في ستينيات القرن الماضي، حين كانت الصين الشيوعية، تحت زعامة ماو تسي تونغ، وتطبّق رؤيته وتعليماته، ابتُدِع مصطلح "الأطباء الحفاة" وأُطلق على مجموعات كبيرة من العاملين الصحيين من أبناء الأرياف والمناطق النائية، والذين كُلِّفوا بالعمل في بيئتهم وأماكن سكناهم البعيدة عن مراكز الخدمات الحكومية.
كلمة "حفاة" لم تكن تُستخدم لوصفهم بناءً على أقدامهم حين يهرولون نحو منزل المريض الذي يحتاج إلى خدماتهم، فهم لم يكونوا حفاةً بالمعنى الحرفي للكلمة، بقدر ما كان هذا الوصف مشتقاً من طبيعة عملهم السابق أو الأصلي، أي قبل أن يتلقّوا تدريبهم الصحي على أيدي أطباء متخصصين من المدينة.
كانوا مزارعين، ومعروف أن مزارعي الأرُز تحديداً، وهي المهنة الأكثر انتشاراً في جنوب الصين الخصب، يعملون في الحقول بأقدام حافية. لذلك، وتقديراً لمهنة المُزارِع هذه، شُبّه الطبيب بها، وليس العكس. كذلك طبعاً القول إن هذا طبيب من نوع خاص، فهو مزارع غير منفصل عن طبقته ولا عن مجتمعه، وهو فوق ذلك يمتلك معرفة طبية يقدمها للمحتاجين وللمجتمع.
كما أن هؤلاء "الأطباء" لم يكونوا أطباءً بالمعنى الأكاديمي للكلمة، لكن المجتمع المحلي كان يتعامل معهم بالتقدير ذاته الذي يتعامل به مع أي طبيب، وهم أنفسهم كانوا يتعاملون مع المجتمع المحلي بثقة أطباء، اكتسبوها مما يقدمونه من خدمات، ومما منحتهم إياه السلطة المركزية من دور ووظيفة لا يقلان عن دور ووظيفة الطبيب، إلا في ما يتعلّق بالإجراءات التي تتطلّب تخصصاً أعلى، كالعمليات الجراحية وصرف بعض الأدوية.
لا بد أنك تتساءل، عزيزي القارئ، وما الذي بقي من مهنته كطبيب إن كان ممنوعاً عليه صرف أصناف من الأدوية؟ وللإجابة عن هذا التساؤل لا بد من تعريف الدور الذي كان يقوم به هؤلاء الأطباء، وهو بالتحديد الرعاية الصحية الأولية، المتعلِّقة أساساً بعلاج الأمراض قبل استفحالها، وبمنظومة التطعيمات، والنظافة الشخصية والبيئية، ومكافحة الأوبئة وعزل المصابين بأمراض مُعدية، وكل ما يخصّ صحة المرأة والجنين، وما له صلة بمتابعة صحة كبار السن.
صحيح أن كل هذه المهمات يضطلع بها الممرضون في العصر الحالي، وتنفذها برامج الرعاية الصحية الأولية التابعة للمؤسسات الدولية، أو تلك المنبثقة من المؤسسات المحلية في البلدان الفقيرة، والممولة غالباً من جهات خارجية. لكن الفرق بين كل هذه المؤسسات وبين الأطباء الحفاة، إذا تجاوزنا الخوض في الكفاءة وظروف العمل، هو الراتب أو المكافأة وكيفية احتسابها.
أما الأطباء الحفاة، فكانت لديهم طريقة غريبة في احتساب الراتب أو المكافأة المالية التي يستحقونها مع نهاية كل شهر نظيراً لعملهم. ففي حين أن أي موظف حكومي أو في القطاع الخاص في أي مكان من العالم، يتقاضى راتباً ثابتاً بناء على العقد الموقَّع بينه وبين الجهة المُشغِّلة، كانت المكافأة التي تُصرف لأي من هؤلاء الأطباء الحفاة تزيد كلما نقص عدد المرضى الذين يعاينونهم خلال الشهر، بينما يخصم منها عندما يزيد عدد المرضى في القرية.
أي أن الطبيب كان يُعاقب إن "اشتغل" أكثر، وهذا هو عين العقل من زاوية ما. هذه الزاوية هي التعريف الصيني الماوي للطب بصفته مهنة تقوم أساساً على منع وجود المرض لا على علاجه فقط. فمهمة الطبيب الأولى هي أن يثقّف الناس ويوعيّهم كي لا يمرضوا، وأن يهيّئ الظروف الصحية في المكان الذي يعمل فيه، وخلق العادات لدى السكان من أجل أن يتجنّبوا المرض قدر الإمكان. لذلك، فكلما زاد عدد المرضى في عيادته، يُعتبر هذا دليلاً على فشله في مهمته التثقيفية، والمطلوبة منه أولاً قبل أي مهمة علاجية لاحقة.
كانت فكرة الأطباء الحفاة، إذاً، في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين قائمة على الوقاية وليس على العلاج، وكانت جزءاً من "الاقتصاد الجماعي" ونقاط العمل المدعومة بالحوافز. بعد وفاة ماو تسي تونغ ودخول الصين مرحلة الإصلاحات الاقتصادية في عهد دينغ شياو بينغ، انتهى وجود الأطباء الحفاة بصيغتهم السابقة، وأصبح نظام الحوافز مرتبطاً بعدد الكشوفات على المرضى، وعدد الوصفات الدوائية المصروفة لهم.
على كل حال، فإن أهم ما يميز تجربة الأطباء الحفاة وأي تجربة شبيهة لها في العالم، هو أن مصلحة الطبيب تتوافق تماماً مع مصلحة المجتمع. فمجتمع بلا أمراض يعني طبيباً سعيداً براتبه، أي أن الطرفين راضيان، على عكس المفهوم الدارج لمهنة الطب، والكثير من المهن الأخرى، التي وُجدت لحل المشكلة بعد وقوعها. وإن شئنا استخدام لغة فظّة فيمكننا القول إنها تعتاش على "المشكلات وخراب البيوت".
فالطبيب لا يعمل إن لم يمرض الناس، والمحامي لا يعمل إن اختفت الجرائم، والشرطي لا لزوم له إن ساد النظام... وهكذا. وعليه، تكون مصلحة العامل أو صاحب المهنة هنا تتعارض كلياً مع مصلحة المجتمع بلغة السياسيين وعلماء الاجتماع، أو الزبون بلغة التجار، أو... متلقي الخدمة بلغة مؤسسات المجتمع المدني.
وصلنا أخيراً إلى مؤسسات المجتمع المدني، بعد مقدمة طويلة لكن ضرورية من أجل تسهيل فهم العلاقة بين مقدّم الخدمة ومتلقيها، والمؤشّرات التي يُستند إليها في تقرير إذا ما كانت هذه الخدمة ناجحة أو لا. علينا أن نتفق أولاً أن متلقي الخدمة هو الذي يعاني من المشكلة، وأن مقدّمها هو الذي يهدف إلى حل هذه المشكلة. وبناء عليه، فالسؤال التلقائي هنا: ما مصير مقدّم الخدمة لو اختفت المشكلة أو انتهت كليّاً؟
هناك مئات مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا، حيث تشمل نشاطاتها كل مشكلات المجتمع تقريباً، وهذه المؤسسات ممولة في غالبيتها من ممولين خارجيين كما تشير تقاريرها هي. وفي تصميم طلب التمويل أو الحصول على منحة لبرنامج ما، يتم ذكر عدد المستفيدين منه، وتالياً فإن حجم المنحة يرتفع كلما ارتفع عدد المستفيدين، أي كلما زاد حجم المشكلة وليس كلما نقص. المعادلة هنا بسيطة: صفر مشكلات يعني صفر تمويل.
لنأخذ كمثال مؤسسة تُعنى بمحاربة الأميّة، ويتم تمويلها من أجل القضاء على هذه المشكلة، وبعد عمل دؤوب وحثيث وصادق استمر لعقد من الزمان، استطاعت هذه المؤسسة أن تحل مشكلة الأمية من جذورها، فما الذي سيقنع الممول بالاستمرار في الدفع، ولماذا؟
هذا لا يعني أننا نتهم المؤسسات بالعمل على إدامة المشكلات من أجل إدامة التمويل، وليس هو دخولاً في النوايا بتاتاً، لكن في المقابل فإن المؤسسات، مثل الأفراد، تستجيب للحوافز. إضافة إلى أن آلية التمويل والتقييم مصممة بحيث تكافئ المؤسسة على عدد الخدمات التي تقدمها، وليس على انخفاض الحاجة إلى هذه الخدمات.
لذلك، يبدو لي مصطلح "متلقي الخدمة" فاضحاً وكاشفاً ما دام يصف الشخص، أو المجموعة من الناس، أو حتى المجتمع بأكمله من زاوية علاقته بالمؤسسة، وليس من زاوية قدرته على الاستغناء عنها وعن خدماتها.
Loading ads...
ثم إن هذا الحديث ليس مديحاً للتجربة الماوية، أو دعوة إلى تطبيقها في بلاد وبيئة يعجز الفلاسفة عن توصيف أنظمتها السياسية والاقتصادية، بقدر ما هو فتح باب الأسئلة عن دور الدولة ودور المؤسسات، ودعوة حقيقية إلى إعادة النبش في المعايير والمؤشرات التي نستطيع من خلالها تعريف النجاح والإشارة إلى الفشل، في الصحة وفي محاربة الأمية، وفي تمكين المرأة والشباب، وفي الفقر، وفي كل مشكلة قادتنا إلى تشكيل "لجنة" أو "مؤسسة" من أجل محاربتها، فصارت جزءاً منها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






