في قلب المنطقة القطبية الشمالية، حيث يختلط بياض الجليد اللامتناهي بحسابات القوة، بدت غرينلاند خلال الشهور الـ18 الماضية وكأنها تقف عند حافة أزمة غير مسبوقة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أطرافها رئيس أمريكي يتوعد بالسيطرة على جزيرة تابعة لمملكة الدنمارك، وحلفاء أوروبيون يستعدون لأسوأ الاحتمالات، وسكان جزيرة صغيرة العدد يجدون أنفسهم فجأة في قلب صراع جيوسياسي يفوق حجمهم بأشواط.
لكن الأزمة التي بدأت بحديث عن شراء أكبر جزيرة في العالم، ثم بلغت حد التلويح باستخدام القوة، تتجه الآن إلى تسوية دبلوماسية أكثر هدوءا بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب -يوم الجمعة الماضي- التوصل إلى اتفاق أمني مع الدانمارك وغرينلاند يُتوقع أن يوسع الوجود العسكري الأمريكي، من دون نقل السيادة على الجزيرة إلى واشنطن.
تأتي هذه التطورات، بحسب ما أوردته مجلة أتلانتيك وصحيفتا نيويورك تايمز الأمريكية وغارديان البريطانية، لتكشف مخاضا عسيرا قاده الدبلوماسيون والأطراف المعنية في كواليس مغلقة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة أتلانتيك للكاتب آيزاك ستانلي بيكر، فإن الاتفاق يُتوقع أن يبنى على ترتيبات تعود إلى حقبة الحرب الباردة، وأن يقضي بمنح الولايات المتحدة مجالا أوسع لوجودها العسكري واستخدام المجال الجوي وبناء منشآت جديدة في غرينلاند، مع إشراك الجزيرة مباشرة في الترتيبات الأمنية.
كما يُتوقع أن يتضمن -وفق ما كشفته مصادر أمريكية وأوروبية للمجلة- إجراءات تمنع إقامة قواعد عسكرية لدول من خارج حلف شمال الأطلسي، وآليات تحد من استثمارات صينية وروسية حساسة في الجزيرة.
وقال بيكر إن الاتفاق المرتقب توقيعه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك، لا يتضمن أي نقل للسيادة الترابية أو اقتطاعا لأجزاء من الجزيرة لمصلحة الولايات المتحدة، بل يقوم على توسيع نطاق التمركز العسكري وتعزيز التعاون المتعدد الأطراف في إطار اتفاقية تعود إلى فترة الحرب الباردة.
وأضاف أن الاتفاق سيدخل حيز التنفيذ بعد استكمال الإجراءات البرلمانية الوطنية اللازمة.
ويبدو الاتفاق بهذه الصيغة أقرب إلى إعادة هندسة للوجود الأمريكي القائم منه إلى انقلاب في الوضع القانوني للجزيرة. فالولايات المتحدة -كما تفيد أتلانتيك- تملك منذ عام 1951 حقوقا عسكرية واسعة في غرينلاند، وتحتفظ حتى اليوم بقاعدة بيتوفيك الفضائية، التي تساعد في مراقبة حركة الصواريخ وإطلاق إنذارات مبكرة.
ومن ثم فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: ما الذي حصلت واشنطن عليه؟ بل أيضا: ما الذي تغيّر فعلا عما كان قائما؟
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن ترمب قوله إن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة "سيطرة دائمة" على أمن غرينلاند و"الاحتياجات الأخرى"، وإن خصوم واشنطن مثل روسيا والصين لن يتمكنوا من إقامة قواعد عسكرية أو تنفيذ استثمارات حساسة من دون موافقة أمريكية صريحة.
ورغم هذه العبارات الطنانة التي استخدمها البيت الأبيض، فقد نقلت الصحيفة نفسها في تقرير آخر عن باحثين ومختصين -من بينهم ميكيل رونغه أوليسن من المعهد الدانماركي للدراسات الدولية- تأكيدهم أن المعاهدة الدفاعية المبرمة عام 1951 كانت تمنح واشنطن بالفعل صلاحيات واسعة للغاية في إنشاء وتشغيل القواعد العسكرية مثل قاعدة بيتوفيك (ثولي سابقا)، مما يطرح تساؤلات عن جدوى هذه الأزمة المفتعلة ومدى تحقيقها مكاسب فعلية لم تكن متاحة أساسا.
أما صحيفة غارديان البريطانية، فقد سلطت الضوء على المواقف الرسمية لأطراف الاتفاق الثلاثة، مبرزة تصريحات وزير الخارجية الدانماركي لارس لوكه راسموسن، الذي عبّر عن أمله في أن تنهي هذه الاتفاقية فترة طويلة من الشكوك والغموض، مع تأكيد احترام "الخطوط الحمر" لمملكة الدانمارك وصون وحدة أراضيها.
وأوردت الصحيفة تصريحا لرئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريكسن نيلسن، أبدى فيه ترحيبه بالصيغة النهائية التي تحفظ حق تقرير المصير لشعب غرينلاند، وتصون مكانته في منظومة التعاون الدولي.
لكن أستاذ العلوم السياسية في جامعة كوبنهاغن البروفيسور ميكيل فيدبي راسموسن حذر عبر الصحيفة من أن إعطاء واشنطن صلاحيات واسعة قد يثير مخاوف محلية عميقة من استبدال تبعية "مقنَّعة" للولايات المتحدة بالعلاقة الاستعمارية التاريخية مع الدانمارك.
وعلى المستوى الشعبي داخل الجزيرة التي يقطنها أقل من 60 ألف نسمة، سادت مشاعر متباينة بين الارتياح والقلق العميق.
ونقلت نيويورك تايمز عن عدد من السكان والشخصيات المحلية -من بينهم المعلمة المتقاعدة إيلين فريدريكسن والمخرجة السينمائية آكا هانسن- حديثهم عن صعوبة النوم والقلق الذي عاشوه خلال الأشهر الماضية. وقالت هانسن إنها خزنت مياه شرب تكفي 5 أيام تحسبا لاحتمال غزو أمريكي.
وأعربت هانسن عن دهشتها قائلة "الآن، بغتة أصبح كل شيء على ما يرام، فماذا حدث في المنتصف؟". وفي السياق نفسه، أشارت المعلمة المتقاعدة آنا أولات باخ إلى مخاوف الأهالي من تحول التحليقات العسكرية الأمريكية المتكررة فوق مهبط الطائرات في مستوطنة "نارساسواك" أقصى جنوبي غرينلاند إلى روتين يومي يهدد نمط حياتهم الهادئ وارتباطهم الوثيق بالطبيعة البكر.
غرينلاند تظل دانماركية السيادة، وشعبها يحتفظ بحق تقرير مستقبله، في حين تحصل واشنطن على حضور عسكري وأمني أوسع في إحدى أكثر مناطق العالم حساسية
ورغم هذه الهواجس، فإن النائبة الغرينلاندية في البرلمان الدانماركي ناجا ناتانييلسن ترى أن إتمام الاتفاق بشروط واضحة يمثل خطوة أساسية لا غنى عنها لعودة الأمور إلى نصابها الطبيعي واستقرار الأوضاع في المنطقة، حسب ما نقلت عنها نيويورك تايمز في تقريرها الثاني.
وهكذا يبدو أن الاتفاق قد ينجح في تهدئة أزمة عسكرية ودبلوماسية، لكنه لا يمحو آثارها السياسية والنفسية. ويشير ستانلي بيكر في مجلة أتلانتيك إلى أن واشنطن ربما تكون قد حققت أهدافها الأمنية، لكنها دفعت ثمنا آخر يتمثل في تراجع الثقة لدى سكان الجزيرة وحلفائها الأوروبيين.
وحتى الأوروبيون الذين أبدوا ترحيبا حذرا بالاتفاق ظلوا يستحضرون الأشهر التي بدا فيها أن عضوا مؤسسا في الناتو قد يجد نفسه مهدَّدا من عضو آخر.
كان الليل قد أرخى سدوله في نوك عاصمة غرينلاند، عندما أعلن ترمب التوصل إلى الاتفاق. لكن مراسلا من هيئة البث العامة الدانماركية رصد سياسيين يدخلون مبنى الحكومة ويخرجون منه، في مشهد يدل على أن "مطامع" الرئيس الأمريكي تجاه أرضهم قد استرعت انتباههم "الشديد"، على حد تعبير ستانلي بيكر.
وفي تعبير يوجز مشاعر الغرينلانديين، قال أحد سكان العاصمة نوك "وداعا يا أمريكا". بهذا التصريح الموحي ختمت أتلانتيك تقريرها.
Loading ads...
في المحصلة، لا تنتهي حكاية غرينلاند بالسيطرة الأمريكية التي تحدث عنها ترمب، ولا تعود ببساطة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة. فالجزيرة تظل دانماركية السيادة، وشعبها يحتفظ بحق تقرير مستقبله، في حين تحصل واشنطن على حضور عسكري وأمني أوسع في إحدى أكثر مناطق العالم حساسية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




