3 أشهر
"أسلحة جميلة وعناق أبنية مقصوفة".. فنانون يهندسون الواقع الجديد في سوريا
الثلاثاء، 3 فبراير 2026
يحدثنا البراء حداد عن كابوس بقي يراوده قبل سقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024، إذ كان يرى نفسه في مسقط رأسه اللاذقية المطلة على البحر المتوسط والتي كانت تخضع لسيطرة النظام البائد، وعن ذلك يقول: "فجأة أكتشف وجود حاجز أمامي، فيأتون إلي، وهذا يعني أني سأذهب إلى الجحيم".
يجلس هذا المصور والمخرج في أحد مقاهي دمشق القديمة ليحتسي المتة، كان ذلك قبل يومين من حلول الذكرى السنوية الأولى لإسقاط الديكتاتور على يد قوات المعارضة، ولهذا كانت المدينة تعج بالناس. ولكن قبل سنة، كان حداد يقيم في باريس بموجب إقامة فنية حينما سمع عن رحيل الأسد وعائلته عن البلد بعد بقائهم في السلطة لمدة 53 عاماً، غرقت البلد خلال السنوات الأربع عشرة الأخيرة منها في حرب دموية، وهذا ما جعل ذلك الشاب البالغ من العمر ثلاثين عاماً يتذكر ما حصل وهو يقول: "كان الأمر أشبه بحلم".
بعد ثلاثة أيام على سقوط النظام، عاد حداد إلى سوريا، حيث قطع الحدود من تركيا التي فر إليها في عام 2015. كان قد فقد كل أمل بالعودة إلى وطنه في يوم من الأيام، ولهذا يقول: "كان المشهد سوريالياً، إذ عندما وصلت، كانت تلك المرة الأولى التي أزور دمشق في حياتي"، وقد استغرق الأمر منه سبعة أشهر حتى يحس بالأمان في المناطق التي كانت في السابق تحت سيطرة الأسد، فقد نشأ في ظل هذا النظام، ورأى عنفه وقمعه عندما اعتقل أباه وأمه واقتحم بيتهم.
يصف حداد ثقافة الصمت التي تعني عدم قدرته عن مناقشة ذلك مع أي أحد، حتى لو كان أحد أصدقائه، ويضيف: "أصبح التصوير الضوئي مهرباً"، إذ بعد أن أهداه عمه كاميرا، أصبح على الفور مهووساً بها، فصار يلتقط صوراً للطبيعة المحيطة ببيته، وعند قيام الثورة في عام 2011، بدأ يتابع كل شيء ويوثقه، فقدم لنا صوراً مؤلمة بالأبيض والأسود للقصف، وللمعارك وللدمار، إلى جانب القصص الإنسانية التي تنطوي على مقاومة ونزوح. كان عمره آنذاك خمسة عشر عاماً، لكنه شعر بمسؤولية كبيرة تجاه عملية التوثيق وذلك حتى يخبر العالم بما يحدث في بلده.
البراء حداد في افتتاح لمعرض مشترك للتصوير الضوئي "طريقنا إلى دمشق" والذي نظمه في المكتبة الوطنية بدمشق
مع عودة فنانين وفنانات سوريين مثل حداد إلى موطنهم بعد سنوات من الغربة، حدثت نهضة ثقافية في البلد، بعد أن التم شمل الفنانين سواء العائدين أو الباقين في وطنهم، فقرروا إحياء المشهد الإبداعي والتعبير عن أنفسهم بطريقة لم يكن بوسعهم أن يحلموا بها أيام حكم الأسد. وأتى كل ذلك على الرغم من حالة الخوف والتشكيك بالمستقبل التي ماتزال قائمة في عموم سوريا، وخاصة بين بعض الأقليات، إثر قيام موجات عنف ظهرت خلال العام الفائت وتصاعد التوتر في شمال شرقي سوريا.
الفن من أجل التشافي
بعد أن استقر في دمشق اليوم، شارك حداد منذ فترة قريبة بتأسيس مركز ثقافي اسمه دار إيبلا، ويهدف إلى تمكين السوريين من الالتقاء والإبداع والتفكير، وهكذا أقام هو وشريكه في المشروع، الكاتب السوري جابر بكر، ورشات عديدة في مختلف أنحاء سوريا، تنوعت ما بين فن الكتابة على الجدران، والطباعة بالسيانوتايب، وصولاً إلى السرد القصصي، وقد جمعت تلك الورشات فنانين وفنانات مع سوريين وسوريات عاديين راغبين بتعلم مهارات جديدة، ويحدثنا عن ذلك حداد فيقول: "الفن ضروري للتشافي"، ويضيف بأن ما قدموه يعتبر طريقة تسمح للناس بالحديث عن تجاربهم والمطالبة بالعدالة.
أطلق اسم إيبلا على هذا المركز وهي مملكة سورية قديمة كانت تتمتع بقوة عاتية في ريف إدلب الشرقي، ولهذا أضحت الورشات مفتوحة للجميع، وتركز على حفظ الذاكرة الجمعية للشعب السوري وبناء هويته الثقافية. يخبرنا حداد بأن سوريين من مشارب مختلفة ومتنوعة شاركوا في تلك الورشات، ويعقب: "لم تكن سوريا بلداً منفتحاً قبل سقوط النظام، ولهذا لم تكن كل تلك المساحات متاحة للجميع، بل فقط للأشخاص الذين لديهم علاقات وواسطات"، ويصف المشهد الثقافي بسوريا بأنه كان: "انتقائياً وفاسداً، ولهذا نحاول كسر هذه الصورة".
"حرية غير مسبوقة"
تعتبر هذه بداية للتغيير برأي شيرين الأتاسي، مديرة مؤسسة الأتاسي، وهي مبادرة فنية غير ربحية هدفها الترويج للفن السوري وحفظه، وعن ذلك تقول شيرين: "وصلت الحرية في سوريا اليوم لمستوى غير مسبوق.. فالناس يتفوهون بكل شيء ويكتبون عن كل شيء، ويرسمون كل شيء"، وعلى الرغم من أن المشهد الفني يحتاج أيضاً إلى مؤسسات تدعم الفنانين وهذا غير موجود حالياً، ترى شيرين بأن هنالك: "زخما كبيرا، يشبه تلك الرغبة التي يبديها الجميع تجاه القيام بشيء ما، ورد الجميل للبلد، ولعب دور فيه، وأن يصبح للمرء رأي فيه".
في ظل هذه الحرية الإبداعية، تغير الإنتاج الفني الذي يقدمه السوريون، إذ يخبرنا محمد المفتي وهو رسام ومهندس معماري من دمشق بأن أعماله خلال السنة الماضية أصبحت: "أسعد وأقل درامية، على الرغم من وجود مخاوف كثيرة، ومصادر قلق كثيرة، وتحديات كثيرة".
"كوميديا سوداء"
قبل عام 2011، كانت الأعمال الفنية التي ينتجها هذا الفنان الذي يبلغ من العمر 49 عاماً مجردة وتجريبية، وعند بدء الثورة، بدأ يوثق ما يجري عبر لوحاته الزيتية، ولهذا أصبحت ألوانه صارخة وخطوطه تنطوي على مواجهة شرسة، ففي إحدى لوحاته، نرى براميل متفجرة زرقاء تسقطها قوات الأسد من السماء على مدينة مدمرة بالأصل، وقد رسمت تلك اللوحة من المشهد الذي يبدو من المروحية، ولهذا يحس المرء بأنه يسقط مع تلك البراميل.
على الرغم من سوداوية الموضوع، يخبرنا المفتي بأنه يحاول أن: "يضخ لمسة من السخرية أو الكوميديا السوداء"، ولهذا صور في أحدث لوحاته دبابة بالأبيض والأسود مع سوتيان فاقع الحمرة علق على سبطانتها، ويحدثنا عن اللوحة فيقول: "إنها ضخمة، إذ يبلغ طولها ثلاثة أمتار تقريباً، ولديك هذا الشيء الأحمر الحسي ذي الثنايا، فهذه الخفة تخفي ثقل آلة القتل هذه، ولهذا فإنك تركز على هذا التفصيل فحسب، إذ هنالك شيء غاية في الحسية والعاطفية والرومانسية في هذا البلد الذي خلت أني خسرته تماماً بعد أن أضعت أربعة عشر عاماً من حياتي خارج سوريا".
كان المفتي في بيروت التي استقبلته منذ عام 2012 عندما سمع خبر إسقاط الأسد، وعن ذلك يقول وهو يدخن لفافة تبغ في مقهى مزبوطة: "رغبت بالعودة في اليوم نفسه أي في الثامن من شهر كانون الأول، لكني لم أتمكن من العثور على سيارة أجرة في لبنان، غير أني تمكنت من العثور على سيارة في اليوم التالي، وقد أخذوا مني مبلغاً طائلاً من المال، لكني كنت على استعداد لدفعه". وخلال إقامته في بيروت، رسم لوحة للشارع السوري بعنوان: "التاسع من كانون الأول"، وإن دققت النظر فيها، سترى صورة لبشار الأسد مرمية في سلة قمامة.
يخطط المفتي للعودة إلى دمشق خلال فترة قريبة، وهو متفائل بالمستقبل على الرغم من كل شيء، ولهذا يقول: "لم نكن نتوقع أن يحل كل هذا المجد بين عشية وضحاها، فسوريا أشبه بسيدة عجوز، وما عليك إلا أن تعتني بها، وأن ترممها، وأن تعيد تأهيلها".
من لوحات محمد المفتي
الأسلحة الجميلة وعناق الأبنية المقصوفة
أصبح رواد هذا التوجه هم الجيل الجديد من الفنانين والفنانات الذين يدفعون عربة المشهد الفني نحو المستقبل عبر تقديم فنون مذهلة في جرأتها، فقد عثر الفنان السوري الحاصل على الجنسية الكوبية بيدرو نداف على قذائف هاون قديمة ومخلفات حرب فحولها من أسلحة فتاكة إلى أعمال فنية ذات تأثير بالغ، ولقد التقينا به في المتحف الوطني بدمشق حيث أقيم له معرض فني، يشتمل على قذائف كانت في الماضي تنهمر على الناس فتقتل من تقتل، وتقطع أوصال من تقطع أوصاله، لكن شكلها تغير اليوم فأصبحت تتبدى بأشكال جميلة على الرغم من الصدأ الذي يعلوها، بعضها تجريدي، وبعضها يشبه أشياء مألوفة كالجرس والعمود الفقري عند انحنائه، بل إن بعضها صار يشبه مقعداً وعليه شخص جالس عليه.
أشكال جديدة وجميلة ابتدعها الفنان بيدرو نداف من مخلفات الحرب
يعلق على ذلك نداف البالغ من العمر 18 عاماً، فيقول: "عشت طفولتي في الحرب، ولهذا اعتدت على صوت القصف". وقد كان أبواه يلعبان معه ومع شقيقه الأكبر لعبة تقوم على تخمين نوع القصف من صوته، ويصف نداف والديه ولعبتهما بقوله: "لقد حولا الأمر إلى شيء مسل". إلا أنه عندما كان في السابعة من عمره كاد أن يصاب بقذيفة هاون في أثناء سيره في أحد شوارع العاصمة، إذ سقطت تلك القذيفة على مسافة تبعد ثلاثة أمتار عنه، ولذلك وشم ذيل قذيفة الهاون على ذراعه، وأصبح الفن الذي يقدمه وسيلته لتغيير شكل السلاح، عبر انتزاع الخوف منه بطريقة تشبه طريقة والديه عندما اخترعا لعبة تخمين نوع القصف، وعن ذلك يقول: "إن الأمر أشبه بعملية تعافي خاصة بي، إذ صار بوسعي تحويل هذا الشيء المحزن إلى شيء أحبه، بل إنني أصبحت اليوم أقوى من هذا السلاح، عندما حولته إلى شيء جميل".
قدم لنا نداف مجموعته التي تضم مخلفات الحرب وذلك عندما زرناه في بيته الواقع شرقي دمشق، حيث فتح لنا صندوقاً معدنياً كبيراً ملأه بشظايا القنابل وخردة المعادن، فصار أشبه بصندوق كنز يحتوي على لقى مرعبة، كان بينها مقدمة قنبلة عنقودية ضخمة. كما صار يبحث عن الشظايا في أثناء جولاته بصحبة والده في المناطق التي شهدت كثيراً من القصف، مثل جوبر واليرموك، وكذلك في الزبداني تلك المدينة الواقعة جنوبي دمشق.
في البداية، يتحقق نداف من تلك الأشياء ليتأكد من أنها آمنة وخالية من الذخيرة، ثم يبحث عن ماهيتها في حال عدم تأكده من ذلك، ثم يضعها في حقيبة ظهره ويأخذها معه إلى البيت ليبدأ تصميم التشكيلات التي ينتجها، وذلك قبل أن يأخذها ليتم لحمها. ويخبرنا بأن أحلامه مصدر إلهامه وكذلك الأشكال العمرانية المدمرة التي يبحث عن الجمال الكائن فيها، ويقول: "في بعض الأحيان أرى الأبنية المقصوفة وكأنها تعانق بعضها بعضاً".
طفولة سرقتها الحرب
جوبر، ذلك الحي الواقع على أطراف دمشق والذي مايزال مثخناً بجراح سببها قصف الأسد المكثف، كان الحي الذي عاشت فيه الفنانة زينب الأبرار التي تنحدر أصولها من إدلب في شمال غربي سوريا، لكنها كبرت في جوبر إلى أن أصبح عمرها عشر سنوات خلال الحرب. في ذلك اليوم طلبت منها أمها حزم أغراضها، لأنهم راحلون، بما أن الأسرة كانت تحتمي من القصف في القبو في معظم الأيام. واليوم تخبرنا هذه الفنانة بعد أن أصبح عمرها 22 عاماً عن تجربتها فتقول: "كنت أسمع صوت الفئران هناك". غير أن تلك الذكريات والأصوات أثرت على فنها بشكل كبير، فصارت تقدمها بألوان زيتية متداخلة وأشكال فئران صفراء وهي تركض على الأكريليك، وعنها تقول: "أحس بأننا نشبه الفئران كونها تهرب على الدوام خوفاً مما يحدث".
ولهذا تعتبر الفن "مساحة آمنة" يمكنها من خلالها أن تستجمع ذكرياتها وأن تبحث في معنى الوطن والنزوح، إذ خلال الحرب أقامت في بيت جدتها الواقع على الطرف الآخر من المدينة هرباً من حالة الاقتتال. وكان ذلك الهروب لمجرد أسبوع فحسب، إلا أنه لم ينته إلا بعد مرور 12 عاماً وبضعة أيام، وذلك عندما تم إسقاط الأسد، وهكذا عادت إلى بيتها أخيراً، وعن عودتها إلى بيتها تقول: "كانت رؤيته صدمة"، إذ على الرغم من أنه مايزال قائماً، إلا أنه أصبح مجرد هيكل خاو على عروشه، لذا كان الشيء الوحيد الذي تعرفت إليه فيه هو الإطار الباهت لملصق يحمل صورة سندريلا كان معلقاً على أحد جدران غرفة نومها القديمة، فكان ذلك آخر أثر للطفولة التي سرقتها الحرب منها.
والآن بعد رحيل الأسد، تخبرنا بأنها صار بوسعها أن تتحدث بحرية أكبر عما يمثله فنها، إذ هذا ما قالته لنا ونحن نجوب المرسم الخاص بها المقام على سطح بناء دمشقي تقليدي يطل على أسطح المدينة. يتبع هذا المرسم لمؤسسة مداد الفنية وهي مؤسسة غير ربحية تدعم الناشئين من الفنانين التشكيليين السوريين. ولهذا تتمنى الأبرار للفنانين والفنانات السوريين مستقبلاً أن "يحظوا بفرصة للتألق".
الفنانة زينب الأبرار أمام مرسمها في دمشق
"الغريبة المعروفة"
ترى المصورة الدمشقية حنا عرفة بأن المشهد الفني في سوريا ازدهر قبل كل هذا فوصل صيته إلى خارج البلد أيضاً، وتقول: "أقول لأول مرة في حياتي إني أرى تغطية إعلامية أكبر في سوريا للفن والثقافة مقابل الحرب والدمار، فهنالك التزام حقيقي بالناحية المجتمعية أيضاً، وفي كل يوم يزيد إلهامي وتزداد دهشتي لما يحدث".
تصور الأعمال الفنية التي تقدمها هذه الفنانة التي تبلغ من العمر ستة وعشرين عاماً الجمال في كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية في سوريا، فهي تركز على الجانب الإنساني في بلدها، وأعمالها مترعة بالألوان ومشبعة بالطاقة، ففيها أطفال مبتسمون يلعبون في الشارع، وأسواق تعج بالناس وألواح تزلج وأشجار زيتون عتيقة. ومن خلال أعمالها الفنية، تحاول حنا أن توجد معنى لعلاقتها المتصدعة والموجعة في بعض الأحيان تجاه بلدها، كونها تحس في بعض الأحيان بأنها "غريبة معروفة" بعد أن عاشت بعيداً عنها لمدة تسع سنوات خلال الحرب.
تتمنى حنا لبلدها "مستقبلاً زاهراً وطويلاً يحس فيه الكل بالأمان والحرية والسعادة"، على الرغم من أنها تعترف بأن الطريق ما يزال طويلاً، وبحاجة لعزم وفكر ورعاية ومشاركة، وتضيف: "أتمنى أن أكون جزءاً من هذا المشهد".
واليوم، يعتبر هؤلاء الفنانين والفنانات السوريين من يهندس الواقع الجديد في البلد، إذ في ورشاتهم ومراسمهم وفي الشوارع التي كان الخوف جزءاً منها خلال مرحلة من المراحل، أصبح هؤلاء الفنانين ينحتون ملامح بلد أكثر حرية، بلد ينبض بالحياة في أبهى صورها، ويحتل المجتمع قلبه ومحوره، عبر تسخير قوة الفن في التشافي.
Loading ads...
المصدر: The Huck
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





