قلّما نعرف في تاريخ الصراعات الحديثة ميليشيا نجحت، بعد أن تضخّمت وتمددت وبنت لنفسها اقتصاداً وسلاحاً وإدارة وحدود نفوذ وسردية سياسية، في أن تعود طوعاً إلى الدولة، أي أن تلغي نفسها بنفسها. فالميليشيا، حين تطول إقامتها في الفراغ السياسي، لا تعود مجرّد قوة أمر واقع، بل تتحول إلى كيان كامل له مصالح وبيروقراطية وشبكات نفوذ وسردية شرعية خاصة به، ويصير حلّه شبيهاً بانتحار سياسي مؤجَّل.
هذا، على وجه الدقة، هو المأزق الذي تقف عنده اليوم "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في علاقتها مع الدولة السورية، بعد أن بدأت التفاهمات المؤجلة تتعثر، وعادت لغة الاشتباك العسكري لتفرض نفسها بوصفها تعبيراً عن أزمة أعمق بكثير من خلاف على ترتيبات أمنية أو إدارية.
منذ نحو عقد، وبحماية جوية أميركية مباشرة، نشأ في شرقي سوريا كيان هجين: لا هو دولة، ولا هو إقليم معترف به، ولا هو مجرد إدارة محلية. كيان يسيطر على معظم الثروة الزراعية والنفطية والمائية في البلاد، دون أن يمتلك مقومات السيادة، ودون أن يحوز شرعية وطنية جامعة، ودون أن يستطيع الاستمرار، بالمعنى الاستراتيجي، ساعة واحدة من دون المظلّة الأميركية.
كان الرهان الضمني لهذا المشروع أن يتحول، مع الزمن، إلى نسخة سورية من إقليم كردستان العراق: حكم ذاتي واسع، مع اعتراف دولي غير مباشر، وعلاقة تفاوضية دائمة مع الدولة المركزية. غير أن هذا الرهان أخفق لأسباب بنيوية عميقة، في مقدمتها أن الجغرافيا التي تسيطر عليها "قسد" ذات أكثرية عربية ساحقة، وأن القوة العسكرية التي تمسك بها ليست نتاج عقد اجتماعي محلي، بل نتاج لحظة فراغ استراتيجي ورعاية خارجية ظرفية.
في العراق، قام إقليم كردستان على تاريخ طويل من الصراع، وعلى هوية قومية متماسكة في رقعة جغرافية ذات أكثرية سكانية متجانسة نسبياً، وعلى تسويات دولية وإقليمية معقّدة أعقبت حرب الخليج. أما في سوريا، فقد وُلد كيان "قسد" من رحم الحرب الأهلية، وتحالف ضمني مع النظام الأسد السابق، وفي مناطق لا تشكّل فيها القاعدة الاجتماعية الكردية أكثر من أقلية وازنة داخل بحر عربي واسع، ما جعل المشكلة منذ البداية مشكلة شرعية سياسية لا مشكلة إدارة فقط.
ومع بدء تراجع الحضور الأميركي، أو على الأقل تحوّله إلى حضور أكثر التباساً وأقل التزاماً، عاد السؤال المؤجل إلى الواجهة بقوة: ماذا تفعل "قسد" بنفسها؟ وما هو مصير هذا الكيان حين تنتهي وظيفته الجيوسياسية؟
من حيث المبدأ، يبدو الجواب بسيطاً: الاندماج في الدولة السورية الجديدة، وتسليم السلاح الثقيل، وتحويل المقاتلين إلى أفراد في الجيش الوطني، والدخول في مسار سياسي يضمن حقوقاً ثقافية وإدارية ضمن وحدة البلاد. لكن هذا "البسيط" نظرياً يصطدم بجدار نفسي–سياسي شديد الصلابة: كيف لكيان عاش عشر سنوات باعتباره سلطة، أن يقبل فجأة بأن يصير مجرّد جزء من سلطة؟
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالقيادات الكردية في "قسد"، بل بطبيعة الكيان نفسه: جهاز عسكري–أمني–اقتصادي كامل، تشكّلت حوله شبكات مصالح وامتيازات واقتصاد حرب، وانضمّت إليه أطراف شديدة التباين: من بقايا نظام الأسد، إلى عناصر من "حزب العمال الكردستاني"، إلى قوى محلية عربية وجدت في هذا الوضع المؤقت فرصة دائمة للنفوذ والحماية.
ثم هناك السؤال الأكثر حساسية: ماذا عن عشرات آلاف المقاتلين الذين لا مكان واضحاً لهم في سوريا ما بعد الميليشيات؟ وماذا عن البنية العقائدية – التنظيمية التي لا ترى في الدولة السورية دولة لها، بل كياناً تفاوضياً مؤقتاً، أو خصماً تاريخياً يجب تحجيمه لا الاندماج فيه؟
هنا تحديداً يتكرّر مشهد رأيناه في العراق ولبنان وليبيا والسودان: الميليشيا التي تُطالَب بالاندماج لا تفاوض على شروط الاندماج، بل على شروط بقائها المقنّع. فهي تريد أن تدخل الدولة من دون أن تذوب فيها، وأن تصير جزءاً من الجيش من دون أن تتخلى عن استقلالها الفعلي، وأن تتحول إلى مؤسسة رسمية من دون أن تفقد منطقها الخاص.
وكلما طال أمد هذا النوع من الكيانات، ازداد تشبثه بذاته، لا لأنه قوي فعلاً، بل لأنه يخشى اللحظة التي سيُسأل فيها السؤال البسيط والمرعب: ما ضرورتك الآن؟
الاشتباك الحالي بين الجيش السوري و"قسد" ليس، في جوهره، اشتباكاً عسكرياً على نقاط نفوذ أو معابر أو حقول نفط، بل هو اشتباك بين منطقين: منطق الدولة، مهما كانت ضعيفة ومهشّمة ومثقَلة بالإرث الكارثي للنظام السابق، ومنطق الكيان المؤقت الذي يريد أن يتحول إلى دائم من دون أن يمتلك شروط الدوام السياسية أو الاجتماعية أو القانونية.
تدرك "قسد" أن عودتها الكاملة إلى الدولة تعني، عملياً، نهاية المشروع الذي بُني خلال عشر سنوات، ونهاية طبقة كاملة من المستفيدين من اقتصاد الحرب والإدارة المنفصلة، ونهاية وهم الشراكة الندية مع المركز. وتدرك الدولة السورية، في المقابل، أن قبول كيان مسلّح شبه مستقل داخلها يعني فتح الباب أمام نموذج تفكيكي لن يقف عند حدود الشرق السوري.
بين هذين الإدراكين، يتعثر المسار السياسي، وتعود لغة القوة إلى الواجهة، لا لأنها تحل المشكلة، بل لأنها تؤجّل انفجارها الكامل.
والخلاصة الواضحة هي أن "قسد" لم تفشل لأنها لم تُعطَ فرصة كافية، بل لأنها قامت منذ البداية على معادلة لا تصلح أساساً لبناء كيان مستقر: سلطة بلا سيادة، وقوة بلا إجماع اجتماعي، ومشروع بلا أفق وطني جامع.
Loading ads...
وهكذا، كما في تجارب كثيرة في المنطقة، نكتشف مرة أخرى أن الميليشيات لا تموت بسهولة، لكنها أيضاً لا تعرف كيف تعيش بعد انتهاء وظيفتها السياسية الظرفية. وأن أصعب لحظة في حياة الكيانات المؤقتة ليست لحظة نشوئها، بل لحظة مطالبتها بالعودة إلى ما هربت منه يوماً: الدولة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



