ساعة واحدة
لماذا تتعثر عودة سوريا إلى “سويفت”؟.. تعقيدات تتجاوز رفع العقوبات
الأربعاء، 6 مايو 2026
يتحرك المشهد المالي السوري ببطء شديد نحو محاولات الاندماج مجدداً في المنظومة المصرفية العالمية، إلا أن هذا المسار لا يزال محفوفاً بعقبات هيكلية وقانونية تتجاوز في تعقيدها مجرد الرغبة السياسية أو الجاهزية التقنية.
ومع تصاعد النقاش حول تأخر عودة المصارف السورية إلى نظام “سويفت” للتحويلات المالية الدولية، نجد أن هناك تقاطع بين العقوبات السابقة، وفجوات الامتثال، وهشاشة البنية المصرفية، واشتراطات البنوك المراسلة التي لا تكفي لإقناعها البيانات الرسمية وحدها.
على الرغم من إعلان واشنطن في 23 أيار/ مايو 2025 عبر وزارة الخزانة إصدار الترخيص العام رقم 25 الذي قدّم تخفيفاً فورياً للعقوبات، ثم إصدار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً في 30 حزيران/ يونيو 2025 يقضي بإلغاء منظومة العقوبات على سوريا.
إضافة إلى قرار الاتحاد الأوروبي في 28 أيار / مايو2025 رفع القيود الاقتصادية الأساسية مع الإبقاء على القيود المرتبطة بالأمن، فإن ذلك لم يتحول تلقائياً إلى عودة كاملة وسهلة إلى شبكة المدفوعات الدولية، ما يؤكد على أن العلاقة مع النظام المالي العالمي تُبنى على الثقة العملية والامتثال الفعلي أكثر مما تُبنى على الإعلانات السياسية، لتظل بذك المصارف الوطنية، العامة والخاصة، حبيسة عزلة دولية خانقة.
في السياق يؤكد المستشار والباحث الاقتصادي أسامة القاضي، في مقال حديث له، أن النقاش الدائر حول تأخر عودة سوريا إلى نظام التحويلات المالية العالمي “سويفت” يختزل في كثير من الأحيان تعقيدات أعمق من مجرد جاهزية تقنية أو قرار إداري.
يوضح القاضي أن الواقع المصرفي الحالي يكشف مفارقة لافتة، إذ تعمل بعض فروع البنوك العربية داخل سوريا ضمن منظومة سويفت وتنفذ تحويلات بملايين الدولارات دون عوائق تُذكر، في حين يواجه الأفراد والمستثمرون السوريون صعوبات كبيرة في إجراء تحويلات عبر المصارف الوطنية، نتيجة رفض البنوك الأجنبية التعامل معها رغم تخفيف جزء مهم من منظومة العقوبات الاقتصادية التي تجاوزت 2700 إجراء وتشريع منذ عام 1979، بما في ذلك تخفيف القيود المرتبطة بقانون قيصر.
يشير إلى أن إعادة تفعيل سويفت بشكل كامل لا ترتبط فقط بقرار سياسي أو فني، بل تخضع بالدرجة الأولى لتقديرات البنوك العالمية، موضحاً أنها مؤسسات خاصة تتخذ قراراتها بناء على تقييمات دقيقة للمخاطر، حيث يعود القرار النهائي إلى مجالس إدارات هذه البنوك التي تحتاج إلى ضمانات كافية حول سلامة البيئة المصرفية السورية.
ويقول إنه في هذا السياق، يبرز ما يُعرف بعملية “تقييم الفجوة” كخطوة محورية، لكنها لا تزال غير مفهومة على نطاق واسع، رغم كونها تمثل المدخل الأساسي لاندماج سوريا مجدداً في النظام المالي العالمي.
يوضح القاضي أن”غاب أسيسمنت” هو عملية تقييم شاملة تقارن بين الواقع الحالي للمصارف السورية والمعايير الدولية المعتمدة، من خلال أدوات قياس دقيقة تنفذها شركات استشارية متخصصة، من أبرزها شركة “أوليفر وايمان” التي تعاقد معها المصرف المركزي ووزارة المالية، بناءً على توصيات دولية، بهدف إعداد خارطة طريق لإعادة دمج القطاع المصرفي السوري في شبكة التحويلات العالمية، على أن تستكمل هذه العملية خلال صيف 2026.
ويشير إلى أن هذا التقييم يشمل تحليل الأطر القانونية، والبنية التقنية، وآليات إدارة المخاطر، ومدى الامتثال للمعايير المصرفية الدولية المرتبطة بالشفافية والنزاهة والاستقرار المالي، مشدداً على أن هذه العملية لا تضع قواعد جديدة، بل تستند إلى منظومة معايير راسخة وضعتها جهات دولية، أبرزها مقررات لجنة بازل للرقابة المصرفية، ولا سيما “بازل 3″، إلى جانب قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومعايير “اعرف عميلك”، وتوصيات مجموعة العمل المالي “فاتف”، التي تشكل الحد الأدنى لأي علاقة مصرفية موثوقة.
ويؤكد أن غياب الامتثال الكامل لهذه المعايير، أو وجود ثغرات في تطبيقها، كفيل بإبقاء المصارف السورية خارج دائرة الثقة الدولية، بغض النظر عن قدراتها التشغيلية.
يرى القاضي أن تأخر العودة إلى سويفت يرتبط بجملة من التحديات الهيكلية، في مقدمتها ضعف أنظمة التحقق من هوية العملاء واعتماد الإجراءات الورقية، في ظل غياب نظام وطني متكامل للهوية الرقمية، ما يحد من قدرة البنوك على إثبات موثوقية بياناتها أمام الشركاء الدوليين.
يضيف أيضاً أن المصارف تعاني من قصور في أنظمة مكافحة غسل الأموال، سواء على مستوى التكنولوجيا المستخدمة أو التكامل مع قواعد البيانات الدولية، وهو ما يرفع من تصنيف المخاطر المرتبطة بها.
ويفيد بأن تطبيق معايير “بازل 3” لا يزال محدوداً، سواء في ما يتعلق بكفاية رأس المال، أو إدارة السيولة، أو اختبارات الضغط، أو مستويات الإفصاح والشفافية، ما يعكس هشاشة نسبية في بنية الاستقرار المالي، لافتاً إلى أنه بجانب ذلك، يبرز ضعف البنية التقنية والتحول الرقمي، خصوصاً في مجالات الأمن السيبراني، كأحد أبرز العوائق التي تعيق تحقيق موثوقية مصرفية تتماشى مع المعايير العالمية.
كما يلفت القاضي إلى أن الإطار القانوني والتنظيمي يحتاج إلى تحديث شامل، لاسيما في مجالات التوقيع الإلكتروني والبنية التحتية الرقمية، مع ضرورة تعزيز استقلالية الجهات الرقابية لضمان تطبيق القوانين بفعالية، مؤكداً أن دور “تقييم الفجوة” لا يقتصر على تشخيص هذه التحديات، بل يمتد إلى وضع خطة إصلاح متدرجة تبدأ بإجراءات سريعة، وصولاً إلى إصلاحات هيكلية طويلة الأمد، تشمل تطوير الأنظمة، وتأهيل الكوادر، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية.
ويخلص إلى أن البنوك العالمية تبحث عن إجابات واضحة تتعلق بمستوى الاستقرار المالي والامتثال والشفافية، وفي حال غياب هذه الضمانات، يبقى الخيار الطبيعي هو تجنب التعامل مع المصارف السورية، واستمرار العزلة المالية.
ويشدد على أن”غاب أسيسمنت” يمثل البوابة الفعلية لإعادة بناء الثقة، لكنه ليس حلاً سحرياً، بل مسار تراكمي طويل يتطلب التزاماً مؤسسياً عميقاً، في وقت تبذل فيه الجهات المالية الرسمية جهوداً لإعادة فتح قنوات التواصل مع المؤسسات الدولية، في محاولة لإثبات أن سوريا تسعى فعلاً لطي صفحة العزلة، مشدداً على أن نجاح هذا المسار سيبقى رهناً بمدى القدرة على ترجمة هذه التعهدات إلى إصلاحات ملموسة تعيد الثقة المفقودة بالنظام المصرفي.
رغم أن سوريا سجلت بالفعل خطوات رمزية وعملياتية مهمة، فإنها ما تزال خطوات جزئية لا ترقى إلى الاندماج الكامل، ففي 19 حزيران/ يونيو 2025 قالت “رويترز” إن سوريا أجرت أول تحويل مصرفي دولي مباشر عبر “سويفت” منذ اندلاع الحرب، بين بنك سوري وبنك إيطالي، ثم عاد حاكم المصرف المركزي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 ليعلن إرسال أول رسالة عبر “سويفت” إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بوصفها إشارة إلى عودة التواصل مع المجتمع المالي الدولي.
في نيسان/ أبريل 2026 نقلت رويترز أن سوريا باتت في المراحل النهائية لإقامة حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي التركي، وهو تطور مهم لأنه يكشف أن المسار الحقيقي يمر عبر الشبكات المراسلة والقنوات الثنائية قبل أن يصل إلى تشغيل كامل ومستقر.
من جانبه يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم، أن الحديث المتزايد عن إمكانية عودة سوريا إلى نظام التحويلات المالية العالمي “سويفت” خلال الصيف المقبل، على خلفية عملية التقييم التي تجريها شركة “أوليفر وايمان”، ينطوي على قدر من التفاؤل المفرط الذي قد لا يعكس بدقة تعقيدات الواقع المالي والمصرفي في البلاد.
يوضح الكريم أن ما يُعرف بـ”غاب أسيسمنت” ليس سوى أداة فنية لتشخيص الفجوة بين الوضع الراهن للقطاع المصرفي السوري والمعايير الدولية المعتمدة، من حيث الامتثال والحوكمة والشفافية، وهو بذلك يشكل خطوة أولى ضرورية لفهم مكامن الخلل، لكنه لا يمثل بحد ذاته حلاً نهائياً، ولا يمكن اعتباره مؤشراً كافياً على قرب إعادة الربط الكامل مع شبكة سويفت.
ويشير إلى أن التحديات التي تعيق هذه العودة تتجاوز بكثير حدود التقييم الفني، إذ تتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات الهيكلية والمؤسساتية، في مقدمتها تحديث الإطار القانوني المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بما يتماشى مع المعايير الدولية، مشدداً على أنه شرط أساسي لاستعادة ثقة النظام المالي العالمي.
كما يلفت إلى أن إعادة بناء العلاقات مع البنوك المراسلة تمثل حجر الزاوية في أي انفتاح مصرفي محتمل، وهي عملية معقدة وحساسة تستند إلى تقييمات دقيقة للمخاطر، موضحاً أن الاتفاقات المبدئية، بما فيها التعاون مع أحد البنوك التركية، لم تُترجم بعد إلى تفعيل عملي رغم مرور أسابيع، ما يعكس حجم الحذر الذي تبديه المؤسسات المالية الخارجية.
يضيف الكريم أن إصلاح الداخل المصرفي لا يقل أهمية، مشدداً على ضرورة تعزيز دور المصرف المركزي من خلال إعادة تفعيل مجلس النقد والتسليف، وإعادة هيكلة المصارف الخاصة، وضمان استقلالية وفعالية مجالس إداراتها، مع إبعاد الشخصيات أو الكيانات الخاضعة لعقوبات دولية، بما يسهم في تحسين صورة القطاع وتقليل المخاطر المرتبطة به.
يرى أن العامل الأكثر حسماً يبقى مرتبطاً بالبيئة السياسية العامة، إذ إن أي تقدم في المسار المصرفي سيظل هشاً في ظل غياب استقرار سياسي يحد من احتمالات فرض عقوبات جديدة أو إعادة تفعيلها.
وفي هذا السياق، يحذر الكريم من التركيز المفرط على نتائج “غاب أسيسمنت” بوصفها مفتاحاً سحرياً للحل، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى رفع سقف التوقعات لدى الرأي العام وصناع القرار على حد سواء، بشكل لا يتناسب مع الواقع الفعلي، داعياً إلى تبني مقاربة تدريجية أكثر واقعية، تقوم على استكشاف خيارات عملية في المدى القريب، من بينها تفعيل جزئي لاستخدام نظام سويفت عبر قنوات محددة، وبالاعتماد على البنوك المراسلة في الدول التي تربطها علاقات اقتصادية وسياسية مستقرة مع سوريا، مثل قطر والسعودية وتركيا.
يخلص الكريم إلى أن هذه الخطوات، وإن كانت لا تمثل حلاً جذرياً لمشكلة العزلة المالية، إلا أنها قد تشكل مدخلاً لتخفيف القيود تدريجياً، وتهيئة البيئة اللازمة لأي انفتاح أوسع مستقبلاً، بدلاً من الرهان على اختراق سريع قد لا يتحقق في المدى المنظور، في ظل التعقيدات المتشابكة التي تحكم هذا الملف.
Loading ads...
وفي ضوء ذلك، لا يبدو أن العودة الكاملة إلى سويفت مرهونة بتقدم تقني وحسب، بل هي أشبه باختبار شامل لمدى التزام الحكومة السورية بتحويل وعودها الإصلاحية إلى حقائق ملموسة، فإذا نجحت في إثبات جديتها، قد تعود بسرعة نسبية إلى النظام المالي العالمي، وإن تعثرت، فستظل خارج دائرة الثقة الدولية، رغم كل الخطوات التقنية التي أعلنت إنجازها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

غرق سفينة شحن قبالة سواحل اليونان على متنها 9 أفراد
منذ دقيقة واحدة
0



