” للحفاظ على المواد الأولية من الهدر وضمان استمرار اسم الشركة في الأسواق ولو بشكل صوري أو غير مباشر، وهو ما يضع الكفاءة الإنتاجية في مهب الريح.
على الرغم من هذا التراجع التشغيلي، تحاول المديرة التنفيذية، منار منصور، طمأنة المستهلك بأن معايير الجودة لا تزال هي المسطرة التي تقاس بها المواد، حيث تخضع المواد الأولية، سواء كانت فعالة أو مضادات أو حوامل، لتحاليل مخبرية دقيقة قبل ولوجها المستودعات، وتخضع المنتجات النهائية لاختبارات المعايرة والرطوبة والتجفيف للتأكد من مطابقتها للمواصفات.
إلا أن هذه الإجراءات الرقابية، ورغم أهميتها، لا تخفي حقيقة أن “تاميكو” باتت جسدًا بلا روح تصنيعية كاملة، وهو ما يفتح المجال لقراءة المشهد من منظور اقتصادي أكثر شمولية وخطورة.
سياسات الاستيراد وإقصاء المنتج المحلي
في هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي جورج خزام رؤية نقدية حادة، معتبرًا أن ما يحدث لشركة “تاميكو” ليس مجرد تعثر فني لمنشأة بعينها، بل هو حلقة في مسلسل أوسع يهدف إلى “تصفية القاعدة الصناعية الوطنية”.
ويرى خزام، أن السياسات الراهنة تدفع نحو إحلال الاستيراد محل الإنتاج الوطني تحت غطاء الانتقال إلى اقتصاد السوق الحر، محذرًا من أن هذا التوجه يحمل في طياته مخاطر وجودية تطال الهوية الاقتصادية السورية.
وأفاد بأن منح التسهيلات الجمركية الواسعة للمستوردات البديلة يؤدي بالضرورة إلى إقصاء المنتج المحلي الذي يفتقر للدعم، مما يسفر عن تغيير موازين القوى في السوق لصالح طبقة جديدة من المستوردين الذين يمتلكون السيولة اللازمة لإغراق الأسواق بمنتجات رخيصة الثمن، لكنها تفتقر للقيمة المضافة التي يبنيها الصناعي السوري عبر أجيال من الخبرة والابتكار.
إن هذا التحول من منطق “الصناعة والإنتاج” إلى منطق “الاستيراد والربح السريع” يهدد، بحسب خزام، بارتهان القرار الاقتصادي السوري لجهات خارجية، حيث يصبح تأمين السلع الأساسية، ومنها الدواء، محكومًا بشروط الممولين والموردين بدلًا من أن يكون نتاجًا لجهد وطني مستدام.
Loading ads...
وبذلك، تصبح قضية “تاميكو” مرآة تعكس الصراع المحتدم بين بقايا الصناعة التقليدية وبين نهج اقتصادي جديد قد يحول البلاد من مركز للإنتاج الإقليمي إلى مجرد سوق استهلاكية تابعة، مما يستوجب تحركًا فوريًا لإعادة إحياء المدن الصناعية المدمّرة وتحديث التشريعات التي تحمي المنتج الوطني قبل أن تصبح “الكرتنة” هي المهنة الوحيدة لما تبقى من معامل البلاد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




