38 دقائق
بين "المواطن كين" والملياردير "ماسك".. حين أغضبت السينما أصحاب النفوذ
الإثنين، 28 سبتمبر 2026

يفصل بين فيلمي "المواطن كين" (Citizen Kane) لأورسون ويلز و"ماسك" (Musk) لأليكس غيبني 85 عاما، الأول فيلم روائي ظهر عام 1941 مستلهما جانبا كبيرا من شخصية إمبراطور الصحافة الأمريكي وليام راندولف هيرست، والثاني وثائقي طويل يعرض في عام 2026 سيرة إيلون ماسك وصعوده من عالم التكنولوجيا إلى موقع جمع فيه الثروة والنفوذ الإعلامي والسياسي.
ويفصل بين مخرجيهما عالمان أيضا، كان ويلز في الخامسة والعشرين ويصنع فيلمه الطويل الأول، بعدما صنع شهرته في المسرح والإذاعة، عندما شارك في كتابة وإنتاج وإخراج "المواطن كين" ولعب بطولته، أما غيبني فيدخل مواجهته مع ماسك في الثالثة والسبعين، وبعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية الاستقصائية تناول خلالها مؤسسات وشخصيات قوية من شركة "إنرون" إلى كنيسة السيانتولوجيا وستيف جوبز وإليزابيث هولمز.
لكن الفيلمين يلتقيان عند نقطة أكثر أهمية من اختلاف الزمن والمخرج، فكلاهما يضع رجلا فاحش الثراء في مركز قصة عن القوة وعلاقة المال بالإعلام والصورة العامة، ثم يجد كل منهما نفسه، خارج الشاشة، في مواجهة مرتبطة بالقوة التي كانت أدواتها في 1941 الصحيفة ودار العرض، وأصبحت في 2026 تشمل المنصة والخوارزمية والإعلان الرقمي.
وصل أورسون ويلز إلى هوليوود محاطا بسمعة "الفتى المعجزة"، بعد نجاحه في المسرح والإذاعة والشهرة التي حققها بث "حرب العوالم" عام 1938، ومنحته شركة "آر كي أو" (RKO) عقدا استثنائيا أتاح له سيطرة واسعة على أول أفلامه الطويلة. وبعد تعطل مشروعات أولى، ظهرت فكرة فيلم عن إمبراطور صحافة اقترحها الكاتب هيرمان مانكيفيتش، الذي عرف عالم هيرست وزار قصره، وتطورت إلى شخصية تشارلز فوستر كين التي كتبها مانكيفيتش وويلز معا.
بدأ تصوير الفيلم في يونيو/حزيران 1940، وبنى ويلز حكايته على محاولة صحفي كشف معنى كلمة نطق بها كين قبل وفاته، ومن خلال شهادات من عرفوه يعيد الفيلم بناء حياة رجل امتلك صحيفة ثم إمبراطورية إعلامية وجمع المال والسلطة والنفوذ، بينما فقد تدريجيا علاقاته وأقرب الناس إليه.
ولم يكن هيرست المصدر الوحيد للشخصية، لكن معهد الفيلم الأمريكي يعده مصدر إلهامها الرئيسي، ووصل التشابه إلى جوانب من حياته وقصره وعلاقته بالممثلة ماريون ديفيز.
بعد 85 عاما، حمل فيلم غيبني اسم موضوعه مباشرة، هو "ماسك". يمتد الوثائقي إلى ما يقرب من أربع ساعات، ويتتبع صعود إيلون ماسك في قطاع التكنولوجيا عبر "تسلا" و"سبيس إكس"، ثم شراء "تويتر " وتحويله إلى "إكس" X، ويستعرض دوره السياسي وعلاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويستعين بشهادات أشخاص ارتبطوا بمراحل مختلفة من حياته، بينما لم يشارك ماسك نفسه في مقابلة مع غيبني. يقول غيبني إن القوة أصبحت محور الفيلم، من كيفية حصول شخص واحد على هذا القدر منها إلى أثر امتلاكها عليه.
لم يكن هيرست مجرد رجل ثري أغضبته شخصية سينمائية، فقد بنى واحدة من أكبر الإمبراطوريات الصحفية الأمريكية، وبلغ انتشارها في ذروة نفوذه حد أن واحدا من كل خمسة أمريكيين كان يقرأ إحدى صحفه أسبوعيا.
أما ماسك فاشترى "تويتر " عام 2022 وأعاد تسميته "إكس"، لتصبح المنصة جزءا آخر من إمبراطوريته إلى جانب شركاته في التكنولوجيا والسيارات والفضاء. ولا يوجد حتى الآن دليل منشور يثبت أن ماسك أصدر أمرا شخصيا إلى "إكس" بمنع الإعلان عن الفيلم أو تدخل لعرقلة توزيعه، بينما توثق المصادر التاريخية استخدام هيرست لصحفه ونفوذه في الحملة ضد "المواطن كين".
بدأت أزمة "المواطن كين" قبل وصوله إلى دور السينما، بعدما شاهدت هيدا هوبر، إحدى أشهر كاتبات أخبار وفضائح نجوم هوليوود، نسخة مبكرة ولاحظت التشابه بين كين وهيرست، وسرعان ما وصل الخبر إلى محيط إمبراطور الصحافة. وكان من أكثر عناصر الفيلم إثارة لغضب هيرست شخصية سوزان ألكسندر، زوجة كين الثانية التي يحاول تحويلها إلى مغنية أوبرا رغم محدودية موهبتها، إذ رأى فيها إساءة إلى ماريون ديفيز، الممثلة التي ارتبط بها لسنوات، مع أن ويلز أقر بأن ديفيز كانت ممثلة موهوبة وأن تشبيهها بسوزان لم يكن منصفا.
امتنعت صحف هيرست عن ذكر "المواطن كين" أو نشر إعلاناته، وتعرض ويلز لحملة تناولت مواقفه السياسية وحياته الشخصية، فيما امتد الضغط إلى "آر كي أو" وظهرت انقسامات داخل الشركة حول طرح الفيلم. وعرضت مجموعة من مسؤولي هوليوود بقيادة لويس بي. ماير، رئيس "إم جي إم"، شراء الفيلم بهدف إتلافه، خشية مواجهة هيرست وإمبراطوريته الصحفية.
رفضت الشركة المنتجة "آر كي أو" العرض، وفي مارس/آذار 1941 هدد ويلز بمقاضاة الشركة إذا لم تضمن طرح فيلمه، بينما كانت بعض دور العرض تخشى تقديمه بسبب احتمال التعرض للدعاوى.
وبعد 85 عاما، بدأت أزمة "ماسك" قبل طرحه التجاري الواسع أيضا، وبالتحديد بعد عرضه في مهرجان فينيسيا حين هاجمه إيلون ماسك علنا على "إكس"، وهدد محاميه أليكس سبيرو باتخاذ إجراء قانوني، بينما قال غيبني إن الفيلم خضع لتدقيق للحقائق ومراجعة قانونية. ولم تتحول التهديدات حتى الآن إلى دعوى أو قرار يمنع عرضه.
وظهرت تساؤلات حول التوزيع الدولي بعد تقارير عن احتمال تراجع "يونيفرسال"، لكن الشركة ما زالت ملتزمة بإطلاق الفيلم خارج أمريكا الشمالية، فيما تخطط منصة "إتش بي أو" لعرضه في الربع الأول من 2027.
رفضت سلاسل سينمائية كبرى عرض "المواطن كين"، كما تراجعت "راديو سيتي ميوزيك هول " في نيويورك عن تقديمه، ما صعّب توزيعه، قبل أن يتمكن الفيلم من افتتاح عروضه في نيويورك في 1 مايو/أيار 1941. وفي عام 2026، يواجه موزع "ماسك " في أمريكا الشمالية، "بليكر ستريت"، مشكلة أخرى بدأت عندما حاول شراء إعلانات مدفوعة للترويج للفيلم.
رفضت "يوتيوب " و "ميتا " و "تيك توك " الحملة في البداية، وفق "هوليوود ريبورتر" (Hollywood Reporter)، كما واجه الموزع مشكلة في تشغيلها على "إكس"، وربطت بعض المنصات قرارها بقواعد الإعلانات المتعلقة بالمحتوى السياسي.
لم يشمل الرفض عرض التريلر نفسه على الإنترنت، وإنما اقتصر على شراء الإعلانات المدفوعة للترويج له، وأعلنت "ميتا " أن رفض الإعلان كان خطأ وسمحت بتشغيله، كما تغير قرار "يوتيوب" بعد المراجعة.
يرث تشارلز فوستر كين، بطل فيلم ويلز، ثروة ضخمة، ثم يشتري صحيفة تنمو إلى إمبراطورية إعلامية يوظفها في تعزيز نفوذه وخدمة طموحه السياسي. وبالتوازي مع صعوده، يتتبع الفيلم حياته الشخصية وعلاقاته وزيجاته، والصراعات التي تنشأ عن رغبته المستمرة في فرض إرادته والتحكم في صورته أمام الآخرين.
كان التشابه مع وليام راندولف هيرست واضحا بما يكفي ليرى قطب الصحافة في شخصية كين وتفاصيل حياته جوانب مأخوذة من سيرته، وخاصة علاقة كين بزوجته الثانية سوزان ألكسندر، التي اعتبرها هيرست إساءة إلى الممثلة ماريون ديفيز. ومن هنا بدأت المواجهة بين هيرست والفيلم قبل وصوله إلى دور العرض.
وبعد 85 عاما، يعيد فيلم أليكس غيبني فتح المواجهة بين السينما ورجل صاحب ثروة ونفوذ، ولكن من دون الاحتماء هذه المرة بشخصية روائية، إذ يضع المخرج إيلون ماسك باسمه في مركز الفيلم الوثائقي، ويتتبع صعوده عبر شركات التكنولوجيا والسيارات والفضاء، ثم شراء "تويتر" وتحويله إلى "إكس"، وحتى دوره في السياسة الأمريكية. وقبل طرح الفيلم تجاريا، يهاجمه ماسك ويتهمه بأنه عمل يستهدفه، فيما يهدد محاميه أليكس سبيرو باتخاذ إجراء قانوني ضده.
وصل "المواطن كين" بعد المعركة إلى دور العرض، لكن الحملة أثرت في ظروف توزيعه ولم يحقق نجاحا تجاريا كبيرا في عرضه الأول. ورشح لتسع جوائز أوسكار وفاز بجائزة واحدة للسيناريو لويلز وهيرمان مانكيفيتش، قبل أن يتراجع حضوره في الولايات المتحدة لسنوات.
ثم تغير موقعه في تاريخ السينما، أعيد اكتشافه وأصبح أحد أكثر الأفلام تأثيرا، وتصدر استطلاع نقاد مجلة "سايت أند ساوند" (Sight & Sound) لأعظم الأفلام لخمسين عاما حتى عام 2002، كما وضعه معهد الفيلم الأمريكي في المركز الأول بين أعظم الأفلام الأمريكية في قائمتيه لعامي 1998 و2007.
أما "ماسك" فقد عرض في مهرجان فينيسيا ومهرجانات أخرى، ويستعد للتوزيع في أمريكا الشمالية، فيما تؤكد "يونيفرسال " استمرار خطتها لتوزيعه دوليا.
Loading ads...
بعد 85 عاما من أزمة "المواطن كين"، تغيرت وسائل صناعة الأفلام وتوزيعها والترويج لها، وانتقل جانب كبير من الطريق إلى الجمهور من الصحافة ودور العرض إلى منصات التكنولوجيا والإعلان الرقمي، فرغم تغير أدوات القوة لا تزال أساليبها كما هي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




