6 أشهر
جماهير السوشيال ميديا تطالب بـ"السينما النظيفة".. فما هي "السينما المتسخة"؟
الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

منذ نهاية التسعينيات، بدأت مفردة جديدة تتسلل إلى الخطاب السينمائي المصري والعربي: “السينما النظيفة”.
لم يأتِ هذا التعبير من داخل الوسط النقدي الأكاديمي، بل تشكّل في تقاطعات الصحافة الفنية، والحوار التلفزيوني، وصوت جمهورٍ يبحث عن أعمال “مناسبة للعائلة”.
في بداياته بدا المصطلح توصيفًا خفيفًا لأفلام مرحلة الصعود الجديد بقيادة محمد هنيدي، ومنى زكي، وأحمد السقا، وكريم عبد العزيز، ضمن موجة حملت قدرًا أكبر من الطرافة والخفة، وأقل ميلاً إلى المشاهد الحميمية.
غير أن التعبير سرعان ما اكتسب دلالة تتجاوز مضمونه الأولي، فأصبح مرجعًا أخلاقيًا يحدّد ما يجب إظهاره على الشاشة وما ينبغي حجبه، حتى حين تكون تلك العناصر جزءًا من واقع المجتمع الذي يُفترض بالفن أن يعبّر عنه.
في الخلفية، كانت مصر تعيش خلال الثمانينيات والتسعينيات تحوّلات اجتماعية وثقافية عميقة: صعود المدّ الديني المحافظ، انتشار الفكر الوعظي عبر شرائط الكاسيت والمنابر، توسّع خطاب "الفن الملتزم”، وصعود طبقة وسطى متديّنة بدأت تنتج تصورًا محددًا لما يجب أن تكون عليه صورة المرأة والرجل والأسرة في الأعمال الفنية.
هذا التحوّل لم يكن محايدًا، بل انعكس مباشرة على السينما باعتبارها أكثر الفنون التصاقًا بالخيال الشعبي. وفي هذا المناخ برز مصطلح “السينما النظيفة” كاستجابة لرغبة اجتماعية في ضبط صورة العلاقات البشرية على الشاشة، وتقديم نموذج “مؤدّب” ينسجم مع خطاب الحياء العام المتشكّل في تلك المرحلة.
مع توسّع انتشار المصطلح، بدأت السينما تُعامَل بمنطق أخلاقي صارم، يعيد إنتاج التوتّرات المجتمعية نفسها التي يعيشها الناس خارج قاعات العرض.
واجه فيلم "بحب السيما" (2004) المنع والاتهام بالإساءة للمرأة والأم والأسرة – السفير
نتيجة ذلك، بات أي مشهد عاطفي أو لحظة قرب بين رجل وامرأة يُعدّ “تجاوزًا”، بينما بقيت التمثيليات التي تعيد إنتاج الظلم والتمييز الاجتماعي، خصوصًا ضد النساء، خارج دائرة الاعتراض.
على هذا المنوال، يُهاجَم فيلم بسبب لقطة رومانسية، فيما تمرّ سرديات تُظهر بطش السلطة، أو تهميش الطبقات الأفقر، أو تقزيم دور المرأة ضمن القوانين السائدة، بلا اعتراض يذكر.
بذلك، تحوّل مفهوم “السينما النظيفة” إلى معيار انتقائي يركّز على الشكل لا الجوهر، وعلى السلوك الفردي لا البنية الاجتماعية، وعلى الخدش البصري لا الظلم الواقعي.
يُظهر تتبّع مسار الرقابة في السينما العربية انتقالًا واضحًا في مركز ثقل المنع والضغط. فبعد أن كانت الرقابة الرسمية تاريخيًا تتعلق أساسًا بحماية السلطة السياسية ومنع التعرض للمؤسسة العسكرية أو الرموز الدينية، بدأت الرقابة الأخلاقية المجتمعية تفرض نفسها لاعبًا قويًا موازيًا لرقابة الدولة، بل وأقوى منها في لحظات كثيرة.
النقاش حول السينما النظيفة ليس نقاشًا عن لقطات، بل عن علاقة المجتمع بالحقيقة التي يخشى رؤيتها
فجزء من المجتمع ـ بتحالف فئات منه مع خطاب إعلامي وديني مستقر ـ صار يفرض ما يعتبره “لائقًا” أو “مهينًا” تحت شعار الحفاظ على القيم. ونتيجة لذلك، أصبح كثير من المخرجين يمارسون رقابة ذاتية مسبقة ويتجنّبون موضوعات يعتبرونها محفوفة بالاصطدام، ليس فقط مع الدولة، بل مع جمهور قادر على شنّ حملات هجوم قد تُطيح بفيلم قبل وصوله إلى صالة العرض.
تتضح المفارقة أكثر حين نقارن بين مستوى “الحساسية الأخلاقية” المفروضة على السينما وبين ما يُنشر يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي.
ففي الوقت الذي تخضع فيه الأفلام لتصنيف عمري صارم، وتُحذف مشاهد كاملة بحجة “الحياء”، نجد السوشيال ميديا فضاءً مفتوحًا لمحتويات لا تتورّع عن الإيحاءات والابتذال والخطاب العنيف بلا ضوابط تذكر.
على سبيل المثال، يُهاجَم فيلم روائي لأنه يتضمن مشهدًا عاطفيًا، بينما تتصدّر “الترند” يوميًا عشرات المقاطع التي تبني تفاعلاتها على الإثارة اللفظية والجسدية.
هذا التناقض يكشف أن قضية “الحياء” ليست معركة أخلاقية حقيقية، بل أداة لتقييد الفنّ نفسه. فالسينما فضاء يمكن ضبطه ومحاسبة صُنّاعه، أما الفضاء الإلكتروني ففوضوي وغير قابل للسيطرة، ما يجعله خارج دائرة النقد الأخلاقي الذي يُحاصر السينما.
ظهرت هذه المفارقة بوضوح مع أزمة فيلم “أصحاب ولا أعز” عام 2022. فالفيلم، الذي لا يحتوي فعليًا على ما هو أشد مما يُنشر يوميًا على تيك توك ويوتيوب، وجد نفسه وسط عاصفة هجوم أخلاقي غير مسبوقة.
هنا لم يكن “الخدش” جوهر الاعتراض، بل غياب القدرة على التحكم. فالفيلم خرج من نطاق الرقابة الرسمية والضغط المجتمعي التقليدي، وظهر عبر منصة رقمية لا يمكن ضبطها بالأساليب القديمة.
وبذلك بدا أن موجة الغضب محاولة لاستعادة السيطرة على الفضاء الفني أكثر منها دفاعًا عن “الحياء”. فلو كان الفيلم معروضًا في قاعة سينما ومحاطًا بتصنيف واضح، لمرّ على الأرجح من دون أزمة.
أبطال فيلم "أصحاب ولا أعز" (2022) – النهار
غير أن تحرره من الرقابة التقليدية جعله يقترب من مساحة حرّة أربكت الخطاب المحافظ الذي وجد نفسه أمام وسيط لا يخضع لمنطقه.
هكذا كشف الفيلم أن الرقابة الاجتماعية تكون قوية حين تستطيع ضبط الفن، لكنها تُصاب بالعجز حين ينتقل هذا الفن إلى فضاءات لا تنطبق عليها المعايير نفسها. وهذا ما يفسّر المفارقة الراهنة:
هجوم أخلاقي شرس على السينما التي يمكن محاسبتها، مقابل صمت كامل تجاه محتوى إلكتروني أكثر ابتذالًا وتأثيرًا.
في ظل هذا التأرجح بين الرقابتين الرسمية وغير الرسمية، يصبح من الضروري سؤال:
ماذا لو طُبّق مفهوم “السينما النظيفة” منذ بدايات السينما العربية؟
الجواب يكشف ببساطة حجم الخسارة التي كانت ستحلّ بذاكرتنا الثقافية. فعدد كبير من أهم الأفلام العربية لم يكن لينجو من مقصلة “النظافة”، لا لأنها مبتذلة، بل لأنها تجرّأت على كشف القبح الحقيقي في المجتمع والدولة.
باختصار، أفلام مثل “ثرثرة فوق النيل”، الذي واجه موجة عنيفة من الهجوم لأنه كشف تواطؤ الطبقة الوسطى مع أنظمة القمع والاستهلاك، كانت ستُدان بلا هوادة بحجة أنها “تشوه صورة المجتمع”.
ليس ذلك فحسب، بل إنّ فيلمًا مثل ”العصفور”، الذي تأخر عرضه سنوات لأن قراءته لهزيمة 1967 وفساد بعض المسؤولين بدت صادمة في حينها، كان سيلقى المنع الحتمي لأنه “يمسّ الدولة”.
الأمر نفسه ينطبق على “زوجة رجل مهم”، الذي كشف بنية السلطة الأمنية بجرأة استثنائية، وعلى “مرسيدس” الذي اتُّهم بتشويه صورة الأسرة المصرية لأنه رسم عالمًا أشد تعقيدًا من النموذج الأخلاقي السائد.
أما أوضح الأمثلة، فيبقى “بحب السيما”، الذي اصطدم رأسًا بالخطاب الأخلاقي المحافظ لأنه صوّر أسرة تعيش تناقضاتها الطبيعية، فواجه المنع والاتهام بالإساءة، رغم أنه قدّم شخصيات بشرية حقيقية.
هذه الأعمال، التي تُعد اليوم جزءًا من ذاكرة السينما العربية ومرجعًا نقديًا لفهم المجتمع والسلطة، كان يمكن أن تُدفن لمجرّد أنها لم تُرضِ مزاجًا أخلاقيًا متقلّبًا.
إذا كانت جماهير “السوشيال ميديا” تطالب بـ“السينما النظيفة”، فهل نجيب محفوظ، ويوسف شاهين، وصلاح جاهين، ويسري نصر الله، ومحمد خان، وأسامة فوزي… هم صنّاع “السينما المتسخة”، أم أنهم ببساطة صنعوا سينما تُظهر الحقيقة كما هي، بلا تجميل أو تمويه؟
إن النقاش حول “السينما النظيفة” ليس نقاشًا حول لقطات محددة، بل حول علاقة المجتمع بالفن. ففي الوقت الذي تسمح فيه الثقافة الشعبية بانتشار محتوى رديء على المنصات الرقمية بلا قيود، تضيق الخناق على السينما حين تعالج موضوعات حساسة بعمق وجدية.
وهنا يكمن جوهر المشكلة:
الرقابة الأخلاقية لا تحمي المجتمع من الانحراف، بل تعطل قدرة الفن على ممارسة دوره الطبيعي في النقد وكشف التناقضات.
هذه الرقابة تُعنى بالظاهر، بينما يظل الباطن، أي البناء الاجتماعي غير العادل، بمنأى عن المساءلة. وبذلك يتحول مفهوم “النظافة” إلى قناع يُجمّل الواقع بدل أن يكشف اختلالاته.
لو طُبّق معيار النظافة منذ البداية، لاندثرت أهم الأفلام التي صنعت وعينا النقدي، لمجرّد أنها لم تُرضِ مزاجًا أخلاقيًا متقلّبًا
ومع تمدّد السوشيال ميديا، بات الجمهور يفرض ذوقه وقيمه عبر حملات رقمية منظّمة. وبناءً عليه، لم تعد الرقابة تحتاج قرارًا رسميًا؛ يكفي غضب مجتمعي على منصة ما كي يُسحب فيلم أو يُشوه ممثل أو تُطوّق تجربة سينمائية.
هكذا تكتسب “السينما النظيفة” أبعادًا جديدة: فهي ليست فقط ما تفرضه السلطة، بل ما يفرضه جزء من المجتمع عبر أدوات رقمية تحولت إلى قوة ضغط تفوق أحيانًا مؤسسات الدولة.
“الرقابة على المصنفات الفنية في مصر” لجودت مسعد؛
“السينما المصرية: تحليل اجتماعي وتاريخي” لسامي غيطاس؛
Loading ads...
مقالات بحثية حول مصطلح السينما النظيفة، المركز "القومي للسينما".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





