ساعة واحدة
فرنسا: فيلم "معركة ديغول" يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا يزال يلهم السياسيين
الخميس، 4 يونيو 2026

بدأت عدة دور سينما فرنسية الأربعاء في عرض النسخة الأولى من فيلم "معركة ديغول" التي جاءت تحت عنوان "العصر الحديدي"، فيلم كان منتظرا لزعيم فرنسي ما زال حاضرا في المشهد السياسي والثقافي للبلاد.
ويروى الفيلم، قسمًا من سيرة الجنرال شارل ديغول خلال الحرب العالمية الثانية، بعد احتلال فرنسا من قبل ألمانيا النازية ومن ثمة توجهه إلى لندن وتأسيسه لحكومة المنفى "فرنسا الحرة" التي قادت لاحقًا المقاومة الفرنسية بالتعاون مع الحلفاء.
يعتبر هذا العمل الروائي الطويل، الذي أخرجه أنطونين بودري، فيلم حرب ومغامرة ملحمي بامتياز.
وعلى غرار فيلمه السابق "نداء الذئب" في 2019، يلعب المخرج، الذي عمل دبلوماسيًا قبل تحوله إلى كتابة السيناريو ومن ثمة دخوله عالم الفن السابع، مرة أخرى، على وتر التشويق والإيقاع ليجعل من "معركة ديغول" فيلم إثارة مشوقًا غنيًا بالتحولات والمنعطفات، حسبما قال روبين نيغر في مقاله لموقع pathe.fr المتخصص في السينما.
وتقمص دور الجنرال ديغول، الممثل سيمون أبكاريان الذي جسّد إلى حد بعيد ملامح الجنرال وقدّم أحد أعظم عروضه عبر هذا الفيلم، يضيف نيغر، الذي ذكّر بسمات الزعيم الفرنسي الراحل من ذلك: طول قامته، الكاريزما، والقوة، ولكن أيضًا رهافة الحس وجانبه الفكاهي. مزيج من التناقضات جعلت من ديغول، شخصية لا تُنسى.
إلى جانب أبكاريان، شارك عدد من الممثلين في تقمص أدوار محورية في الفيلم أبرزهم: بينوا ماجيميل، فلوريان ليسيور، سيمون راسل بيل، نيلز شنايدر، وأناماريا فارتولومي، شخصيات سلطت الضوء على أحداث متنوعة في تاريخ الرجل، وخصوصًا تعقيدات تلك الحقبة التاريخية المصيرية في تاريخ فرنسا.
وحول فيلمه، سبق أن قال مخرج الفيلم في تصريحات لموقع "ألو سينيه" خلال تواجده في مهرجان كان السينمائي حيث عُرض الجزء الأول من العمل خارج المسابقة الضخمة، إنه تجربة تحويلية، هو "أشبه بالرحلة الطويلة، مشروع عمر". ولفت نفس المصدر إلى أن ميزانية الفيلم بلغت 74 مليون يورو، وهي واحدة من أضخم الميزانيات في السينما الفرنسية.
لعل الحاجة إلى كل هذا الإنفاق مردها ضرورة تجسيد مشاهد الحرب العالمية وملاحمها، بما في ذلك الأزياء والديكورات، والمؤثرات الخاصة، حسب نفس الموقع، الذي أشار إلى عرض النسخة الثانية من فيلم "معركة ديغول" في 1 يوليو/تموز، تحت عنوان "أكتب اسمك"، وهو الجزء الأخير من المشروع التاريخي الملحمي، بعد النسخة الأولى "العصر الحديدي".
يلحظ كاتب المقال أن المخرج أنطونين بودري يقدم عبر هذا الفيلم، صورة مغايرة لتلك التي بقيت راسخة في الأذهان حول الجنرال الشهير المعروف كشخصية متسلطة، من خلال إظهاره في مواقف الضعف وحتى السخرية. يقول المخرج لموقع "ألو سينيه" المتخصص في السينما: "كان الأضعف في كل مرة دخل فيها غرفة". يضيف أن ديغول "كان وحيدًا. حتى إن اتصالاته مع العالم الخارجي والبرقيات التي كان تصله، كانت تمر عبر مكتب رئيس الوزراء البريطاني. كان يتقبل سلسلة من الإهانات التي لا يُمكن تصورها اليوم، ويتحملها".
أما صحيفة لوموند، التي علّقت أيضا على الفيلم، فوقفت عند نضال ديغول وكذلك "علاقته المتوترة مع ونستون تشرشل، وعزلته، وإذلاله، وصبره، ومراوغاته، والتطور الرومانسي للمقاومة الداخلية في فرنسا"، إضافة إلى نجاح خطة حشد أبناء المستعمرات لتحرير فرنسا إلى جانب العديد من الأشخاص المتحمسين للانضمام إلى ديغول في تلك الفترة. واعتبرت الصحيفة أن هذا العمل الملحمي يضاهي إلى حد كبير "أحدث الاقتباسات لأعمال ألكسندر دوما أو فيكتور هوغو، التي أعادت إحياء الشعور بالفخر الوطني في الوعي الفرنسي".
في المقابل، سلّطت صحيفة لوبوان الفرنسية الضوء على ما وصفته بـ"غضب المؤرخين" غداة العرض الأول للفيلم، حيث نشرت مقال رأي للخبير المتخصص في الديغولية أرنو تيسييه، اعتبر فيه أن فيلم "معركة ديغول" يصور الجنرال كشخصية جامدة لا تتغير. واستشهد الكاتب بمقولة الكاتب والأكاديمي والدبلوماسي الفرنسي الراحل بول موراند: "نميل للتقليل من شأن العظماء، وإضفاء الطابع الإنساني عليهم حتى نرتقي إلى مستواهم".
وقال تيسييه إن هذا الفيلم يأتي في سياق هذه النزعة التي أثارها موراند. وانتقد كاتب المقال كيف انتهى ما كان يبدو أنه "فيلم واعد" مع رصد "ميزانية ضخمة، وطاقم تمثيل متميز" بـ"خيبة الأمل كبيرة" على حد وصفه.
كما انتقد أرنو تيسييه عدم وقوف الفيلم عند سيرة الجنرال ديغول قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، مشيرًا إلى أن الرجل "كان بعيدًا عن كونه شخصًا منعزلًا أو مجهولًا". وأضاف أن فيلم بودري لم يسلط الضوء على حياة ديغول في "النصف الأول من يونيو/حزيران 1940، رغم أنها كانت فترة حاسمة للغاية"، حيث كان ديغول حينها "عضوًا بحكومة رينو الذي عارض توقيع الهدنة [مع ألمانيا - ملاحظة المحرر]، والأكثر من ذلك الرجل الذي سمحت له مناصبه بمقابلة تشرشل [ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا حينها]".
على كل حال، تبقى شخصية الجنرال ديغول ملهمة للكثير من الفرنسيين وساستهم ومثقفيهم بعد 56 سنة من رحيله. في هذا السياق، يتساءل موقع فرانس إنفو: لماذا لا تزال شخصية الجنرال ديغول تثير كل هذا الإعجاب؟ يجيب جان غاريغ مؤرخ وأكاديمي فرنسي مختص في التاريخ السياسي وصاحب كتاب حول ديغول، بأن من المهم جدًا "الحفاظ على ذكرى الجنرال ديغول حية" لأنه "آخر أبطال تاريخنا المعاصر".
وأضاف غاريغ أن صورة ديغول تبقى في ذاكرة الفرنسيين مجسدة لشخصية الرجل الذي أنقد فرنسا مرتين: "منقذ 18 يونيو/حزيران 1940. ويعتقد البعض أنه كان المنقذ مرة أخرى في مايو/أيار 1958. لقد أنقذنا من الجمهورية الرابعة، التي كانت تتخبط في الحرب الجزائرية". مضيفًا: "هو، في نهاية المطاف، الأب المؤسس للجمهورية الخامسة. وفوق كل ذلك، هو رمز لشيء فقدناه".
الجنرال ديغول والجزائر... من غموض "فهمتكم" إلى مبدأ الواقعية وتأييد حق تقرير المصير
تعقيبًا على الموضوع، قال هشام أبو شهلا، باحث في العلوم السياسية ومتخصص في الشأن الفرنسي لفرانس24 إن "الجمهورية الخامسة تمثل حالة نموذجية لتثبيت المؤسسات السياسية على المدى الطويل، في سياق تحولات مستمرة في الخريطة الحزبية. فمنذ تأسيسها عام 1958 تحت قيادة الجنرال شارل ديغول، رسّخ هذا النظام سلطة تنفيذية قوية، وأسهم استمراره الطويل في ترسيخ قواعد عمله في وعي الفاعلين السياسيين".
وقال شهلا أيضًا إن الديغولية ليست عبارة عن "إيديولوجية مغلقة بالمعنى الكلاسيكي، بل هي مرجع سياسي مكوَّن من مجموعة مبادئ عامة: السيادة الوطنية، مركزية الدولة، قوة السلطة التنفيذية، والاستقلال الاستراتيجي، وهي مبادئ قابلة لتأويلات متباينة حسب السياقات السياسية".
يبدو أن هذه التأويلات التي تحدث عنها شهلا، هي ما يسمح للكثير من السياسيين والشخصيات في فرنسا الإعلان صراحة انتسابهم للتيار الديغولي، رغم أن تياراتهم السياسية متناقضة بشكل جذري. يمكن رصد أبرز تلك الشخصيات التي تدعي الانتساب إلى التيار الديغولي وكونها تنهل من إرثه السياسي، عبر مقال لموقع لوباريزيان الذي سلّط الضوء على شخصيات سياسية عديدة تتنافس على إرث الجنرال الراحل منذ وفاته عام 1970. تساءل كاتب المقال: من هو الأقرب إلى الجنرال ديغول؟ مارين لوبان التي نصّبت نفسها "ديغولية"، أو جيرالد دارمانان الذي يدعي الالتزام بـ"الديغولية الاجتماعية"، أو دومينيك دوفيلبان الذي يسوق لنفسه كأحد "آخر الديغوليين".
كما نقل مقال لوباريزيان عن المؤرخ الديغولي بيير مانينتي قوله إن الإجابة عن هذا السؤال صعبة، حيث إن "الديغولية لا تملك تعريفًا واحدًا فقط، ولا حتى نصوصًا تأسيسية، ناهيك عن أن ديغول "لم يرغب في تعريفها خلال حياته"، مضيفًا: "ليست هناك ديغولية واحدة، بل ديغوليات متعددة". هذا الغموض هو ما يسمح لكثيرين بالادعاء بالانتماء إليها، وفق نفس المصدر.
فرنسا تحيي ذكرى يوم النصر على النازية وماكرون يضع إكليلا من الزهور أمام تمثال شارل ديغول
يُفسّر هشام أبو شهلا حقيقة أن فاعلين سياسيين متباينين إيديولوجيًا في فرنسا مثل إيمانويل ماكرون، مارين لوبان، إريك زيمور، وحتى جان لوك ميلنشون، لا يتوانون عن "استدعاء المرجعية الديغولية"، لكن كل بحسب هواه ومنطق يبرره من "منظور مؤسسي مختلف".
فمثلاً "يركز التيار الوسطي لماكرون على البعد الوظيفي للديغولية، بما في ذلك السلطة التنفيذية كحَكَم ناظم ضمن هندسة الجمهورية الخامسة. في المقابل، يركّز اليمين واليمين المتطرف على البعد السيادي للديغولية، المرتبط بالتحكم في الحدود، وأولوية المصالح الوطنية، واستعادة القرار الاستراتيجي للدولة. أما بعض الأطراف اليسارية، فيستحضرونها بوصفها إطاراً لفكرة الدولة الاستراتيجية، وكموقف مستقل عن التبعية في السياسة الدولية".
Loading ads...
يختم الباحث المختص في الشأن السياسي الفرنسي هشام أبو شهلا قوله، بأإن اليمين الجمهوري واليسار الاشتراكي في فرنسا فقدا "القدرة على احتكار الإرث السياسي للديغولية. وبالتالي، أصبح ديغول أكثر حضوراً كرمز سياسي عام، بدل أن يكون مشروعاً حزبياً محددا".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




