ساعة واحدة
معمل دريكيش بين الاستثمار والخصخصة.. هل تبيع الحكومة السورية الثروة المائية؟
الثلاثاء، 28 أبريل 2026
5:47 م, الثلاثاء, 28 أبريل 2026 1 دقيقة للقراءة
أثار إعلان وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، عبر الشركة العامة للصناعات الغذائية، طرح معمل تعبئة مياه نبع الدريكيش في محافظة طرطوس للاستثمار، موجة واسعة من الجدل والاتهامات بشأن ما إذا كانت الدولة تتجه إلى بيع أصول استراتيجية رابحة تحت عنوان “التطوير والتأهيل”، أم أنها تحاول فعلاً جذب خبرات جديدة لإنعاش منشأة يُنظر إليها بوصفها من أبرز الموارد الإنتاجية المرتبطة بثروة مائية ذات قيمة اقتصادية عالية.
وبحسب الإعلان الرسمي، فإن الفرصة الاستثمارية المطروحة تتعلق بتأهيل وتطوير وتشغيل المعمل عبر طلب عروض دولي ومحلي بنظام الظرف المختوم، موجّه إلى مستثمرين ذوي ملاءة مالية وكفاءة فنية عالية.
تمتد المنشأة، وفق ما جرى الإعلان عنه، على مساحة تتجاوز 392 ألف متر مربع، فيما نصّت شروط التعاقد على منح المستثمر حق الاستثمار لمدة 25 عاماً، مقابل الالتزام بإنجاز أعمال التحديث والتأهيل خلال 12 شهراً فقط.
وتقول الوزارة إن الخطوة تهدف إلى رفع كفاءة الإنتاج، وتحديث البنية التحتية، وتوسيع قدرة المنتج السوري على المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية، إلى جانب توطين التكنولوجيا الحديثة وتأهيل الكوادر الوطنية.
لكن هذه الصيغة، بدل أن تمر بهدوء، سرعان ما تحولت إلى مادة خلافية في الأوساط الاقتصادية، وسط مخاوف من أن يتحول الاستثمار طويل الأمد إلى شكل من أشكال التفريط بثروة عامة رابحة، خصوصاً في ظل واقع اقتصادي هشّ تعاني فيه الخزينة العامة من ضغوط متراكمة وعجز واضح عن تمويل الالتزامات الأساسية.
في هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي جورج خزام، عبر منشور له على منصة “فيسبوك”، إن تعبئة المياه المعدنية لا تتطلب تكنولوجيا عالية أو تعقيداً تقنياً يستعصي على القطاع العام، معتبراً أن المعمل ليس أمامه ما يبرر إخراجه من يد الدولة بهذه الصورة.
وأوضح أن ضبط الحسابات المالية في هذا النوع من المنشآت سهل نسبياً، لأن كمية العبوات الفارغة الداخلة إلى خط الإنتاج يمكن أن تُقارن مباشرة بعدد العبوات المعبأة والمباعة، وهو ما يحدّ من الذرائع المرتبطة بصعوبة الرقابة أو ضعف الكفاءة التشغيلية.
ويضيف أن منح استثمار يمتد إلى 25 عاماً يعني، عملياً، نقل عائد مورد طبيعي إلى القطاع الخاص لفترة طويلة، في وقت كانت فيه الدولة قادرة على تحديث خطوط الإنتاج بكلفة أقل كثيراً من قيمة العائد المتوقع.
يرى خزام أن المشكلة لا تكمن فقط في مدة الاستثمار، بل في منطق التصرف بالمنشأة وكأنها أصل متعثر، بينما هي في الواقع منشأة إنتاجية قائمة وقادرة على الاستمرار، مشيراً إلى أن الآلات وخطوط التعبئة، حتى لو جرى تجديدها اليوم، ستصبح شبه مستهلكة مع نهاية مدة العقد، بينما تكون الخزينة قد خسرت سنوات طويلة من الإيرادات المباشرة.
ويعتبر أن طرح مدة استثمار طويلة بهذا الشكل يطرح شبهة نقل السيطرة على الثروة أكثر مما يطرح مسألة تطويرها، لافتاً إلى أنه في حال كان لا بد من إشراك القطاع الخاص، فإن المدد القصيرة، التي لا تتجاوز ثلاث سنوات، قد تكون أقرب إلى منطق الشراكة المؤقتة منها إلى التفويض الطويل الأجل الذي يفرغ الملكية العامة من مضمونها الاقتصادي.
وبحسب رؤيته قال إن الدولة، بدلاً من التخلي عن المعمل، كان يمكن أن تذهب إلى نماذج تشغيل أو إدارة أو تحديث لا تمسّ جوهر الملكية العامة ولا تحرم الخزينة من المورد، مؤكداً أيضاً أن معمل دريكيش لم يكن متوقفاً أو متهالكاً، بل كانت منتجاته حاضرة في الأسواق قبل التحولات الأخيرة، وهو ما ينفي، برأيه، الرواية التي تبرر طرحه للاستثمار على أساس حاجته إلى إنقاذ تقني أو إعادة إحياء كاملة.
من هنا، يشدد خزام على أن التعامل مع المعمل يجب أن ينطلق من كونه جزءاً من ثروة طبيعية وطنية، لا مجرد أصل ثابت قابل للتنازل الطويل، محذراً من أن تحويله إلى مشروع استثماري طويل الأمد قد يشبه، من حيث المبدأ، منح امتياز خاص على مورد طبيعي سيادي، بما يحمله ذلك من تبعات اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود منشأة واحدة.
Loading ads...
وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن تحديث وتطوير وتوطين للتكنولوجيا، والرواية النقدية التي ترى في الخطوة بيعاً مقنعاً لثروة عامة، يبقى معمل دريكيش نموذجاً جديداً للصراع الدائر في سوريا حول مستقبل الأصول العامة، وما إذا أصبحت أداة لإعادة الإعمار وتنشيط الإنتاج، أم أن تلك الإجراءات مقدمة لخصخصة موارد قادرة على أن تبقى في خدمة الخزينة والمجتمع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




