5 أيام
استنفار “قوات التعبئة”.. لماذا يرفع “الحوثيون” سقف التصعيد الآن؟
الأربعاء، 24 يونيو 2026
بعد سنوات من تراجع المواجهات الواسعة على الجبهات الداخلية في اليمن، أعادت جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، خطاب التعبئة والاستنفار إلى الواجهة من جديد.
وجاء ذلك عبر دعوة زعيم الجماعة عبد الملك “الحوثي”، إلى تعزيز الجهوزية لمواجهة ما وصفه بـ”العدوان والاحتلال والحصار”، أعقبها إعلان “قوات التعبئة العامة” استعدادها الكامل، لتنفيذ توجيهاته ورفد الجبهات بالمقاتلين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، هو، لماذا يعود هذا الخطاب الآن؟ وهل يتعلق الأمر باستعدادات عسكرية فعلية على أرض الواقع، أم محاولة لإعادة ترتيب أوراق الجماعة “الحوثية” داخلياً وخارجياً، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد؟
في خطابه بمناسبة العام الهجري الجديد، دعا عبد الملك “الحوثي” إلى توحيد الجهود الرسمية والشعبية، وتعزيز الاستعداد لمواجهة ما اعتبره تحديات تهدد اليمن.
وبعد أيام قليلة، أعلنت “قوات التعبئة العامة”، جهوزيتها الكاملة للاستجابة لتوجيهاته، مؤكدة قدرتها على رفد القوات التابعة للجماعة بالمقاتلين، ومتحدثة عن مئات الآلاف من المنتسبين ومئات الألوية التعبوية.
هذه اللغة، أعادت إلى أذهان اليمنيين سنوات الحرب الأولى، عندما كانت جماعة “الحوثي” تعتمد على خطاب التعبئة الواسع، لتجنيد المقاتلين وحشد الأنصار. غير أن السياق الحالي، يبدو مختلفاً، فاليمن يعيش حالة جمود عسكري نسبي، فيما تشهد المنطقة تحولات متسارعة مرتبطة بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، ومستقبل الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر والخليج.
بحسب المتخصص في شؤون جماعة “الحوثي” عدنان الجبرني، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، فإن “قوات التعبئة” ليست تشكيلات عسكرية نظامية بالمعنى التقليدي، وإنما أقرب إلى نموذج “الباسيج” الإيراني.
ويشرح الجبرني أن هذه القوات، تشكلت خلال العامين الماضيين عبر تأطير أفراد من الأحياء والقرى والمربعات السكنية، وإخضاعهم لتدريبات محدودة على الأسلحة الخفيفة، إلى جانب برامج التعبئة الفكرية والتنظيمية.
ويشير إلى أن جماعة “الحوثي” عملت على هيكلة هذا التشكيل، مطلع عام 2024، عبر تحويل ما كان يعرف بالمجلس التنفيذي إلى “مكتب التعبئة”، في خطوة هدفت إلى توسيع قاعدة الحشد الشعبي، وربطها بشكل مباشر بالبنية التنظيمية للجماعة “الحوثية”.
وخلال فترة الحرب في غزة، استثمرت جماعة “الحوثي” حالة التعاطف الشعبي الواسعة مع الفلسطينيين، في توسيع أنشطة التعبئة والتجنيد، قبل أن يتحول هذا المسار تدريجياً إلى بناء احتياطي بشري، يمكن الاستفادة منه عند الحاجة.
بعيداً عن الشعارات المعلنة، يرى عدد من المراقبين أن التصعيد الخطابي الأخير لا يمكن فصله عن التحديات الداخلية التي تواجه جماعة “الحوثي” في شمال اليمن.
ويقول الجبرني لـ”الحل نت” إن جماعة “الحوثي”، تمر بحالة من التوتر الداخلي والخلافات التنظيمية والتعثر الإداري، وصلت إلى مستويات متقدمة داخل بعض هياكلها القيادية.
ويعتقد أن الحرب أو الاستعداد للحرب، قد تشكل بالنسبة لقيادة الجماعة، وسيلة لإعادة توحيد الصفوف، وتخفيف أثر التباينات الداخلية.
وتتقاطع هذه القراءة، مع معلومات تتحدث عن تصاعد التذمر في بعض الأوساط الموالية لجماعة “الحوثي”، وازدياد الشكاوى المرتبطة بالأوضاع المعيشية ومستوى الإنفاق، إضافة إلى تقارير عن مغادرة بعض المقاتلين مواقعهم خلال الأشهر الماضية وعدم عودتهم إليها.
كما تتحدث مصادر متعددة، عن تأخر بعض المستحقات المالية للمقاتلين، وتراجع مستوى الخدمات المقدمة لهم مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يضع جماعة “الحوثي” أمام تحديات تتعلق بالحفاظ على تماسك بنيتها العسكرية والتنظيمية.
ومع ذلك، تختلف التفسيرات بشأن الأسباب المالية لهذه الأزمة، فبينما يرى بعض المحللين، أن الجماعة تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، يعتقد الجبرني أن المشكلة لا ترتبط بتراجع الموارد، بقدر ارتباطها بإعادة توجيه الإنفاق، نحو التصنيع العسكري والبنية العسكرية والاستعدادات المرتبطة بأي مواجهات محتملة.
تفسيرات كثيرة ترى أن تصعيد جماعة “الحوثي” ليس مرتبطاً بالعوامل الداخلية وحسب، إذ أن له علاقة مباشرة بالتحولات الإقليمية الجارية.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب الصحفي عبد السلام القيسي، أن إعلان التعبئة يحمل جانباً من الضغط السياسي، أكثر مما يؤكد قراراً نهائياً بالذهاب إلى الحرب.
ويقول إن جماعة “الحوثي” تحاول تذكير الأطراف الإقليمية والدولية، بأنها ما تزال لاعباً مؤثراً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة، خصوصاً في ظل النقاشات المرتبطة بمستقبل المنطقة والتفاهمات بين القوى الكبرى.
ويضيف أن الجماعة “الحوثية” تسعى إلى تثبيت حضورها على طاولة التفاهمات، وإبراز قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى ملفات إقليمية أخرى أكثر سخونة.
وتنسجم هذه القراءة مع تحليلات سياسية ترى أن أهمية الورقة اليمنية، ارتفعت مجدداً داخل الحسابات الإيرانية خلال الفترة الأخيرة، لا سيما مع ارتباط البحر الأحمر وباب المندب، بأمن الملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية.
ورغم أن بعض المراقبين ينظرون إلى التصعيد، بوصفه أداة ضغط سياسية، فإن آخرين يدعون إلى التعامل معه بجدية أكبر.
وفي هذا الشأن، يقول المحلل السياسي عبد الستار الشميري، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إن مؤشرات التعبئة الحالية يجب ألا تٌفهم على أنها مجرد رسائل إعلامية، معتبراً أن جماعة “الحوثي” قد تكون بصدد الانتقال من “مرحلة الاستعداد الدفاعي، إلى مرحلة أكثر هجومية”.
ويرى الشميري أن الجماعة تحاول استثمار المتغيرات الإقليمية الحالية، إلى جانب حالة الضعف والانقسام التي تعانيها القوى المناهضة لها داخل الحكومة الشرعية، من أجل تحسين موقعها التفاوضي، أو تحقيق مكاسب ميدانية جديدة.
وبحسب الخبير اليمني، فإن احتمالات التصعيد المحدود، تبدو أكثر واقعية من سيناريو الحرب الشاملة، خاصة أن جماعة “الحوثي” تدرك حجم الكلفة التي قد تترتب على أي مواجهة واسعة في الظروف الراهنة.
وفي المقابل، يعتقد آخرون أن جماعة “الحوثي” ما تزال تفضل استخدام التهديد والتلويح بالقوة باعتبارهما أدوات ضغط سياسية، مع إبقاء خيار التصعيد العسكري قائماً إذا ما تطورت الظروف الإقليمية أو الداخلية في اتجاهات معينة.
يبدو أن توقيت جماعة “الحوثي” في العودة إلى خطاب التعبئة يرتبط بتقاطع عدة عوامل في لحظة واحدة، فالجماعة تواجه تحديات داخلية تتعلق بالتذمر والانضباط والموارد وأولويات الإنفاق.
وفي الوقت نفسه، تراقب التحولات الإقليمية التي قد تعيد رسم موازين القوى والعلاقات بين طهران وخصومها من جديد.
ومن هذا المنظور، لا تبدو “قوات التعبئة” مجرد إطار تنظيمي أو دعائي، وإنما أداة متعددة الوظائف تستخدمها جماعة “الحوثي” لتوجيه رسائل متزامنة إلى جمهورها الداخلي، وخصومها المحليين والأطراف الإقليمية والدولية أيضاً.
لذلك فإن الاستنفار الأخير، قد لا يكون مؤشراً حاسماً على اقتراب حرب شاملة، لكنه يكشف بوضوح أن جماعة “الحوثي” تحاول إعادة تموضعها في مرحلة تتسم بقدر كبير من الضبابية، وتسعى إلى رفع كلفة تجاهلها، في أي ترتيبات سياسية أو أمنية قادمة.
Loading ads...
وبين من يراه استعداداً لمواجهة وشيكة، ومن يعتبره محاولة لزيادة أوراق الضغط، يبقى المؤكد أن جماعة “الحوثي” اختارت العودة إلى لغة التعبئة، في توقيت لم يأتِ من فراغ، وأن الرسائل التي حملتها تحاول رسم موقعها في معادلات المرحلة المقبلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

