ليس التحدي في تحقق هامش أوسع للإعلام، بل في القدرة على تحويله إلى قاعدة مستقرة تصمد أمام الاختبارات.. في اليوم الدولي لحرية الصحافة لا يكون السؤال في سوريا ماذا تحقق؟ بل ما الذي يمكن أن يستمر؟
خلال السنوات الأخيرة، لا يمكن إنكار أن ثمة تغيراً طرأ على المشهد الإعلامي، لم يعد كما كان، لا من حيث المساحات المتاحة، ولا من حيث طبيعة الخطاب، ولا حتى في مستوى التفاعل مع القضايا العامة، هناك هامش أوسع وحضور أكبر لوجهات نظر متعددة، وإدراك متزايد بأن الإعلام لم يعد مجرد أداة نقل، بل جزء من عملية فهم ما يجري داخل المجتمع.
لكن هذا التقدم، على أهميته، لا يكفي بحد ذاته ليشكل إجابة نهائية، لأنّ حرية الصحافة، في جوهرها، ليست حالة تُعلن، بل مسار يُختبر، وما تحقق حتى الآن يظل خطوة ضمن طريق أطول، يتوقف نجاحه على القدرة على الاستمرار، لا على لحظة التحسن الأولى.
السؤال الأهم اليوم ليس: هل تحسنت حرية الصحافة؟ بل: هل يمكن لهذا التحسن أن يستقر ويتحول إلى قاعدة؟
هذا السؤال يقود مباشرة إلى طبيعة العلاقة بين الإعلام والدولة، فحرية الصحافة لا تعني غياب الدولة، كما لا تعني صداماً دائماً معها، بل تقوم على توازن دقيق: دولة تقبل بوجود مساحة للنقد، وإعلام يدرك مسؤوليته في نقل الواقع دون تهويل أو تسييس مفرط. وعندما يختل هذا التوازن، تميل الكفة إما نحو التقييد، أو نحو الفوضى، وكلاهما يضر بالمعنى الحقيقي للحرية.. “حرية الصحافة لا تُقاس بما يُسمح بنشره، بل بما يمكن نشره دون خوف".
لا يمكن فصل حرية الصحافة عن مفهوم الشرعية السياسية، فالدولة التي تسمح بتعدد الأصوات، وتتعامل مع النقد كجزء من عملية التصحيح، تعزز شرعيتها أكثر مما تفعل عبر الخطاب الأحادي..
في هذا السياق، لا يمكن فصل حرية الصحافة عن مفهوم الشرعية السياسية، فالدولة التي تسمح بتعدد الأصوات، وتتعامل مع النقد كجزء من عملية التصحيح، تعزز شرعيتها أكثر مما تفعل عبر الخطاب الأحادي، وفي المقابل، فإنّ الإعلام الذي يعمل ضمن معايير مهنية واضحة، لا يسهم فقط في نقل المعلومة، بل في بناء الثقة العامة، وهي عنصر أساسي في أي استقرار طويل الأمد.
لكن التحدي لا يقف عند حدود العلاقة مع الدولة، فداخل الوسط الإعلامي نفسه، تبرز أسئلة لا تقل أهمية:
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، فالتجربة اليومية للعمل الإعلامي ما تزال تواجه تحديات واقعية، تتعلق بصعوبة الوصول إلى المعلومة في بعض الأحيان، أو غياب آليات واضحة للحصول عليها، إلى جانب تفاوت المعايير المهنية بين المؤسسات المختلفة. وهي عوامل لا تُلغِي التقدم الحاصل، لكنها تذكّر بأن المسار ما يزال في طور التشكّل.
فالحرية، حين لا تُرافقها مهنية، قد تفقد جزءًا من قيمتها. والإعلام، في نهاية المطاف، لا يُقاس فقط بقدر ما يستطيع قوله، بل بمدى دقته، وعمقه، وقدرته على تقديم صورة أقرب إلى الواقع، لا مجرد انعكاس للانطباعات.
لا يكون السؤال في سوريا اليوم إن كان هناك تقدم، بل ماذا سنفعل بهذا التقدم، هل سيتحول إلى نقطة انطلاق نحو إعلام أكثر نضجاً وتأثيراً؟ أم سيبقى ضمن حدود ظرفية، قابلة للتراجع مع أول اختبار؟
وفي المقابل، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذا التقدم إلى بنية مستقرة. أي إلى حالة يشعر فيها الصحفي بأن المساحة المتاحة له ليست استثناءً مؤقتاً، بل جزءاً من نظام واضح يمكن العمل ضمنه بثقة، وهذا يتطلب بيئة قانونية وتنظيمية أكثر وضوحاً، وآليات تحمي العمل الإعلامي دون أن تقيده، وتحدد المسؤوليات دون أن تُفرغ الحرية من معناها.
في هذا الإطار، لا يكون السؤال في سوريا اليوم إن كان هناك تقدم، بل ماذا سنفعل بهذا التقدم، هل سيتحول إلى نقطة انطلاق نحو إعلام أكثر نضجاً وتأثيراً؟ أم سيبقى ضمن حدود ظرفية، قابلة للتراجع مع أول اختبار؟ الإجابة لا تعتمد على طرف واحد فقط، بل هي مسؤولية مشتركة: الدولة، في قدرتها على ترسيخ المساحة بدل إدارتها مؤقتًا، والإعلام، في قدرته على استخدام هذه المساحة بما يعزز الثقة، لا يبددها.
Loading ads...
في النهاية، حرية الصحافة ليست هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لفهم المجتمع، وتصحيح مساره، وبناء علاقة أكثر توازناً بين الدول ومواطنيها، لكن الأهم من كل ذلك: أن الحرية التي لا تُرسَّخ، تبقى قابلة للتراجع.. وأن الحرية التي لا تُستخدم بمسؤولية، قد تتحول من فرصة إلى عبء، وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحول السؤال من هل هناك حرية؟ إلى كيف نضمن استمرارها؟ وهو السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



